Accessibility links

هل تراجعت حرية الصحافة في الجزائر؟


عدد الصحف فاق المائة في الجزائر

عدد الصحف فاق المائة في الجزائر



تصاعدت مخاوف الإعلاميين في الجزائر من فقدان المكاسب التي حققوها منذ الانفتاح الإعلامي قبل 24 سنة، بسبب عوامل عدة كان آخرها تهديد وزارة الدفاع الجزائرية بملاحقة الصحافي سعد بوعقبة، على خلفية نقده للمؤسسة العسكرية.

وقبلها سجن المدون الشاب عبد الغني علوي بسبب نشره صورة كاريكاتورية حول الرئيس بوتفليقة، وهي الحادثة التي جاءت بعد أشهر قليلة من غلق صحيفتي "جريدتي" و"مون جورنال" اللذين كان يسيرهما الصحافي والضابط السابق في الجيش هشام عبود.

وفي الوقت الذي يتطلع فيه الصحافيون في الجزائر إلى تمرير البرلمان لقانون السمعي البصري الذي يسمح بفتح قنوات تلفزيونية خاصة، يبدي الكثير منهم مخاوف من أن تؤدي ما يسمونها بتحرشات السلطة إلى ضياع هامش الحرية التي تتمتع بها الصحافة المكتوبة على وجه الخصوص.

ووصلت عدد الصحف اليومية في الجزائر منذ إقرار التعددية الإعلامية سنة 1989 إلى 140 صحيفة، في حين سمحت الحكومة الجزائرية للعديد من القنوات الخاصة بالنشاط في الجزائر، رغم أنه تم إنشاؤها بقوانين أجنبية، في انتظار المصادقة على قانون السمعي البصري.



وما زاد من مخاوف الصحافيين هو تزامن ممارسات السلطة تجاه الإعلام، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، إذ يحاول المقربون من بوتفليقة ترشيحه لولاية رابعة.

تضييق مقصود أم مصادفة؟

ويقدم الصحافي هشام عبود قراءة للتطورات الأخيرة، ويقول إن النظام الجزائري يسير في هجوم متواصل على حرية الصحافة في البلاد، وهذه الهجمات بدأت منذ مرض الرئيس، الذي أرادت من خلاله السلطة أن يبقى سرا من أسرار الدولة ولا يحق للشعب معرفة أي شيئ بخصوصه.

النظام الجزائري يسير في هجوم متواصل على حرية الصحافة في البلاد، وهذه الهجمات بدأت منذ مرض الرئيس، الذي أرادت من خلاله السلطة أن يبقى سرا من أسرار الدولة
وأضاف عبود في حوار مع "راديو سوا" أن ما يحدث من متابعات للصحافيين مرتبط بخلافة بوتفليقة، مشيرا إلى أن "التحرشات بدأت بمصادرة صحيفتي "جريدتي" و"مون جورنال"، ثم ملاحقتي قضائيا واتهامي بالمساس بأمن الدولة والوحدة الترابية والمساس بمؤسسات الدولة وتسييرها، فقط لأنني قلت إن وضع الرئيس الصحي في حالة تدهور".

أما سعد بوعقبة صاحب عمود "نقطة نظام" في صحيفة "الخبر"، فيعتقد أن التهديد بمتابعته قضائيا، وحبس المدون عبد الغني علوي، مجرد صدفة، وأيضا قضية وقف جريدتين عن الصدور. وقال "أعتقد أن تزامن هذه القضايا هو الذي أحدث هذا الربط الغريب في الأمر".

وأضاف بوعقبة في حوار مع "راديو سوا" أن المقال الذي نشره بعنوان "هل نحن في حاجة إلى خبرة دولية لتنظيم الجنائز؟"، والذي انتقد فيه المؤسسة العسكرية، لم يكن يستحق كل هذا الضجيج "لأن مقالي تضمن نقدا عاديا، وكنت قبلها قد كتبت مقالات أكثر حدة حول المؤسسة العسكرية".



