Accessibility links

logo-print

دولار ديربورن يبقى فيها.. والعرب الأميركيون مدوا يدهم إلى قرشهم الأبيض


اهلا بك في ديربورن

اهلا بك في ديربورن


ديربورن-راديو سوا

تختصر مدينة ديربورن العرب الأميركيين رغم وجود تجمعات أخرى فيها، كما تختصر جادة وارن مدينة ديربورن لوجود والمطاعم والمقاهي السوبر ماركت وغيرها من المتاجر والأعمال التي يملكها أميركيون من أصول عربية... حتى "وول مارت" و"تارغيت" في ديربورن يتنافسان مع جادة وارن.

يمضي المرء يومه، من ساعات الصباح الأولى حتى بعد منتصف الليل، في هذه الجادة.. قهوة الصباح يأخذها عند شاتيلا مع بعض الحلويات العربية من كنافة حمراء إلى قطع من البقلاوة، مرورا بكل أنواع المناقيش: زعتر، كشك، جبنة.. أو يقصد أفران الياسمين الجديدة للغرض نفسه. لكنه إذا أراد أن يتناول فطورا أكثر تميزا، فعليه أن يقصد حلويات "لي بون" لتناول "الكنافة بالجبن على الأصول".

جادة وارن، تشبه أهم الشوارع العربية، كشارع الحمرا في بيروت وشارع المتنبي في بغداد وشارع الهرم في الجيزة وشارع هائل في صنعاء... لكنها تختلف اختلافا جذريا عنهم. إنه اختلاف الناس رغم أن جذورهم واحدة.

العرض والطلب

في جادة وارن العرب الأميركيون يحترمون إشارات المرور وقوانين ركن السيارات. زحمة السير غير موجودة حتى في عز ساعات الذروة.

جمال قوسان أحد أصحاب سوبر ماركت سوبر غرين لاند

جمال قوسان أحد أصحاب سوبر ماركت سوبر غرين لاند

حتى يوم التنزيلات الكبرى على المواد الغذائية، والذي يطلق عليه اسم "وايلد ونسداي" (wild Wednesday) يحترم الناس القوانين.

عدد قليل من واجهات المحلات أو قطع الأرض شاغرة، غير أن معظم متاجر الجادة مملوكة محليا من أبناء المنطقة وفي الغالب من العرب الأميركيين.

جمال قوسان أحد أصحاب سوبر ماركت أسواق المصطفى (Super Greenland)، الذي هاجر في الثمانينات من القرن الماضي إلى الولايات المتحدة برفقة عائلته، قال "بدأنا عام 1993 العمل في مجال السلع الغذائية بسبب حاجتنا الخاصة أولا، ثم حاجة السوق المحلية للسلع الغذائية العربية"، مشيرا إلى أن "سوبر غرينلاند" لها عدة فروع في ديربورن وضواحيها.

وتحدث قوسان عن العرض والطلب، لافتا إلى أن العرب الأميركيين طلبوا سلعا خاصة، فعمد المزارعون الأميركيون إلى زراعتها. وقال "الكوسا الصغير، على سبيل المثال، كان يدعى غراي سكواش أو زوكيني لاتينية، اليوم نطلبها تحت مسمى الكوسا".

وفي جولة بين ممرات السلع داخل السوبر ماركت، ترى الطحينة اللبنانية والأرز المصري والبرغل والفريكة وغيرها من أنواع السلع التي تعتبر أساسية في المطبخ من المغرب العربي إلى أقصى دول الخليج مرورا بدول حوض البحر الأبيض المتوسط.

علي مكحل أحد مالكي سيغناتشر كافيه

علي مكحل أحد مالكي سيغناتشر كافيه

لا ركود اقتصادي

وتبرز جادة وارن، وكأنها غير آبهة بالركود الاقتصادي. ولكن كيف يمكن لشارع أن يزدهر في منطقة خسرت الآلاف من فرص العمل في حين أن المناطق التجارية الأخرى تعاني من التراجع؟

​أجاب علي مكحل أحد مالكي سيغناتشر كافيه (مطعم ومقهى نارجيلة) "دولار ديربورن يبقى في ديربورن.."، لافتا إلى أن العديد من رجال الأعمال العرب الأميركيين يدخلون في مشاريع يعرفون أنهم بحاجة لها.

