Accessibility links

logo-print

غرداية بين الميزابيين والشعانبة.. أزمة طائفية أم مذهبية؟


قوات أمن جزائرية خلال مواجهات في غرداية

قوات أمن جزائرية خلال مواجهات في غرداية

يصف الجزائريون في عمومهم علاقة الميزابيين الأمازيغ الذين يعتنقون المذهب الإباضي، بالعرب الشعانبة السنة، بأنها أرقى علاقة تعايش في تاريخ الجزائر عبر قرون من الزمن، في مدينة غرداية.

غير أن هذا التعايش سرعان ما بدأ يعرف مناوشات تحولت في السنوات القليلة الماضية إلى صراعات، ثم تطورت إلى صدامات أدت إلى سقوط ضحايا من الجانبين، وتحولت مدينة غرداية الهادئة إلى مركز لأعقد الأزمات التي تعيشها الجزائر.

وأسفرت المواجهات بين العرب المالكيين والميزابيين الإباضيين، منذ اندلاعها في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي عن مقتل تسعة أشخاص وجرح 400، فضلا عن نهب وإحراق مئات المحال التجارية والمنازل.

وسارعت السلطات الجزائرية إلى نشر نحو عشرة آلاف من عناصر الشرطة والدرك في هذه المدينة البالغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة بينهم نحو 300 ألف ميزابي، ولكن ذلك لم يمنع استمرار أعمال العنف.

وينتظر الجزائريون تجسيد الوعود التي أطلقتها حملة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات نيسان/أبريل الماضي، بحل نهائي للأزمة في غرداية مباشرة بعد الانتخابات.

ويتذكر الجزائريون تصريحات عبد المالك سلال الذي كان حينها مديرا لحملة بوتفليقة الانتخابية، عندما قال إن وفدا رفيعا سينتقل إلى المدينة ولن يعود منها إلا والأزمة قد انتهت.

وهذا مقطع فيديو لتصريحات سلال خلال الحملة الانتخابية:

أسباب الأزمة

وبدأت الأحداث الأخيرة في غرداية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بعد أن شهدت مدينة الڤرارة، 110 كلم شمال شرقي غرداية، مشادات عنيفة بين سكان عدد من أحياء المدينة، إثر اشتباكات دامية بين أنصار فريقين لكرة القدم جمعت فريق أهلي الڤرارة والترجي الرياضي للڤرارة.

وأسفرت المشادات آنذاك في يوم واحد عن إصابة ما لا يقل عن 60 شخصا بجروح منهم 20 من رجال الأمن و40 مواطنا 4 منهم إصاباتهم خطيرة.

غير أن هذه الأحداث ليست الأولى في المنطقة التي تبدأ باشتباكات ثم تأخذ أبعادا طائفية ومذهبية، لتبقى الأسباب الحقيقية في كل مرة غير واضحة.

وتتباين تفسيرات المراقبين لأصول ما يقع في غرداية، إن كانت تنبع من منطلق طائفي بين الأمازيغ والعرب، أو مذهبي بين الإباضيين والسنة، في حين يرجعها آخرون إلى تفسيرات اجتماعية واقتصادية تطالب بتحسين مستوى معيشة المواطنين في المنطقة.

نقولها ونكررها أزمة غرداية ليست صراعا عرقيا بين الميزابيين الأمازيغ والشعانبة العرب، وليست أزمة مذهبية إسلامية بين المالكيين والإباضيين، وإنما هناك تواطؤ مفضوح للسلطة في غرداية

وقال خضير باباز، عضو خلية التنسيق والمتابعة لأحداث غرداية في تصريح لموقع "الحرة"، إن هناك محاولة للحكومة لإعطاء طابع عرقي ومذهبي للخلاف في غرداية.

وأضاف باباز "نقولها ونكررها أزمة غرداية ليست صراعا عرقيا بين الميزابيين الأمازيغ والشعانبة العرب، وليست أزمة مذهبية إسلامية بين المالكيين والإباضيين، وإنما هناك تواطؤ مفضوح للسلطة في غرداية".

وتابع قائلا إن "هناك تواطؤ مفضوح لحماية المجرمين في القضية، ما يؤكد وجود بصمة قوية لبعض الأجنحة في السلطة في هذه المسألة".

أما المحلل السياسي عبد العالي رزاقي، فيعتقد أن أزمة غرداية سببها صراع على مستوى السلطة، لأن "غرداية منطقة مهمة بالنسبة للجزائريين، أولا باعتبار أن لها مذهب خاص هو الإباضية، إضافة إلى أنها تشكل أهمية كبيرة على المستوى الاقتصادي كون أغلبها تجار، ناهيك عن كونها أهم منطقة سياحية للجزائريين والأجانب".

وأضاف رزاقي أن الصراع في غرداية ليس بين الإباضية والمالكية، وإنما بين "أطراف في السلطة".

ويعود الأكاديمي والباحث الاجتماعي ناصر جابي بالعلاقات بين الميزابيين والعرب الشعانبة إلى قرون، مؤكدا أن الإباضية مذهب قديم في الجزائر، والإباضيون تعايشوا بطريقة عادية طيلة قرون مع محيطهم، إلى غاية السنوات الأخيرة.

