Accessibility links

حوار الأديان في ديربون.. هل هو نموذج للتعايش؟ شارك برأيك


تجمع لعدد من الزعماء الدينيين في ديربورن

تجمع لعدد من الزعماء الدينيين في ديربورن


ديربورن-راديو سوا

"أنا أعيش في ديربورن، أنا أميركية مسلمة وفخورة بإسلامي"، قالت خلود دباجة، شابة في العقد الثالث من عمرها محجبة، "ولا أعتقد أن أكون مسلمة وأميركية أمر فيه تناقض لأن الدستور الأميركي يعطيني حق حرية اختيار ديني".

وديربورن، وهي ضاحية من مدينة ديترويت تضم أكبر تجمع للمسلمين العرب الأميركيين الذين تعود جذورهم إلى بلدان عربية مختلفة، وفيها العديد من المساجد والمراكز الإسلامية العربية والشرق أوسطية إضافة إلى الكثير من الكنائس المشرقية، وتتداخل فيها السياسة المحلية الأميركية بانعكاسات أحداث الشرق الأوسط.
الاختلاف هو من طبيعة البشر بالتالي تكامل البشرية لا يتم إلا من خلال التعارف والتفاهم والحوار

النسيج الإنساني

هذا الاختلاف جعل هذه المنطقة محط أنظار العديد من المؤسسات الفيديرالية وغير الحكومية، وألقى على عاتق المسلمين فيها مسؤولية كبيرة لتقريب وجهات النظر.

وينشط رجال الدين في ديربورن من مسلمين ومسيحيين ويهود لتقريب وجهات النظر وإزالة الغموض والالتباس سعيا لعلاقات مثمرة بين الأديان في هذه المنطقة.

السيد حسن القزويني، مرشد المركز الإسلامي في أميركا

السيد حسن القزويني، مرشد المركز الإسلامي في أميركا

​ "نحن كمسلمين لسنا الأمة الوحيدة ولا الدين الوحيد على الأرض. الله خلق شعوبا وأديانا متعددة وأرادنا أن نتعارف. ولو شاء الله لخلق الناس أمة واحدة"، قال السيد حسن القزويني، مرشد المركز الإسلامي في أميركا، مضيفا أن "الاختلاف هو من طبيعة البشر وبالتالي تكامل البشرية لا يتم إلا من خلال التعارف والتفاهم والحوار".
وشدد القزويني على أن "الإسلام كان من أول الديانات التي دعت إلى الحوار"، مشيرا إلى أن "لدى أهل الكتاب والمسلمين مشتركات أكثر من الأديان الأخرى".

ولفت القزويني إلى أن الحوار بين الديانات هو حوار "لكي نفهم بعضنا البعض وأن نتقارب بوجهات النظر فنفهم بعضنا بعضا"، وتساءل لماذا يختلف الناس؟ مستشهدا بكلام الإمام علي بن أبي طالب: الناس أعداء ما جهلوا".

الجالية العربية ومحيطها

والجالية المسلمة في ديربورن تعيش إلى جانب جاليات أخرى غير مسلمة، قال الشيخ محمد رضوان مارديني إمام المركز الإسلامي الأميركي، مشيرا إلى أن "الحكومة الفيدرالية بدستورها وقانونها العام وضعت ما يسمى بحرية الأديان أي أن من أراد اعتناق دين هو حر هذا خياره الشخصي".

الشيخ محمد رضوان مارديني إمام المركز الإسلامي الأميركي

الشيخ محمد رضوان مارديني إمام المركز الإسلامي الأميركي

​وشدد مارديني على أن الحوار الذي تقوم به الجالية المسلمة هو من أجل "فهم الآخر". وقال "نحن لدينا مقدراتنا وثقافتنا وحضارتنا. وقد أمرنا الله بأن نتعاون مع الشعوب كافة على صعيد الدين أو على الصعيد المدني"، وتابع قائلا "وإضافة إلى وجود حرية رأي، وحرية معتقد هناك أيضا حرية شخصية وينتج عنها في كثير من الأحيان زواج شخصين ينتميان إلى دينين مختلفين".

ويذهب مارديني إلى السياسة ليؤكد على أهمية الحوار، ويقول "المسلمون في الولايات المتحدة هم تحت المجهر"، مشيرا إلى أن "الإسلام أصبح بعد محط أنظار العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيياتي والشيوعية".