وقال "قبل سنة، كنا يوميا نرتاد المقاهي، ونصرف المبلغ المرقوم سنويا على جلساتنا، لذا قررنا أن ندخل هذه المصلحة".. ولكن علي كأمثاله من رجال الأعمال العرب لديهم أعمالا أخرى وهم لا يتكلون على المقهى فقط.

... في باحة المقهى، جلس عباس برو صاحب محل الأدوات المنزلية والهدايا إلى جانبه نارجيلة وصحن "فواكه شقف"، وبين "سحبة" وأخرى من الدخان قال "بالنسبة للاقتصاد الكل تأثر والعقارات تراجعت كما حدث في معظم الولايات المتحدة.. لكننا في ديربورن لا نعتمد على الوظيفة بل على المهن الحرة".

حسن جابر المدير التنفيذي لمركز الجالية العربية للخدمات الاقتصادية والاجتماعية (أكسس)

حسن جابر المدير التنفيذي لمركز الجالية العربية للخدمات الاقتصادية والاجتماعية (أكسس)

بدوره، قال حسن جابر المدير التنفيذي لمركز الجالية العربية للخدمات الاقتصادية والاجتماعية (أكسس) "صحيح أن الركود أثر بشكل عام على العرب الأميركيين ولكنهم استطاعوا أن يتجاوزوا فترة الركود أفضل من سواهم، لأنهم استعملوا مدخراتهم لتمرير الأزمة الاقتصادية"، مضيفا "أن ولاية ميشيغن خسرت 800 ألف فرصة عمل بشكل كلي".

11 ألف مصلحة تجارية

وتضم ديربورن، بحسب احصاءات مركز الجالية العربية للخدمات الاقتصادية والاجتماعية (أكسس) حوالي 11 ألف مصلحة تجارية يملكها عرب أميركيون في مدينة ديترويت وضواحيها، وتضم حوالي 170 ألف شخص. ومردود هذه الأعمال للولاية يصل إلى حوالي 7 مليار دولار سنويا، وهي تشكل واحدة من 10 أكبر مداخيل لخزينة ولاية ميشيغن.

"بالتأكيد هناك أثر اقتصادي كبير للعرب الأميركيين في ولاية ميشيغن" قال جابر.

ووافقه عمدة مدينة "ديربورن هايتس" دان بوليتكو الرأي، قائلا "إن العرب الأميركيين في منطقة ديربورن هم جزء ناشط من المجتمع ويضمون مجموعة كبيرة من المحترفين من أساتذة وأطباء وصيادلة ومحامون.. وقد استفادت المنطقة من كفاءاتهم لدفعها الى الامام".

دان بوليتكو عمدة مدينة "ديبربورن هايتس"

دان بوليتكو عمدة مدينة "ديبربورن هايتس"

وكشف بوليتكو عن أن أداء العرب الأميركيين في منطقة ديربورن عموما ومدينة ديربورن هايتس على وجه الخصوص ساعد في النمو لجهة ارتفاع أسعار العقارات أو لجهة زيادة الأعمال.."، مشيرا إلى أن "وجود المؤسسات التي يملكها العرب الاميركيون لاسيما في شارع فورد في ديربورن هاتيس من مطاعم وأفران كان سببا للطلب الكثيف على العقارات ما جعل هذه المنطقة مرتفعة الثمن".

إحصاء جديد وصورة إيجابية

ورغم أن مجتمع العرب الأميركيين هو مجتمع كثير الاختلاف بسبب خلفية المجموعات المهاجرة ودينهم. إذ ليس كل العرب الأميركيين من دولة واحدة أو دين واحد، ولم يهاجروا كلهم في الوقت نفسه. وهجرة كل مجموعة تختلف أسبابها عن المجموعة الأخرى. هذا التنوع والاختلاف جعلهم، وخلافا لبقية الجاليات، إما أغنياء أو فقراء.. أما الطبقة الوسطى فهامشها صغير، قال جابر.

