Accessibility links

خطاب التنصيب الذي ألقاه باراك أوباما من منصة أمام الكونغرس الأميركي أمام الملايين


ألقى الرئيس الجديد باراك أوباما خطاب التنصيب من منصة أمام الملايين من الجماهير التي احتشدت أمام مبنى الكونغرس الأميركي، وتعهد أوباما في خطابه بانتهاج طريق جديد إلى الأمام.

وفي ما يلي النص الحرفي لخطاب الرئيس أوباما:

"مواطني الأعزاء

أقف اليوم متواضعا أمام المهمة التي تنتظرنا شاكرا للثقة التي أوليتموني إياها مدركا التضحيات التي قدمها أجدادنا. أشكر الرئيس بوش للخدمات التي قدمها لأمتنا فضلا عن السخاء والتعاون اللذين أبداهما طوال الفترة الانتقالية. لقد أقسم 44 رئيسا أميركيا حتى الآن اليمين الدستورية.

وتليت هذه الكلمات خلال موجات مد عالية من الازدهار ومياه السلام الهانئة. لكن بين الحين والآخر تلي القسم وسط غيوم ملبدة وعواصف عاتية.

وفي هذه الأوقات واصلت أميركا طريقها، ليس فقط بسبب مؤهلات أو رؤية الذين يتولون أعلى المناصب في الدولة، بل لأننا نحن الشعب بقينا أوفياء للمثل التي تحلى بها مؤسسونا وصادقين للوثائق المؤسسة لأمتنا. هكذا كان وهكذا سيكون مع هذا الجيل من الأميركيين. إننا ندرك جميعا أننا في خضم أزمة. إن أمتنا في حرب ضد شبكة واسعة من العنف والحقد.

وأضاف الرئيس أوباما:

"اقتصادنا ضعيف جدا نتيجة الجشع وعدم المسؤولية من قبل البعض وكذلك بسبب إخفاقنا الجماعي للقيام بالخيارات الصعبة وإعداد الأمة لحقبة جديدة. لقد فقدت منازل وألغيت وظائف وأغلقت شركات كما أن نظامنا الصحي مكلف جدا، ومدارسنا تشهد إخفاق الكثيرين وكل يوم يحمل معه دليلا جديدا على أن الطريقة التي نستهلك فيها الطاقة تعزز خصومنا وتهدد كوكبنا.

هذه هي مؤشرات الأزمة التي تشهدها بلادنا استنادا إلى المعطيات والإحصاءات. لكن ثمة شيء لا يمكن قياسه بهذه الطريقة، لكنه ليس أقل عمقا وهو الثقة المعدومة والخوف الملح بأن تراجع الولايات المتحدة لا مفر منه وأن الجيل المقبل يجب أن يخفف من تطلعاته.

اليوم أقول لكم إن التحديات التي نواجهها فعلية. إنها خطرة وكثيرة. لن نتغلب عليها بسهولة أو في فترة قصيرة. لكن يتعين على الشعب الأميركي أن يدرك أننا سنتغلب عليها. في هذا اليوم نجتمع لأننا اخترنا الأمل عوضا عن الخوف، وحدة الهدف عوضا عن النزاع والخلاف.

في هذا اليوم جئنا لنعلن انتهاء الشكاوى الصغيرة والوعود الخاطئة والعقيدة البالية التي خنقت لفترة طويلة جدا السياسة في بلادنا. إننا ما زلنا أمة فتية، لكن الوقت حان لنضع جانبا الأمور الطفولية. حان الوقت لنعيد تأكيد روحنا المقاومة لنختار أفضل ما في تاريخنا ولنواصل هذه الهبة الثمينة، هذه الفكرة النبيلة التي تناقلناها من جيل إلى جيل، عهد الله بأننا متساوون وكلنا أحرار وكلنا يستحق فرصة السعي إلى السعادة المطلقة.

ومع التأكيد مجددا على عظمة بلادنا، ندرك أن هذه العظمة ليست هبة تعطى. يجب أن تؤخذ بجدارة. مسيرتنا لم تعتمد يوما على الطرق المختصرة أو الاكتفاء بما هو أدنى ولم تسلك طريق الجبناء، أولئك الذين يفضلون التسلية على العمل أو يسعون دائما إلى ملذات الثراء والشهرة.