وتابع قائلا "في نظري ليست المؤسسة العسكرية هي التي ارتكبت الخطأ، وإنما المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة المرتبطة بالإعلام الرسمي. وزارة الدفاع أرسلت ردا عاديا إلى الجريدة ونشرناه في المكان ذاته الذي صدر فيه المقال، غير أن المسؤولين في وكالة الأنباء الجزائرية حولوا الرد إلى بيان باسم الوزارة، وهذا ما أعطى للموضوع أبعادا لا تستحقها".

ويرى عبد الوهاب جاكون من جانبه، مدير صحيفة "لانوفال ريبيبليك" الناطقة بالفرنسية أنه ليس هناك اختيار للتوقيت في هذه القضايا، معتبرا أن الحديث عن هذه المسائل بهذا النقد الحاد، هو مبالغة. وقال "ما حدث ليس تهديدا لحرية الصحافة في الجزائر".

وبخصوص تهديد المؤسسة العسكرية بمتابعة بوعقبة، قال جاكون إن "بوعقبة من حقه أن يكتب، ولكن يبقى السؤال حول كيف تؤول الجهة التي تناولها بكتاباته والتي لها الحق أن تدافع عن نفسها".

بوعقبة من حقه أن يكتب، ولكن يبقى السؤال حول كيف تؤول الجهة التي تناولها بكتاباته والتي لها الحق أن تدافع عن نفسها
وأضاف أن قضية حبس المدون عبد الغني علوي لا يمكن الحكم عليها بأنها تهديد لحرية الصحافة، إذ أن "المدونات والصحف الالكترونية ليس لها قانون ينظمها في الجزائر، مثلها مثل القنوات التلفزيونية الخاصة التي ليس لها قانون بعد، ورغم ذلك تنشط بحرية".

مكاسب مهددة؟

ويطرح المتابعون أسئلة عديدة حول ما يصفونه بتراجع السلطة الجزائرية عن وعودها بتحقيق مزيد من الإصلاحات في مجال الحريات الأساسية ومنها حرية التعبير والصحافة.

ويعتقد سعد بوعقبة أن الإنجازات التي "حققناها في بداية التسعينيات أصبحت تتآكل، مثلما تآكل الانفتاح السياسي الذي حصل بعد دستور 1989، الأحزاب أصبحت شكلية والممارسة السياسية أصبحت هي الأخرى شبه شكلية ليس لها علاقة بالممارسة السياسية الحقيقية، وليس هناك عمل برلماني بالمعنى الحقيقي".

وأرجع المتحدث هذا التراجع إلى ما وصفه بعملية "التعميم والتعويم للصحف، حيث نملك أكثر من مائة صحيفة ولكن لا توجد إلا بعض منها يمكن أن نسميها تجاوزا لفظ صحف".

وأضاف أن التراجع عن المكاسب سيظل مستمرا لكون الصحافيين تخلوا عن تنظيم أنفسهم والدفاع على مكاسبهم مثلما تخلى السياسيون عن دورهم في فرض أنفسهم في الحياة السياسية.
الإعلام الفضائي يغزو البيوت الجزائرية

الإعلام الفضائي يغزو البيوت الجزائرية


ويقف عبد الوهاب جاكون مخالفا لهذا الرأي، ويعتبر أنه "من المستحيل الآن في الجزائر التراجع عن مكسب حرية الصحافة، لأن لا السلطة قادرة على التراجع ولا المجتمع ولا الفاعلين في هذا المجال".

غير أنه أكد أنه يجب الخروج من "التشرذم الإعلامي"، بعد أن أصبحت الجزائر تتوفر على 144 عنوانا، مشيرا إلى أنه "في كل بلدان العالم تسعى السلطة دائما إلى تقليص الحريات بطرق مختلفة سواء بالقانون أو المال".

ولا يرى جاكون أن حرية الصحافة مهددة في الجزائر، معتبرا أن هناك انتقادات لاذعة ضد النظام والسلطة. واستطرد قائلا "تبقى فقط بعض الكتابات حول مؤسسات حساسة مثل المؤسسة العسكرية وأعتقد أن القوانين في هذه المسائل صارمة في كل البلدان، خصوصا إذا تعلق الأمر بالسر الاقتصادي وسيادة البلد وأمنه".