واستدل جابي على ذلك بكون الإباضيين يعيشون بصفة طبيعية مع محيطهم في مناطق أخرى من الجزائر، مثل ورقلة في الجنوب الجزائري.

أزمة غرداية تنطلق من مشكلة بناء نسيج وطني سياسي، الذي لم تتمكن الدولة الجزائرية المستقلة من بنائه في عدد من المناطق الحساسة التي تتميز بخصوصيات ثقافية ومذهبية

ويرى جابي أن أزمة غرداية تنطلق من مشكلة بناء نسيج وطني سياسي، لم تتمكن الدولة الجزائرية المستقلة من بنائه في عدد من المناطق الحساسة التي تتميز بخصوصيات ثقافية ومذهبية.

ويضاف إلى ذلك، حسب جابي، المشاكل ذات الطابع الاجتماعي، مثل غياب ثقافة الزواج المختلط بين الميزابيين والعرب، ومشكل العقار بعد ظهور نزعة دخول البدو إلى المدينة بحثا عن فرص أفضل للعيش، وأصبح العرب المالكيين يزاحمون الإباضيين على العقار القليل أصلا.

مساعي الحل؟

ورغم المساعي التي قامت بها السلطات الجزائرية لحل أزمة غرداية، إلا أن المواجهات ما زالت مستمرة رغم تراجع حدتها، كما أن قوات الأمن ما زالت منتشرة في أحياء المدينة التي رفض العديد من سكانها العودة إلى منازلهم بسبب الخوف من الانفلات الأمني.

وكان العديد من هؤلاء السكان قد تعرضوا لاعتداءات وحرق لمنازلهم ومحلاتهم التجارية من قبل من يصفهم السكان المحليون بالعصابات الإجرامية.

ويتبادل الميزابيون والعرب الاتهامات حول من قام بحرق المنازل والمحلات والعبث بمحتوياتها، وينشر الطرفان في كل مرة أشرطة فيديو يتهمون فيها الطرف الثاني.

وقدرت مصادر محلية قيمة الخسائر التي خلفتها الأحداث طيلة التسعة أشهر الأخيرة بـ 40 مليون دولار، جراء حرق عشرات المحلات التجارية والمنازل والسيارات وغيرها، في حين لا تتوفر أرقام رسمية حول هذه الخسائر.

وقد دفع هذا الوضع عددا من الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني إلى بذل مساعي من أجل الدفع إلى حل الأزمة، بالإضافة إلى مساعي السلطة.

السلطة لم تعط الصلاحيات لرؤساء العشائر الذين يملكون تأثيرا على شباب المنطقة بهدف وضع حد للنزاع وكل طرف في السلطة يحاول تقديم الحل على طريقته التي لا تخلو من اتباع المقاربة الأمنية بدل السياسية

ويرى عبد العالي رزاقي، أن السلطة لم تعط الصلاحيات لرؤساء العشائر الذين يملكون تأثيرا على شباب المنطقة بهدف وضع حد للنزاع، مضيفا أن كل طرف في السلطة يحاول تقديم الحل على طريقته التي لا تخلو حسبه، من اتباع المقاربة الأمنية بدل السياسية.

ويقول خضير باباز من جانبه، إن "هناك أطرافا نافذة مستفيدة من أزمة غرداية، وهناك عدم جدية في اتخاذ الحلول اللازمة لحل الأزمة. لو تريد الحكومة الجزائرية اتخاذ قرارات حاسمة، فإن الأزمة ستحل في 48 ساعة".

وأضاف أن السلطة لا تتحاور مع الممثلين الحقيقيين للمواطنين في غرداية، وإنما تجلس مع "ممثلين على المقاس والذين لا يمثلون إلا أنفسهم وتريد هي فرضهم".

وطالب المتحدث الحكومة بفتح تحقيق حول الأحداث ومساءلة من يقف وراء عمليات السرقة والنهب التي تعرضت لها ممتلكات الإباضيين، مشيرا إلى أنهم يملكون الأدلة بالصوت والصورة عن الذين يقفون وراء ذلك.

أما ناصر جابي، فيرى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجزائرية لم تتطرق إلى عمق الأزمة.

وأضاف أن الحل يبدأ بحضور الدولة ورغبتها في بناء نسيج اجتماعي وطني والاعتراف بتميز وخصوصيات بعض الجهات والمناطق، وبناء مجتمع العرب والأمازيغ والميزابيين والإباضيين وكل مكونات المجتمع.

غير أن رغبة الدولة تصطدم حسب المتحدث، في القدرة على تغيير النظام السياسي حتى يعترف بهذه الخصوصيات.

  • 16x9 Image

    محمد بوزانة

    حاصل على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والإتصال من معهد الصحافة بجامعة الجزائر، إشتغل لمدة عشر سنوات في صحيفة الخبر الجزائرية، ومراسلا صحفيا من بورصة وول ستريت لقناة فرانس 24، إضافة إلى مراسل من الولايات المتحدة لإذاعة الجزائر الدولية.

XS
SM
MD
LG