بل كانت طريق المخاطرين وأصحاب الأفعال الذين يأتون بنتيجة. بعضهم اشتهر لكنهم بغالبيتهم من النساء والرجال المغمورين في عملهم الذين سمحوا لنا بالاستمرار على الطريق الطويل والوعر المؤدي إلى الإزدهار والحرية. من أجلنا جمعوا ممتلكاتهم القليلة وشقوا عباب المحيطات بحثا عن حياة جديدة. من أجلنا عملوا ساعات طويلة واستوطنوا الغرب وقاسوا السوط وحرثوا الأرض الوعرة.

من أجلنا قاتلوا وماتوا في أماكن مثل كونكورد وغيتيزبرغ ونورماندي وكي سان. لقد كافح هؤلاء الرجال والنساء مرارا وتكرارا وضحوا وعملوا حتى تشققت أيديهم لكي نتمكن من أن نحيا حياة أفضل. كانت أميركا بالنسبة لهم أكبر من مجموع طموحاتنا الشخصية، أعظم من كل اختلافاتنا في الأصول والثروة والانتماء. إنها مسيرة نواصلها اليوم. لا نزال أكثر أمم العالم ازدهارا وقوة. عمالنا ليسوا أقل إنتاجا منذ بدأت هذه الأزمة. وعقولنا ليست أقل ابتكارا وسلعنا لا تزال ضرورية مثلما كانت الأسبوع الماضي والشهر الماضي والعام الماضي. قدراتنا لم تنخفض. لكن ولى وقت الوقوف من دون تحرك وحماية المصالح الضيقة وإرجاء القرارات المزعجة.

وقال:

"اعتبارا من اليوم يجب أن ننهض ونزيل الغبار عن أنفسنا ونبدأ مجددا بناء أميركا. أينما نظرنا ثمة عمل ينبغي القيام به، وضع الاقتصاد يتطلب التحرك بجرأة وسرعة وسنتحرك ليس فقط لإيجاد وظائف جديدة بل لإرساء أسس جديدة للنمو. سنبني الطرقات والجسور وشبكات الكهرباء والخطوط الرقمية التي تغذي اقتصادنا وتصلنا ببعضنا. سنعيد إلى العلوم مكانتها ونعزز التكنولوجيا لتحسين نوعية الرعاية الصحية وخفض كلفتها. وسنستغل الشمس والرياح والأرض لمد سياراتنا بالوقود ولتشغيل مصانعنا.

وسنحول مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا لكي تواجه متطلبات العصر الجديد. يمكننا القيام بكل ذلك. وسنقوم بكل ذلك. لكن البعض يشكك في حجم طموحاتنا ويشير إلى أن نظامنا لا يمكنه تحمل هذه الخطط الضخمة. لكن ذاكرتهم قصيرة إذ نسوا ما أنجزته هذه الأمة حتى الآن، ماذا يمكن لرجال ونساء أحرار أن يحققوه عندما يضعون خيالهم في خدمة هدف مشترك ويقرنون الحاجة بالشجاعة.

إن ما لا يفهمه المشككون هو أن الأرض اهتزت تحت أقدامهم وأن الخلافات السياسية التي نالت منا لفترة طويلة لم تعد قائمة. السؤال الذي نطرحه اليوم ليس فقط ما إذا كانت الحكومة كبيرة جدا أو صغيرة جدا بل ما إذا كانت تعمل بفاعلية، ما إذا كانت تساعد الأسر على إيجاد عمل باجر كريم ورعاية يمكنها تحمل كلفتها، والتقاعد بكرامة. عندما يكون الجواب نعم ننوي الاستمرار.

عندما يكون الجواب لا فإننا سنوقف هذه البرامج. ومن يدير الأموال العامة سيحاسب وعليه الإنفاق بطريقة حكيمة وأن يعدل العادات السيئة والقيام بعمله في وضح النهار وعندها فقط يمكننا أن نعيد الثقة الأساسية بين الشعب وحكومته. والسؤال المطروح أمامنا ليس معرفة ما إذا كانت السوق قوة خير أو قوة شر. فقدرتها على تحقيق الثروة وتوسيع نطاق الحرية لا مثيل له.

