Accessibility links

مورتن سونغورد بالعربية.. وأسئلة عن ترجمة الشعر


مجموعة قصائد الشاعر الدنمركي مورتن سونغورد المترجمة إلى العربية والتي صدرت أخيرا تعيد طرح أسئلة قديمة عن الشعر وترجمته ومدى "صدق" الترجمة بمعنى إخلاصها لا للنص المترجمة عنه فحسب بل إخلاصها لروحية هذا النص.

ومن هنا قد يتساءل البعض هل النص العربي هو فعلا تجسيد للنص الأجنبي أم إنه إعادة خلق ربما جعلت المترجم شريكا في هذا الخلق.

وربما سهلت الإجابة عن كثير من مثيل هذه الأسئلة عندما يكون القارئ يعرف اللغة الأجنبية الأصلية أي المترجم عنها فعندها يستطيع مقارنة النص المعرب بالأصل محتوى وشكلا. أما إذا كان القارئ لا يعرف تلك اللغة كحال كثير من القراء إزاء نص باللغة الدنمركية مثلا فلا بد من هذه التساؤلات وأمثالها.

بالنسبة إلى قصائد مورتن سونغورد باللغة العربية يبدو أن من الضروري الحديث عن أمر يلفت النظر. تقرأ هذه القصائد فتشعر من حيث الشكل التعبيري على الأقل أنك أمام نص يشبه كثيرا من النصوص الشعرية العربية الحديثة التي تندرج تحت عنوان عريض هو قصيدة النثر.

يجرنا هذا أيضا إلى تساؤل أو فلنقل مباشرة إلى سؤال.. هل نمط كتابة هذه القصائد أو شكلها التعبيري في لغتها الأصلية هو فعلا على هذا القدر من التماثل أو الشبه مع مألوف أنماطنا الشعرية العربية الحالية أم إن المترجم صبها وبقدر من النجاح في هذه القوالب التي تجعلها تبدو عربية من حيث الشكل..

الذي يبدو شبه أكيد عندنا أننا إذا انتقلنا إلى ناحية المحتوى أو المعنى فقد يبدو للعين المراقبة بدقة أن أجواء بعض هذه القصائد أجنبية السمات والملامح بل "نوردية" من شمال العالم أحيانا من حيث إنها تعكس بيئة مختلفة نوعا ما بل نوعا من المشاعر التي توحي بمكان آخر.

اشتملت المجموعة على نحو 39 عنوانا في نحو 54 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت وبلوحة غلاف لشريف جمعة. أما الترجمة فقد قام بها جمال جمعة.

مورتن سونغورد هو شاعر وروائي ومترجم دنمركي ولد سنة 1964 ويعد كما جاء في التعريف به "اسما بارزا ومجددا في الوسط الثقافي الدنمركي".

يظهر في شعر سونغورد في هذه المجموعة مزج بل دمج موفق بين الحسي والمجازي والمجرد. إنه ينتقل بين هذا وذاك وذلك بما يجعل النسيج كله على ما يبدو من اختلاف "نوعه" نسيجا واحدا حيك بمهارة.

نبدأ من البداية وقد كانت البداية عنده قصيدة بلا عنوان. يقول الشاعر: "من اليوم هذه المعرفة الجديدة/ التي بلا إدراك تتلاشى/ في ندف من زمن فج.../الحبال التي تتدلى في الريح/ رائحة خشب مبلل/ أشباح تنحني فوقي..."

في قصيدة "فهرست" يقول "لقد نسيت ذلك/ تذكرتها من جديد/ النزهة في المماشي/ على امتداد غابة من الفوضى/ حيث الظلمة تتقلص/ إلى متر مربع واحد/ إلى نوم طفل مضطرب/ النافذة في منزل قديم/ ذي حمام أخضر/ امرأة عارية/ تقف منحنية فوق مرآة.../ الأفكار تنبسط/ رايات.. أسلاك عالية التوتر.../ الخوف يعصف ترابا أبيض على الآثار/ الفضلات تتدفق من مجاري الصرف..."

في قصيدة "وصول" أجواء جميلة كنسمة دافئة ذات عبق خفيف مؤثر. يقول سونغورد "رغم أنني لم أهيئ نفسي/ دهشت على كل حال/ من ذلك الدفء/ الذي عصف بنا عند اللقاء/ حينما وصلنا/ الدهشة ذاتها/ جعلتني أشتهي/ أن نقف في الظلمة/ ونحتسي حليب اللوز/ من محاجر بعضنا بعضا".

في قصيدة "حنان" نقرأ "هنا أضطجع/ على تخوم الدمع/ مع سياطي السود.../ مثلما الآن انتظار الليلة الجديدة/ بحشرات بيض/ ترتفع مثل الثلج/ مثلما الآن أعبر شوارع مفعمة بالحياة/ عبر انجرافات/ من أجنحة بيض/ مثلما الآن مع طفل عار/ تحت قنديل شارع متأرجح/ ينحني على الأرض ويلتهم/ أجساد الحشرات شبه الميتة.../ رأيت ثلج المساء الرمادي/ رأيت نهدي فتاة مستفزين/ تحت كنزتها الضيقة/ أعتقد أني رأيت أحدا ما سعيدا..."

في قصيدة "لا تشخص" نقرأ صورا من الحسي والمجرد كما في قوله "كان يمكن أن يكون مارس أو أبريل/ الريح تعصف فوق الجسور/ درابزين صدئ يردد كلمات القافزين/ عقرب ساعة مكسور يخدش علامات بيض على الريح/ المنازل واقفة تعرض تصدعاتها على اللغات..."

وفي قصيدة "سياج" جمالية من الصيغة نفسها وأكثر منها. فيها كما في قصيدة "لا تشخص" السابقة ما ينقلنا إلى بعض أجواء الشاعر تي أس أليوت. يقول سونغورد: "عثر الصبي على الأرانب الميتة/ قريبا من السياج المكهرب/ كان يلعب وهو بانتظار الثلج/ هو الآن هندي أحمر خارج عن القانون/ يعدو على امتداد حواجز الجليد والخنادق/ وحركات الأرانب المتشنجة/ إنه يعدو الآن تائها في الغابات المحكية/ يصطدم الثلج بالظلام/ يسحب آثارا لعظام بيض/ عند الخريف تكشف الحقول المحترقة/ عن هياكل عظمية منسية من معادلة الثلج..."

المصدر: رويترز

XS
SM
MD
LG