Accessibility links

logo-print

أمجد سعيد.. نثرية تتنقل بين أنماط شعرية مختلفة


قصائد الشاعر العراقي المقيم في مصر أمجد سعيد في مجموعته المسماة "نشيد الأزمنة"، وعلى الرغم من لوحات شعرية هنا وهناك، تبدو في مجالات كثيرة أقرب إلى "نثرية" تتردد بين أنماط مختلفة من الكتابة الشعرية.

الشاعر في هذه المجموعة ممتلئ دون شك بالألم والشعور بالفقد والنقمة على ما جرى ويجري في بلاده لكنه في غالب ما كتب بدا كأنه يقف خارج التجربة الشعورية.. وعوضا عن نقل المعاناة العاطفية بلهبها نقل إلينا هذه المعاناة بطريقة تقريرية باردة إلا في حالات قليلة.

عدد من قصائد المجموعة قيلت في مناسبات معينة لكنها تكلمت عن المناسبة -سواء في ما يُحزن أو في ما يهز المشاعر الوطنية- دون أن يبدو بوضوح أنها مرت في نار التجربة الشعورية.

جاءت مجموعة أمجد سعيد الشعرية في حوالي 100 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن دار "نفرو للنشر والتوزيع" في القاهرة.

القصيدة الأولى "ضياع" ربما كانت من أنجح القصائد في نقل أجواء المجموعة كافة خاصة تلك الخصائص "الجيدة" منها حتى وإن وردت في صورة ذهنية تقريرية ولم تحمل جديدا في الفكر أو الشعور. إنها مع ذلك كله جاءت ذات وقع في نفس القارئ. بدا فيها الشاعر عرافا "رائيا" حذر وأنذر دون أن يحفل أحد بكلماته إلى أن ضربت الكارثة الجميع.

قال أمجد سعيد في هذه القصيدة "قلت لهم/ تمعنوا في البحر/ واقرأوا نوايا الريح/ والأمواج/ لكنهم/ رغم بهيم الليل/ والعواصف الهوجاء/ وانطفاءة الأبراج/ لم يسمعوا الصوت/ الذي أنذرهم/ قبل ضياع كل شيء/ العباد/ والبلاد/ والطريق/ والسراج."

في قصيدة "أولون في النار أولون في الرماد" صور وأفكار ومجردات ومجازات وتنقل بين نمط وآخر في انتقال سلس سهل مرة ومتعثر إيقاعيا مرة أخرى. في أقسام من القصيدة ما يذكرنا ببعض قديم الشاعر "أدونيس" مثلا.

يبدأ الشاعر القصيدة بالقول "في البدء كان الصمت/ عباءة/ ألما فوق/ كانت الرؤى عرائس الوهم التي تسبح/ فوق حلمها الطافي/ على سجادة الماء/ وكان البيت/ عريشة من ورق الدمى/ وحزمة القصب/ يبنيه طمي راكض/ من شهقة النبع/ إلى مقبرة المصب/ والريح تأتي من خفايا ظلمة الجهات/ كان الموت/ سيد كل سيد/ هو اللهيب والرماد/ النبض السائر في أوردة الأجساد وانطفاءة الأنفاس/ في البدء كان الناس.../ في البدء كان التاج/ من فضة الدمع/ ومن بكاء العاج."

وعلى غرار ما غدا مألوفا في الشعر الحديث في هذه الآونة ينتقل أمجد سعيد في القصيدة نفسها من تعدد أوزان وقواف إلى نمط آخر يبدو أنه نمط قصيدة النثر ثم يعود إلى النمط السابق وإن كان بقدر من التعب فيقول "ظل النداء الذي يؤويه بكرا/ وظلت وردة النار عذراء تحاول مسك الريح/ والكلمات خيل برية../ وهو الذهول/ يأتي على وعد خراب العصور/ وانتحار السنين فوق نطع الخطايا/ وهو الرحلة/ الأفول/ هذا هو الطين/ يحمل الذي سنقول...

"بصوته يرسم الضفاف/ يمتد به الأمد/ قيل مجنون/ وقيل كاهن/ وقيل شاعر/ لم يؤمن به أحد."

ولا يلبث أن ينتقل إلى مقطع آخر فيه "روح" نثرية لا تتحرك بسهولة وتحكم ثقيل للأفكار في الشكل الفني مما يجعله رازحا تحت ضغط يضربه موسيقيا ويقلل من قيمته الفنية.

يقول الشاعر "غير عابئ مضى في تخوم النشيد/ فاتحا ذراعيه لهواء البحر البعيد/ تاركا كل الحرائق لكل الحرائق/ تمحى الدروب/ ويصطفى بلد/ في كل يوم له من جرحه سند."

وتصل بنا القصيدة أحيانا إلى صور وحالات جميلة بشعور من الوحشة وبدفء حزين كما في قوله "أصلي../ وأغفو على طرقات المدينة/ بين حرائقها ورصاص العيون الغريبة/ أغفو على شطها/ وبقايا من العشب لما تزل/ بانتظار الينابيع."

ومن هنا يعود إلى تقريرية جرداء فنيا وبلاغية خطابية كما في قوله "سبحان من أعطى/ سبحان من اخذ/ سبحان من أدنى/ سبحان من نبذ/ سبحان من أوصى/ سبحان من وصم/ سبحان من أغوى/ سبحان من حكم..

"اتهم الحكمة بالخطيئة/ اتهم الشبع بالجوع/ اتهم الضوء بالظلمة/ اتهم الجمال بالقبح/ اتهم الحياة بالموت..."

السمات نفسها تقريبا تطل من قصيدة "ما الذي لم يقل" والمهداة إلى الشاعرة نازك الملائكة. وكذلك قصيدة "مساء أخير من فضة القصيدة" المهداة إلى بثينة الناصري وأيضا قصيدة "المرمر يقطر دما" المهداة إلى "حكمت محمود.. شهيدا."

أما قصيدة "شظايا عراقية في سماء سوهاج" ففيها صور ومشاعر جميلة موحية خاصة في بدايتها إذ يقول الشاعر "كأنني أعرفها/ كأنني صادفتها في حلم طويل/ كأنني مشيت في دروبها/ من ألف ألف عام/ كأنني ولدت ألف مرة/ هنا/ ومت ألف مرة/ على ترابها النبيل/ معذرة يا سيدي الدليل/ فقد ولدت راعيا/ فوق ضفاف النيل..."

من جورج جحا (وكالة رويترز)
XS
SM
MD
LG