لكن هذه الأزمة ذكرتنا أنه من دون عين مراقبة، يمكن للسوق أن تخرج عن السيطرة وأن أي أمة لا يمكن أن تزدهر عندما تدعم الأثرياء فقط. إن نجاح اقتصادنا لطالما أعتمد ليس فقط على حجم إجمالي الناتج المحلي بل على مدى الازدهار وقدرتنا على توسيع الفرص لكل شخص صاحب إرادة ليس فقط عن طريق الإحسان بل كأفضل طريق لمصلحتنا المشتركة.

وأضاف أوباما:

"أما بالنسبة لدفاعنا المشترك فإننا نرفض أن نختار بين سلامتنا ومثلنا. فالأباء المؤسسون الذين واجهوا مآسي يصعب علينا تخيلها إلى أن صاغوا ميثاقا لضمان حكم القانون وحقوق الإنسان، ميثاقا تشده دماء الأجيال. هذه المثل لا تزال منارة للعالم ولن نتخلى عنها. لكل الشعوب والحكومات التي تشاهدنا اليوم من أكبر العواصم إلى البلدة الصغيرة التي ولد فيها والدي أقول: أعرفوا أن أميركا هي دولة صديقة لكل أمة ولكل رجل أو امرأة وطفل يسعى إلى مستقبل سلام وكرامة وإننا مستعدون لتولي القيادة مجددا. تذكروا أن الأجيال السابقة واجهت الفاشية والشيوعية ليس فقط بالصواريخ والدبابات بل بالتحالفات والقناعات الثابتة. لقد أدركوا أن قوتنا وحدها لا يمكنها حمايتنا ولا تمسح لنا بأن نقوم بما يحلو لنا القيام به. بل على العكس أدركوا أن قوتنا تنمو عبر استخدامها الحكيم وأن أمننا ينتج عن عدالة قضيتنا وقوة قدوتنا وخصال التواضع وضبط النفس. نحن حماة هذا الإرث.

وبالاعتماد على هذه المبادئ مرة أخرى يمكننا تجاوز هذه التهديدات الجديدة التي تتطلب جهدا أكبر من التعاون والتفاهم بين الأمم. سنبدأ بترك العراق بطريقة مسؤولة إلى شعبه والسعي إلى سلام في أفغانستان. مع الأصدقاء السابقين والخصوم السابقين سنعمل بلا كلل لخفض التهديد النووي وللتصدي لشبح الاحتباس الحراري. لن نعتذر عن طريقة عيشنا ولن نتوانى في الدفاع عنها وللذين يسعون إلى تحقيق أهدافهم من خلال الإرهاب وقتل الأبرياء نقول لهم الآن: لا يمكنكم القضاء علينا وسنلحق بكم الهزيمة .

وندرك أن إرثنا المختلط مصدر قوة وليس مصدر ضعف. نحن أمة من المسيحيين والمسلمين واليهود والهندوس وغير المؤمنين. لقد تشكلنا من كل لغة وكل ثقافة أتت من أي بقعة في الأرض، وبما أننا ذقنا مرارة الحرب الأهلية والفصل العنصري وخرجنا من هذا الفصل القاتم أقوى وأكثر وحدة لا يمكننا إلا أن نؤمن بأن الأحقاد القديمة ستزول يوما، وأن الإنسانية مشتركة مع تحول العالم إلى بقعة صغيرة ستتجلى وأن أميركا ينبغي أن تضطلع بدورها في إحلال حقبة جديدة من السلام.

وللعالم الإسلامي أقول إننا نسعى إلى طريق جديد إلى الأمام يعتمد على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل. وعلى قادة العالم الذين يسعون إلى نشر بذور النزاع أو تحميل الغرب مسؤولية آفات مجتمعاتهم أن يدركوا أن شعوبهم ستحكم على ما يمكنهم بناءه وليس على ما يمكنهم تدميره. وللذين يتمسكون بالسلطة من خلال الفساد والخداع وإسكات صوت المنشقين أن يدركوا أنكم على الجانب الخاطئ لكننا مستعدون لمد يدنا إذا كنتم مستعدين لتخفيف قبضتكم. ولشعوب الأمم الفقيرة نتعهد بالعمل إلى جانبكم لكي تزدهر مزارعكم وتجري المياه النقية ولتغذية الأجساد والعقول الجائعة.

