Accessibility links

logo-print

هل تشن مصر حملة عسكرية ضد إثيوبيا بسبب مياه النيل؟


نهر النيل

نهر النيل

"الحروب على المياه" عبارة ترددت كثيرا في السنوات الأخيرة للتحذير من نتائج نقصان إمدادات المياه، خاصة بين دول حوض النيل التي لطالما ثارت خلافات كبيرة فيما بينها على استخدامات مياه النهر.

وجاءت أزمة سد النهضة الأثيوبي الأخيرة لتنبه دولتي مصب نهر النيل مصر والسودان مجددا إلى التهديدات التي يمكن أن يشكلها هذا السد على حصتيهما من المياه، وشن سياسيون وإعلاميون مصريون هجوما لاذعا على إثيوبيا وصلت إلى حد المطالبة بعمل عسكري ضدها.

فما هو مدى تأثير بناء سد النهضة على تدفق المياه إلى مصر وإلى أي مدى يمكن أن يلجأ المصريون إلى الحل العسكري؟

الخيار العسكري

يرى المستشار القانوني السوداني أحمد المفتي في اتصال مع موقع قناة "الحرة" أن التفاوض هو الحل "الأخضر" من أجل تحقيق الأمن المائي لدول الحوض وإنتاج الكهرباء، واصفا موقف بعض الشخصيات المصرية من شن عمل عسكري بأنه "متطرف".

وردا على سؤال للموقع عن مدى قدرة الجيش المصري على التدخل العسكري في إثيوبيا، استبعد الرئيس السابق لأكاديمية ناصر العسكرية في مصر زكريا الزيات قيام مصر بتوجيه ضربة عسكرية هناك سواء كانت صاروخية أو برية.

وقال إن أهم الصعوبات التي تمنع ذلك هي أن القوات المصرية ليس لديها التدريب الكافي لشن هجمات عسكرية، لأن "تدريباتها القتالية ترتكز بالأساس على مهام دفاعية".

وأشار أيضا إلى أن التواجد الدولي في منطقة القرن الإفريقي ومنطقة باب المندب يشكل عائقا أمام هذا التدخل، مضيفا أن" أي ضربة جوية أو برية يفترض أن تمر على أجواء دول يجب أن تتوافق توافقا تاما مع مصر، وهو ما يصعب حدوثه".

وأعادت هذه التهديدات المصرية إلى الأذهان الحقبة التاريخية التي توترت فيها علاقات البلدين عام 1976 عندما هدد الرئيس المصري الراحل أنور السادات إثيوبيا عسكريا بسبب خلافات مماثلة حول مياه النهر، وبسبب موقف الأخيرة من استقلال إريتريا.

لكن السياسية الخارجية المصرية شهدت تحولا بعد ذلك بسنوات وفضلت مصر عدم التدخل في شؤون إثيوبيا مع جيرانها، لكن لم تمر سنوات قليلة حتى توترت العلاقات مجددا بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك.

وتعد سنة 2010 من أبرز المحطات العدائية بين البلدين لأن رئيس الوزراء الأثيوبي آنذاك ميليس زيناوي اتهم مصر صراحة بالتخطيط لشن هجوم عسكري ضد بلاده.

وأعقب ذلك قيام موقع ويكيليكس في فبراير/شباط 2012 بنشر وثيقة سرية تشير إلى أن مصر كانت لديها "خطط بديلة" تتضمن إرسال قوات خاصة أو طائرات لنسف السد، في حال فشلت الوسائل الدبلوماسية.

"كارثة"

شكلت المخاوف مما يمثله سد النهضة محور اهتمام العديد من الخبراء والإعلاميين المصريين في الفترة الأخيرة ومنهم مستشار وزير الري المصري السابق ضياء الدين القوصي الذي حذر من مخاطر السعة التخزينية الكبيرة لمياه السدود الأثيوبية على القشرة الأرضية ما ينذر بوقوع "كوارث طبيعية".

وأشار أيضا إلى أن انهيار السد بالارتفاع الهائل له يعرض أقرب المدن إليه، وهي الخرطوم إلى مخاطر التعرض للفيضانات.وحذر أيضا من أن السودان ومصر قد لا يصلهما أي مياه، لو قررت إثيوبيا حجز المياه خلف السد في سنة واحدة، نظرا لأن السعة التخزينية للسد هي 74 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما يفوق حصة مصر من المياه سنويا.

تردد مصري
وعلى الرغم من المخاوف المصرية من بناء السد سواء على مستوى الخبراء أو الحكومة المصرية، قال تقرير رسمي للسفارة الإثيوبية في الولايات المتحدة إن الحكومة الإثيوبية والشعب الإثيوبي يستحملان تكاليف إنشاء السد، لأن الدول المانحة رفضت تقديم مساعدات مادية "بسبب ضغوط إقليمية".

وقال التقرير إن هذه الضغوط تتعارض مع موقف وزير الاستثمار المصري الذي كان قد طالب، بحسب التقرير، البنك الدولي بتمويل المشروع خلال المفاوضات التي جرت بين البلدين عام 2008.

