Accessibility links

المخابرات الأميركية تلاحق خبير متفجرات عمل مع مخابرات صدام وهرب مؤخرا إلى سوريا


شهد العالم في حقبة الثمانينات سلسلة انفجارات كان يقف وراءها رجل يكنى بـ "أبو ابراهيم"، الذي اعتقد كثيرون أنه توفي منذ وقت طويل، ولكن ثبت الآن أنه ما زال حيا، وأنه كان مرتبطا بمخابرات صدام حسين، وفر مؤخرا إلى سوريا، بعد أن كان مسؤولا عن العديد من التفجيرات في العراق.

ويشير تحقيق أجرته وكالة الأسوشيتد برس إلى أن "أبو ابراهيم" الفلسطيني الأصل نجح في التواري عن أنظار القوات الأميركية عام 2003، لانخراطه في العمل مع الجماعات المسلحة، قبل هروبه مؤخرا إلى سوريا، حسب ما يعتقد مسؤولون أمنيون أميركيون.

ويبذل محققو مكتب التحقيقات الفيدرالي جهودا كبيرة لإلقاء القبض على أبو إبراهيم واسمه الحقيقي حسين العمري المتهم بالوقوف وراء تفجير طائرة أميركية عام 1982.

ويخشى المسؤولون الاستخباريون أن تصبح مهمتهم بالعثور على العمري أصعب من ذي قبل في حال انسحاب القوات الأميركية، وهناك شاهد ضد العمري سيتم إطلاق سراحه من أحد سجون ولاية كولورادو خلال السنوات الأربع القادمة وربما أبكر من هذا الموعد.

يقول بوب بير وهو ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية CIA نفذ عدة عمليات سرية في منطقة الشرق الأوسط، إن العمري كان أخطر خبير متفجرات في العالم وإلقاء القبض عليه سيقودهم إلى إزالة الغموض عن العديد من ملفات العنف التي تمت خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

ويصف تقرير الوكالة العمري الذي يبلغ من العمر 73 عاما بـ "الشخصية الأسطورية" في عالم الإرهاب، و"محرك دمى غامض" ودائم التواري عن الأنظار، يفضل البقاء خلف الكواليس، لكنه يمسك بجميع الخيوط، لهذا يصعب العثور على صور له، فهو لم يظهر في شريط مصور ولم يدل ببيانات متلفزة ضد إسرائيل أو أميركا، كما هي العادة اليوم؛ لقد ترك متفجراته تتحدث نيابة عنه.

قام العمري بعد انتهائه من دراسة الكيمياء والهندسة الكهربائية بتدريب مجموعة من الشباب المعجبين به، على طرق زرع وتفجير العبوات الناسفة، يدعوه البعض بـ"العبقري وعراب صانعي المتفجرات في العالم" و"مايكلانجلو" أو كما يصفه مسؤول في البنتاغون بـ"الدكتور فرانكشتاين".

وترجع علاقة العمري إلى عقود خلت مع مجموعات مسلحة كانت ناشطة في حقبة السبعينات مثل أيلول الأسود والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انفصل عنها عام 1979، وأسس في بغداد فصيله الخاص المعروف بـ(15 أيار) الذي هو نفس تأريخ تأسيس إسرائيل.

حيث بدأ بتدريب الشباب على كيفية صنع القنابل البلاستيكية التي يمكن دمجها في حقائب السفر وتفجيرها لاحقا تحت اسم "e-cell".

وهكذا بدأ العمري وبمساعدة المخابرات العراقية بتنفيذ هجماته في روما ولندن وأثينا، وأدت إحدى الهجمات على مطعم يملكه إسرائيلي في برلين الغربية إلى مقتل طفل وجرح 24 آخرين، ولكن أشهر عملياته هي تلك التي استهدفت طائرات شركتي بان أميركان والعال في بداية الثمانينات، حسب التقرير.

في الـ10من آب عام 1982 قام محمد رشيد، تلميذ العمري، الفلسطيني الأصل وحامل الجنسية الأردنية بركوب الطائرة المتجهة من بغداد إلى طوكيو برفقة زوجته النمساوية كريستين بنتر وابنه الصغير، وكان رشيد قد قام بزرع قنبلة تحت المقعد رقم 47 K قرب النافذة.

وعندما حطت الطائرة في مطار طوكيو غادر رشيد وعائلته الطائرة التي أكملت رحلتها إلى جزيرة هونولولو التابعة للولايات المتحدة، وكان مقعده الفارغ من نصيب تورو أوزاوا البالغ من العمر 16 عاما، ولأن القنبلة لم تسفر إلا عن قتل أوزاوا وجرح 14 آخرين، فإن مهمة رشيد لم تعتبر كاملة النجاح رغم تدميرها جزءا كبيرا من الطائرة التي نجحت بالهبوط بعد الانفجار.

واكتشف محققو الـ FBI أن رشيد وزوجته قاما بشراء التذاكر مستخدمين جوازات سفر مغربية مزورة، ولم يعرفوا الحقيقة إلا بعد أن التقوا عام 1984 بعدنان عواد الذي انشق عن منظمة 15 أيار ولجأ إلى سويسرا.