وللأمم التي تتمتع شأنها شأن أمتنا بالوفرة النسبية أقول لا يمكننا أن نسمح بعد الآن بالا نبالي بالمآسي خارج حدودنا ولا يمكننا أن نستهلك موارد العالم من دون أن نتنبه إلى انعكاسات ذلك. العالم تغير وعلينا أن نتغير. ونحن ننظر إلى الطريق الذي أمامنا، نتذكر بامتنان الأميركيين الشجعان الذين يقومون في هذه الساعة بدوريات في صحارى بعيدة وجبال نائية.

وهم يقولون شيئا لنا اليوم تماما كما يهمس الأبطال الذين سقطوا في آرلينغتون. نحن نكرمهم ليس فقط لأنهم حماة حريتنا بل لأنهم يجسدون روح الخدمة والإرادة على إيجاد معنى في شيء أكبر من ذاتهم. وفي هذه اللحظة وهي لحظة مصيرية بالنسبة لجيل كامل، أقول يجب أن تترسخ هذه الروح في ذاتنا. إن الحكومة يمكنها القيام بالكثير وينبغي عليها ذلك لكن في نهاية المطاف الأمة تستند على إيمان الشعب الأميركي وتصميمه. قد تكون التحديات أمامنا جديدة. والأدوات التي نواجه فيها هذه التحديات قد تكون جديدة.

لكن هذه القيم التي يعتمد عليها نجاحنا من العمل الجاد والنزاهة والشجاعة والروح الرياضية والتسامح والوفاء والوطنية والفضول، هي قيم قديمة. وهذه الأمور حقيقة. لقد شكلت القوة الهادئة للتقدم عبر تاريخنا. والمطلوب هو العودة إلى هذه الحقيقة. المطلوب منا حقبة جديدة من المسؤولية واعتراف من كل أميركي بأن لدينا واجبات حيال أنفسنا وحيال أمتنا وحيال العالم، واجبات لا نقبل بها على مضض بل برحابة صدر مدركين أن لا أمر يرضي الروح أكثر من العطاء الكامل من أجل مهمة صعبة. هذا هو ثمن المواطنة ووعدها.

هذا هو مصدر ثقتنا، الإدراك بأن الرب يدعونا إلى التأثير على مصير غير أكيد. هذا هو معنى حريتنا وعقيدتنا: كيف يمكن لرجال ونساء وأطفال من كل جنس وعرق ودين أن يحتفلوا مشتركين في هذه الساحة الرائعة وكيف أن رجلا ما كان والده ليحصل على أي طعام في مطعم محلي قبل ستين عاما، يقف اليوم أمامكم ليقسم اليمين الأكثر قدسية. لذا يجب أن نتذكر اليوم ما نحن عليه والطريق الذي اجتزناه. في السنة التي ولدت فيها أميركا وفي أكثر الأشهر برودة تجمعت مجموعة صغيرة من الوطنيين حول حلقات نار على ضفاف نهر متجمد. وهجرت العاصمة. وتقدم العدو. وامتزجت الثلوج بالدماء.

وعندما كانت نتيجة ثروتنا مشكوكا بها جدا أمر أب الأمة بتلاوة هذه الكلمات على الشعب: "قولوا للأجيال المقبلة، إنه في قسوة الشتاء، عندما لا يستمر سوى الأمل والفضيلة توحدت المدينة والبلاد من خطر مشترك، وتقدمت لمواجهته". أميركا، في وجه الخطر المشترك في شتاء المحن هذا، يجب أن نتذكر هذه الكلمات.

وختم الرئيس أوباما قائلا:

"بالأمل والفضيلة فلنواجه هذه التيارات الباردة والعواصف ليتذكر أولاد أولادنا أنه عندما أتت التجربة رفضنا أن نوقف المسيرة وأننا لم ندر ظهرنا ولم نترنح وقد واصلنا حمل هبة الحرية العظيمة ونقلناها بسلام إلى الأجيال المقبلة بأعين شاخصة إلى الأفق وبنعمة الرب واصلنا حمل هبة الحرية العظيمة ونقلناها بسلام الى الاجيال المقبلة."

XS
SM
MD
LG