وبعد سنوات من الشد والجذب حول المشروع، قررت مصر أخيرا الاستناد إلى تقرير لجنة ثلاثية شكلت عام 2011 وتتألف من خبراء ومتخصصين من إثيوبيا والسودان ومصر.
وسربت مصر في الأيام الأخيرة بعض فقرات هذه النتائج، وقالت إن الدارسات التي أجرتها اللجنة حول السد شابها "قصور في تحليل الآثار الاقتصادية وحجم السد وطاقته الكهربائية وإجراءات السلامة له".

موقف سوداني توافقي

من جانبه، أشار المستشار القانوني السوداني في لجنة مياه النيل أحمد المفتي إلى أهمية تشكيل إدارة مشتركة لانسياب مياه النهر بهدف إنتاج الكهرباء، لافتا إلى أن إثيوبيا أعلنت بالفعل عن رغبة في بيع الكهرباء المولدة من السد لمصر والسودان بأسعار تنافسية.
وتوقع أن تأخذ الحكومة السودانية موقفا توافقيا من التقرير، إلا أنه لم يخف في ذات الوقت قلقا سودانيا من تخزين المياه خلف السد وإمكانية انهياره.

إثيوبيا تبرر

وتبرر إثيوبيا الشروع في بناء السد بأنها المساهم الأكبر في حصة مياه نهر النيل، وبهدف سد حاجة سكانها من المياه غرب البلاد وإنتاج الطاقة الكهربائية لأغراض التنمية.

وقد أكد ذلك نائب رئيس الوزراء الإثيوبي الذي قال في مقابلة صحافية "لسنا أنانيون. نحن نبحث عن مصالحنا القومية. نهر النيل هو نهر دولي وسنعمل ما في وسعنا لتدارك مصالح (دول المصب)".

ويتوقع المسؤولون الإثيوبيون البدء في إنتاج الكهرباء من السد العام القادم، والانتهاء من تخزين 74 مليار متر مكعب من المياه بحلول عام 2017.

وفي محاولة لتبديد المخاوف من تأثير السد على تدفق المياه، أكد تقرير السفارة الإثيوبية في الولايات المتحدة بالاستناد إلى دراسات علمية عدم تأثر حصتي مصر والسودان لأن إثيوبيا "لن تستهلك أو تسحب كميات كبيرة من المياه".

كما قال التقرير إن تخزين المياه سيتم بالتشاور مع هذه الدول، وإن قدرة هذا السد على تخزين المياه هي أكبر من السد العالي في مصر والسدود السودانية التي انخفضت قدراتها التخزينية إلى النصف، بحسب التقرير.

وأشار التقرير أيضا إلى أن السد سيساعد على منع تبخر 19 مليار متر مكعب من المياه، وسيحمي سدود مصر والسودان من مخاطر الفيضانات والتغير المناخي.

مخاوف جدية؟

أما بالنسبة لرأي الخبراء الدوليين، فقد نشر موقع ستراسفورد المتخصص في الشؤون الاستخباراتية دراسة نبهت إلى أن نهر النيل ينتج فقط 85 مليار متر مكعب فقط من المياه سنويا وهو ما لا يكفي لسد احتياجات سكانه، بحسب الدراسة.

كما تنبأت الدراسة أن يعوق بناء سد النهضة تدفق حوالي 18 مليار متر مكعب من المياه عن مصر، في وقت يتوقع أن يبلغ عجزها من المياه 21 مليار متر مكعب بحلول عام 2050.
ونبهت الدراسة أيضا إلى أن نقص المعروض من المياه سيخفض من الإنتاج الزراعي لمصر وبالتالي الدخول في أزمة غذائية وزيادة مخاطر حدوث مجاعات مستقبلية.

الوضع تاريخيا

وترفض إثيوبيا اتفاقات تاريخية أعطت مصر والسودان نصيب الأسد في مياه النيل، ما أثر سلبا على العلاقات بين دول المنبع وخاصة إثيوبيا التي تريد سد حاجة سكانها الاقتصادية ودولتي المصب المدفوعتين برغبة مماثلة في تلبية كفاية سكانهما من الغذاء.

وتعترض إثيوبيا بشكل أساسي على اتفاقية عام 1929 و 1959 التي حددت حصة مصر من المياه بـ55.5 مليار متر مكعب سنويا، بينما يحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب من إجمالي 84 مليار متر مكعب إجمالي إيرادات النهر.

ورغبة في تجاوز الخلافات، وقعت دول الحوض على مبادرة حوض النيل عام 1999، التي سرعان ما انهارت بتوقيع دول المنبع منفردة على اتفاقية عنتيبي عام 2010 والتي أقرت فيها بعدم الاعتراف ضمنا بالاتفاقات التاريخية السابقة.

ولم يمر عام على اتفاقية عنتيبي حتى أعلنت إثيوبيا رسميا في أبريل/نيسان 2011 إنشاء سد النهضة.

ويقع هذا السد على بعد حوالي 500 كيلومتر من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بالقرب من الحدود السودانية. ومن المقرر أن يبلغ ارتفاعه 170 مترا، وتقول إثيوبيا إن السد الذي يتوقع أن ينتج حوالي 6 ميغاوات سنويا سيكون أكبر سد كهرومائي في إفريقيا.
  • 16x9 Image

    هاني فؤاد الفراش

    تخرج عام 2002 ثم التحق للعمل مباشرة بوزارة الإعلام المصرية كمحرر، قبل أن يعمل كمحرر للموقع الالكتروني لبوابة مصراوي. عمل في مراكز للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة

XS
SM
MD
LG