وقال مارديني "إن المحافظين الجدد أفرزوا عقلية جديدة ضد الإسلام تتصرف بطريقة عدائية كتصرف القس تيري جون الذي يريد أن يحرق القرآن. هو يتصرف كما يتصرف المسلمون في باكستان وأفغانستان العراق مصر لبنان وسورية"، مشددا على أنه "لا بد من إيجاد بديل ليدفع بالخطاب الديني إلى التغيير".
نحن لدينا مقدراتنا وثقافتنا وحضارتنا. وقد أمرنا الله بأن نتعاون مع الشعوب كافة على صعيد الدين أو على الصعيد المدني

التغيير والخوف

ولكن من سيصنع هذا البديل وكيف سيتم التغيير في ظل وجود ما يسمى الإسلاموفوبيا؟

يجيب الشيخ محمد علي إلاهي، مرشد دار الحكمة الإسلامية "نحن بحاجة لجلب المزيد من الثقافة والعلم على المجتمع من أجل فهم أفضل بين المجتمع المسلم والمجتمع غير المسلم".

وشدد إلاهي إلى أن الإسلاموفوبيا ناتج عن ثلاثة أمور "الأول سياسي، والثاني جهل غير المسلمين بالإسلام والثالث جهل المسلمين أنفسهم بدينهم".

الشيخ محمد علي إلاهي، مرشد دار الحكمة الإسلامية خلال اللقاء

الشيخ محمد علي إلاهي، مرشد دار الحكمة الإسلامية خلال اللقاء

وانتقد إلاهي الأئمة الذين يصدرون "فتاوى حمقاء" ويشجعون الشباب على القيام بأعمال عنف وإرهاب، مشيرا إلى أن تصرفات المسلمين وغير المسلمين الخاطئة تجاه الإسلام "مردها إلى الجهل".

وشدد إلاهي على أن "دور رجال الدين المسلمين وغير المسلمين هو الإيمان بالحوار"، مشيرا إلى أن الحوار "يبني الجسور في داخل الدين ومع الأديان الأخرى".

وأعرب إلاهي عن أسفه لربط المسلمين العرب والشرق أوسطيين بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقال "ليس كل المسلمين عربا، فالعرب المسلمون هم أقلية بين المسلمين، وليس كل الإرهابيين مسلمون".

الإسلاموفوبيا ناتجة عن ثلاثة أمور "الأول سياسي، والثاني جهل غير المسلمين بالإسلام والثالث جهل المسلمين أنفسهم بدينهم".
ولفت إلاهي إلى أن الإسلام لا يبرر العنف، قائلا "إن الإسلام دين المنطق"، داعيا المسلمين إلى استعمال العقل والتفكير بتبعات تصرفاتهم.

الاختلاف والخلاف

هذه الدعوة إلى استعمال العقل والمنطق أيدها الأب راني عبد المسيح، كاهن كنيسة والدة المخلص، وقال "إن مسيحيتي تدعوني للمحبة للآخر، وأن الاختلاف لا يعني الخلاف".

وعبد المسيح، الذي ولد في القدس، قال "نحن كمسيحيين يجب أن نفتخر بعروبتنا وكعرب أن نفتخر بمسيحيتنا"، لافتا إلى أنه "ومع الأسف طغت الطائفية والعنصرية الدينية على حياتنا".
نحن كمسيحيين يجب أن نفتخر بعروبتنا وكعرب أن نفتخر بمسيحيتنا

ويعاني عبد المسيح مما يسميه تمييزا ضد العرب، ويتندر بالقول "كلما كنت في لقاء حواري مع الأميركيين، يسألونني متى أصبحت مسيحيا؟" مشيرا إلى الاعتقاد السائد أن العرب "هم جميعا مسلمون".

وقال عبد المسيح "أنا أؤمن بنوع جديد من الحوار المسيحي الإسلامي وليس الحوار على طريقة الشرق الأوسط والذي يقوم على قاعدة أنتم على خطأ وأنا على صواب. بل على قاعدة حوار يتقبل الاختلاف"، مضيفا "أنا في مرحلة من حياتي ورغم أن ليس لدي أي شك بإيماني المسيحي، لا أدين الأخر بسبب إيمانه، أنا لا أجلس على كرسي القضاء وأقول من سيذهب إلى الجنة وإلى جهنم"، مشددا على أن "الله سيسألني عن إيماني كمسيحي وليس عن إيمان الآخرين".

ودعا عبد المسيح لأن يكون الحوار منطقيا يساعد المتحاورين على معرفة بعضهم البعض، وقال "أريد من الحوار أن يعلمني عن المسلم واليهودي والبوذي.. لأن ما من شك أني أجهل الكثير عن هذه الديانات كما أن غيري يجهل الكثير عن الديانة المسيحية. كذلك يجب أن نقول إن ليس كل مسلم يعرف الإسلام وليس كل مسيحي يعرف المسيحية".