وبرأي المتحدث، فإنه حتى في الدول الديمقراطية الكبرى مثل أميركا وفرنسا لا يمكن فيها للصحافي نشر بعض المقالات.

تصورات المستقبل

وبالإضافة إلى الانتقادات التي يقدمها العاملون في قطاع الإعلام للسلطة في الجزائر، فإنهم يمارسون ضغوطا كبيرة بهدف فتح مجال السمعي البصري، من خلال المصادقة على مشروع القانون التي قدمته الحكومة أمام البرلمان في الأيام القليلة الماضية.

وقال وزير الاتصال عبد القادر مساهل خلال تقديمه للمشروع إن "النص يأتي في إطار الإصلاحات التي يقوم بها رئيس الجمهورية لترسيخ وتوسيع مجال دولة القانون والحريات".

ويقول هشام عبود إن السلطة في الجزائر "غير مستعدة تماما لفتح المجال أمام السمعي البصري ولا الصحافة والقنوات الفضائية الخاصة".

وأضاف أن القنوات الخاصة التي تنشط في الجزائر كلها أجنبية، لأنها لا تعمل وفق قانون جزائري، بل لها فقط رخصة للعمل، وإذا تجرأت وقالت شيئا عن الرئيس فإنها ستغلق بطريقة قانونية لأنها تمارس عملها خارج القانون الجزائري".

ويوافق سعد بوعقبة على هذا الطرح، ويقول "ليست هناك نية لإصلاح الخلل الموجود على مستوى الإعلام، فمجال السمعي البصري مغلق، والإعلام الفضائي الجزائري ما زال محتلا من فضائيات أجنبية".

ليست هناك نية لإصلاح الخلل الموجود على مستوى الإعلام، فمجال السمعي البصري مغلق، والإعلام الفضائي الجزائري ما زال محتلا من فضائيات أجنبية
وأضاف أن 60 إلى 70 في المئة من الجزائريين يأخذون المعلومات عبر الإعلام الفضائي حول ما يجري في بلدهم، وهذا يعكس برأيه مشكلة أساسية في تسيير الرأي العام الوطني، وأصبحت المشكلة تمس حتى بالأمن القومي للبلاد.

ويستطرد قائلا إن مستقبل الصحافة في الجزائر "مظلم لأن الأمر لا يتعلق بالصحافة. لا يمكن أن تنجز صحافة حرة في مجتمع لا يمارس الحرية السياسية والاقتصادية لأن المؤسسات الدستورية هي أساس الحريات، والإعلام كظاهرة مرتبط بالظاهرة السياسية. ما دام الأفق السياسي ما زال مغلقا في الجزائر لا يمكن أن نتصور إعلاما مفتوحا".

غير أن عبد الوهاب جاكون يرفض أن يربط بين ما يحصل من بعض الخلافات بين الصحافة والسلطة، على أن الأخيرة تدفع نحو التراجع عن حرية التعبير.

وقال جاكون "إذا أردنا أن نحكم على حرية الصحافة في الجزائر يجب أن نحكم على ما حصل من تطورات في سنوات طويلة وليس فقط مدة محدودة"، مضيفا أن الصحافة الجزائرية في السنوات الأخيرة تصنف من الأشد انتقادا للسلطة في البلدان العربية، بسبب تمتعها بقسط كبير من الحرية، غير أنه يرى أن حرية الصحافة ليست مطلقة بل هي لعبة لا بد على كل طرف أن يحترمها.
  • 16x9 Image

    محمد بوزانة

    حاصل على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والإتصال من معهد الصحافة بجامعة الجزائر، إشتغل لمدة عشر سنوات في صحيفة الخبر الجزائرية، ومراسلا صحفيا من بورصة وول ستريت لقناة فرانس 24، إضافة إلى مراسل من الولايات المتحدة لإذاعة الجزائر الدولية.

XS
SM
MD
LG