وكان عواد قد التقى رشيد وإبراهيم في بغداد عام 1981 وطلب منه الأخير أن يقوم بهجوم على فندق يملكه رجل أعمال إسرائيلي في مدينة جنيف، بعد أن زوده بحقيبة محشوة بعبوة من طراز "e-cell".

وعندما رفض عواد تنفيذ الهجوم عاقبه العمري بإقصائه من المشروع الإسكاني الذي كانت تقوم شركته بتنفيذه، وجمد جميع أرصدته المصرفية.

وتشير اعترافات عواد الموجودة في سجله القضائي أنه شعر بالرعب مما حدث، وتظاهر بأنه موافق على القيام بعملية الهجوم على الفندق، لكنه قام بدلا عن ذلك بتسليم الحقيبة الملغمة إلى الشرطة السويسرية.

وطلبت منه الشرطة السويسرية الاتصال بالعمري للتأكد من روايته، فقام الأخير بإرسال مبلغ كبير من المال إلى عواد عن طريق شخص قامت الشرطة بإلقاء القبض عليه فور وصوله إلى جنيف.

ولم تتمكن الأجهزة الأمنية الأميركية من إلقاء القبض على العمري لبقائه في بغداد، خاصة عندما كان هناك تعاون عسكري ومخابراتي أميركي مع النظام العراقي السابق أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وهكذا قامت المخابرات العراقية باقناع واشنطن بأن العمري حل منظمة 15 أيار واعتزل جميع أنشطته.

ولكن الأميركيين لم يقتنعوا بهذا، وهم متأكدون أن العمري واصل نشاطه في الثمانينات بتدريب المسلحين على كيفية صنع القنابل وزرعها.

وتأكدت المخابرات الأميركية أن العمري عاش في حقبة التسعينات في حي المنصور الراقي في بغداد تحت حماية المخابرات العراقية وعلى مبعدة خطوات من مقر المخابرات.

ويقول مسؤولون أميركيون أمنيون أن العمري استمر في تدريب العراقيين على كيفية زرع القنابل وتفجيرها، وساعدهم على تنفيذ العديد من الهجمات داخل سوريا وإيران، وظلت منظمته تتلقى دعما ماديا من العراقيين حتى لحظة سقوط النظام السابق.

ونجحت المخابرات الأميركية أخيرا في إلقاء القبض على محمد رشيد بعد أن أنهى محكوميته في أحد السجون اليونانية إثر إدنته عام 2002 في عملية تفجير طائرة بان أميركان عام 1982، وقام بإعطائهم جميع المعلومات التي كانوا بحاجة إليها لرسم صورة كاملة عن العمليات التي نفذتها منظمة 15 أيار.

وفي عام 2004 قام ضابط المخابرات المركزية الذي ما زال يعمل في الشرق الأوسط ورفضت الوكالة الكشف عن اسمه، بالسفر إلى بعقوبة وعرض الصورة الوحيدة التي يمتلكها للعمري على بعض الأشخاص الذين تعرفوا عليه، ولكنهم أخبروه أنه لم يعد يقيم في بعقوبة، لقد هرب إلى الموصل، أي أنه اختفى مرة أخرى.

ولكن القوات الأميركية قامت عام 2004 بمداهمة معمل لتصنيع المتفجرات في الموصل، وعثرت على آثار تدل على أن العمري أو بعضا من تلامذته كانوا يقومون بتقديم الدعم الفني للجماعات المسلحة.

إلا أن روبرت جرينر ضابط الارتباط التابع لـ CIA داخل البيت الابيض حتى عام 2004، أشار إلى أنهم كانوا يتوقعون أن يكون لـ "أبو ابراهيم" دور في التمرد المسلح، من دون أن تكون هناك أدلة تثبت ذلك.

ولكن أحد ضباط الـ FBI، طلب عدم الكشف عن اسمه بسبب استمرار التحقيق في هذا الملف، أكد أن "أبو ابراهيم" لم يكن متفرجا في فترة وجوده في العراق اثر سقوط النظام السابق.

وتختم وكالة الأسوشيتد برس تقريرها بسؤال مسؤولي الأجهزة الاستخباراتية الأميركية: "أين هو العمري الآن إذا؟ ويجيبون بالقول إنهم يعتقدون أنه قد غادر إلى سوريا بصحبة أولاده وبناته وزوجته سلمى.

ويقول هؤلاء المسؤولون إن آخر نافذة لإلقاء القبض على العمري بدأت تضيق في وجوههم خاصة وأن مساعده والشاهد الرئيس ضده محمد رشيد سيطلق سراحه من أحد السجون الأميركية عام 2013، الأمر الذي يجعل من الصعب الحصول على شهود في أية قضية ترفع ضده، فضلا عن أن القوات الاميركية في طريقها إلى الانسحاب من العراق.

XS
SM
MD
LG