غير أن بيانات جديدة من مكتب الإحصاء الأميركي أعطت صورة أكثر ثراء للسكان المتحدرين من أصل عربي في الولايات المتحدة، خصوصا وأن هذه الجالية تميل لأن تكون أفضل تعليما وتكسب المزيد من المال من الأميركيين الآخرين.

بالتأكيد التجربة العربية في ميشيغن غنية ومتنوعة، خصوصا وأن العائلات العربية بدأت تصل إلى هذه المنطقة منذ بداية القرن العشرين. لقد أتوا من اليمن، لبنان، العراق وجميع أنحاء الشرق الأوسط. غير أن ثلث المهاجرين، بحسب جابر، يعانون من عدة مشاكل تقف في وجه اندماجهم في المجتمع الجديد.

عباس برو صاحب محل الأدوات المنزلية والهدايا

عباس برو صاحب محل الأدوات المنزلية والهدايا

وبناء على دراسة أجرتها مؤسسة أكسس، أشار جابر إلى أن العديد من المهاجرين أميين باللغة الإنكليزية. وإضافة إلى اللغة، هناك عائق آخر هو أن يجد المهاجر عملا ليستطيع النجاح في مجتمعه الجديد.

وكشف جابر أن 70 في المئة من المهاجرين يأتون من مجتمعات زراعية، وليست لديهم مؤهلات تناسب سوق العمل الصناعي في الولاية.

أما المسألة الثالثة، فقال جابر، هي أن المهاجرين الذين أتوا من لبنان ومن العراق والذين سيأتون من سورية بسبب الحروب، يعانون من أعراض ما بعد الصدمة بصورة متفاوتة.

وأشار جابر إلى أن العرب الأميركيين منخفضي الدخل، يهربون من الاندماج في المجتمع الأميركي إلى التقوقع في غيتو محيطه يبلغ خمسة أميال.. إنه أكبر تجمع للعرب الأميركيين.. هناك يعيش المهاجرون في مجتمع داخل مجتمع من دون ان يضطروا للتحدث بلغة ثانية غير العربية.

ورغم أن العرب الأميركيين منقسمين عموديا، إلا أن أرباب العائلات يشددون على أبنائهم وبناتهم ليحصلوا على شهادات جامعية.

وفي هذا الإطار، قال جابر إن نسبة خريجي الجامعات من العرب الأميركيين هي أعلى من باقي الجاليات وتصل إلى 32 في المئة مقارنة مع 28 في المئة.

ورغم أن 10 في المئة فقط من العرب الأميركيين بحسب بيانات مكتب الإحصاء الأميركي يعيشون في ولاية ميشيغن، إلا أن منطقة ديربورن تمثل حالة خاصة من المساحة الأميركية بنكهة عربية.

"لقد تأقلم الأميركيون مع الواقع وهو: في ديربورن نعيش وكأننا لم نهاجر.." قال جمال قوسان، مشيرا إلى أن فرص العمل بالنسبة للعرب الأميركيين موجودة حتى لو لم يتقنوا اللغة الإنكليزية.

وقال "نوظف الكثير من الناس الذين في الغالب لا يتكلمون سوى العربية.. الانكليزية ليست ضرورية للوظيفة".

وقال قوسان "أميركا أعطتني الشعور بالأمان الذي سلب مني في السابق.. هذا الشعور أعطاني دفعا للتطلع إلى مستقبل أفضل وأكثر طموحا.."

وفيما يستعد جمال وشركاه إلى افتتاح فرعهم السادس، قال "في السابق كنا نريد أن نكسب العرب ولكن اليوم نحن نريد أن ننفتح على السوق الأميركية..".


  • 16x9 Image

    أمل شموني



    حائزة على ماجستير في الصحافة الإلكترونية والإعلام والعلاقات العامة من الجامعة الأميركية في واشنطن، وليسانس في الصحافة ووكالات الأنباء من الجامعة اللبنانية. عملت الكاتبة في صحيفة الأنوار ومجلتي الصياد وفيروز، وصحافية مستقلة في أسبوعية الوسط وصحيفة الحياة. وقامت بتغطية العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط والولايات المتحدة. التحقت بموقع راديو سوا منذ عام 2003.

XS
SM
MD
LG