الأب راني عبد المسيح، كاهن كنيسة والدة المخلص

الأب راني عبد المسيح، كاهن كنيسة والدة المخلص

ولفت عبد المسيح إلى أن "هذا النوع من الحوار يقوي المسيحي في مسيحيته ويقوي المسلم في إسلامه.. ويزيل سوء التفاهم".

الانقسام في الدين الواحد

تعاني الجالية العربية في ديربورن، المسلمة والمسيحية، من انقسامات فيما بينها. ويعزو رجال الدين هذا الانقسام إلى أن أبناء الجالية العربية ينقسمون أفقيا وعموديا بسبب تنوع إرثهم.

وبحسب عبد المسيح، فإن "الجالية العربية تعاني من نتائج الانقسامات في العالم العربي"، قائلا "نحن في القرن الحادي والعشرون ونعيش في وسط أميركا ونرى أناسا يعيشون في القرون الوسطى في منطقة نائية في الشرق الأوسط".


وقال عبد المسيح "عندما ألتقي مسيحيين عربا، أول سؤال يتبادر إلى ذهنهم: أنت مسيحي شو؟ (أي ما هي طائفتك؟)"، مشددا على الحوار المسكوني (حوار الطوائف المسيحية)، مضيفا "دائما أقول إذا كان الرومان صلبوا المسيحي فنحن كمسيحيين قطعناه بالسكين.. وكل منا يقول إن حصتي أكبر من حصتك... هذا لا يجوز.. هو مسيح واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة".

تدعو وثيقة الشرف إلى عدم جواز استخدام "خطاب التكفير"...
والانقسام الطائفي لا تعاني منه فقط الجالية المسيحية العربية، بل أيضا يعاني منه المسلمون.
"بقدر ما نحن بحاجة إلى حوار بين الأديان"، قال إلاهي، "نحن بحاجة إلى حوار بين الطوائف والمذاهب في الإسلام"، وعزا السبب إلى تداخل السياسة التي تؤجج الصراع بين المسلمين من سنة وشيعة في الشرق الأوسط".

وثيقة شرف

ولكن ماذا يمكن للحوار بين المذاهب والطوائف أن ينجز؟

أجاب إلاهي "إن التنوع هو نعمة تساعد على التقدم من أجل الخير، ولكن الانقسام هو مشكلة لا بد من حلها".
وتساءل إلاهي "كيف يمكن أن نعمل معا على حماية هويتنا من خلال احترام أفكارنا بعضنا البعض بمسؤولية ومن دون تحويل تنوعنا إلى انقسام يؤدي إلى اقتتال؟

وثيقة شرف بين السنة والشيعة

وثيقة شرف بين السنة والشيعة

هذا التساؤل كان لسان حال الأئمة السنة والشيعة العرب في الولايات المتحدة. فقد تنادوا إلى توقيع وثيقة شرف بين السنة والشيعة.

في هذا الإطار، قال مارديني "هذا الميثاق من أجل الذين حضروا من بيئات تعايش هذا الانقسام المدعوم سياسيا والممنهج".
ولفت إلى أن "الاختلاف بين السنة والشيعة موجود منذ 1400 سنة، ولكنه لم يكن بهذه الحدة في السابق"، مشيرا "إلى أن "السباق الفكري والمدارس الفكرية بشكل خاص أغنت الإسلام".

وفسر القزويني الحاجة إلى وثيقة شرف، لافتا إلى أن هذا لا يعني أن "بيننا معارك"، مضيفا "نحن لاحظنا النار التي اجتاحت الشرق الأوسط في لبنان والعراق وسورية تخوفنا من أن تصل النار إلى هنا فاستبقنا الأحداث بإصدار وثيقة".

وتدعو هذه الوثيقة في أول بنودها إلى عدم جواز استخدام "خطاب التكفير"، وفي ذلك قال إلاهي "ما يجمع السنة والشيعة أكثر بكثير مما يفرقهم.. نحن نؤمن بإله واحد ونصلي باتجاه قبلة واحدة ولدينا قرآن واحد.."

  • 16x9 Image

    أمل شموني



    حائزة على ماجستير في الصحافة الإلكترونية والإعلام والعلاقات العامة من الجامعة الأميركية في واشنطن، وليسانس في الصحافة ووكالات الأنباء من الجامعة اللبنانية. عملت الكاتبة في صحيفة الأنوار ومجلتي الصياد وفيروز، وصحافية مستقلة في أسبوعية الوسط وصحيفة الحياة. وقامت بتغطية العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط والولايات المتحدة. التحقت بموقع راديو سوا منذ عام 2003.

XS
SM
MD
LG