Accessibility links

بعد خمسين عاما من القتال وعشر سنوات من التفاوض ومليوني قتيل، رسم السودان هذا الأسبوع خارطة طريق تؤدي إلى تقسيم البلاد إلى دولتين بعد احتمال قيام دولة جنوب السودان الناتجة عن استفتاء حاسم في هذا الإطار.

وستكون دولة جنوب السودان الدولة الأفريقية الرابعة والخمسين والدولة ال193 في الأمم المتحدة. وتحظى هذه الدولة بمساحة تقدر بنحو 700 ألف كيلومتر مربع أي ثلث مساحة السودان وتمتد حدودها على مسافة 2000 كيلومتر لتجاور ست دول هي السودان وأثيوبيا وكينيا وأوغندا والكونغو وأفريقيا الوسطى.

الرئيس السوداني عمر حسن البشير تعهد بإقامة علاقات ود وصداقة مع دولة جنوب السودان ":نقول لإخواننا في الجنوب: إذا أردتم الوحدة فأهلا وسهلا وإذا أردتم الانفصال فأهلاً وسهلاً، ولن نعترض على القرار الذي يتخذه الجنوبيون من خلال الاستفتاء الذي حصل وإرادة الجنوبيين سنحترمها وسنقيم علاقات ود واحترام مع الدولة الجديدة".

وهذا عنصر في جيش التحرير الشعبي لتحرير جنوب السودان يدلي بصوته في الاستفتاء: "من واجبنا المشاركة في الاستفتاء بعد كل النضال الذي قمنا به لتحرير جنوب السودان وإعلان دولتنا".

السفير عبد الرحمن صلاح، مساعد وزير الخارجية المصري السابق ينظر بعين الخشية إلى مسألة انفصال جنوب السودان: "هذه مسألة حياة أو موت بالنسبة لمصر والأيدي الخفية السيئة بدأت تلعب بشكل مضر لمصالح القارة السمراء ولا نستطيع القول إن الشمال بدأ يتحرر من مشاكل الجنوب ولا هي مسألة تحرير الجنوب والبدء بمسيرة حكم ذاته بذاته، بل أن القصة بداية مسار تقسيمي في المنطقة".

الصحافية المتخصصة بشؤون القارة السمراء أسماء الحسيني تدعو إلى التعامل بواقعية مع دولة جنوب السودان: "يحتاج السودان إلى تكاتف الجهود الإقليمية والدولية للحفاظ على الاستقرار في البلاد. ويجب إحراز تعديل في دور الجهود الدولية التي تعتمد على النهج التجزيئي في وقت المطلوب منهاج شمولي. إن القيادات السودانية يجب أن تتحلى بالوعي وبالامتناع عن الدخول في محاور، كما أن محاولات اتهام جنوب السودان بأنه حليف لإسرائيل أو بأنه يهوى العمالة هو اتهام لا يفيد أحدا ونظرة غير صائبة، بل المطلوب نظرة عربية راجحة. إن نشوء دولة جنوب السودان يجب أن تواكبه إجراءات حسن جوار بين البلدين وبين الدول المجاورة وخاصة مصر وهذه الإجراءات تتعلق باقتسام المياه. وهذه الدولة الوليدة في الجنوب ستكون موضع تجاذب إقليمي ودولي وفي ضوء هذه التجاذبات سيصار الى تحديد الموقع السياسي لدولة جنوب السودان".

ويحدد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة السوداني المعارض العلاقة الممكنة بين الدول العربية ودولة جنوب السودان:
"لا أعتقد أن انضمام جنوب السودان للجامعة العربية هو شيء منطقي بل يجب إيجاد آلية تحكم العلاقة بين الدول العربية وجيرانها من غير العرب والجنوب يمثل الجوار الحقيقي للأمة العربية وستكون هناك مصالح مشتركة بين الجهتين".

الأمين العام للحركة الشعبية فاقان اموم أكيج يدعو إلى حسن الجوار بين الدولتين:

"إذا كان الخيار هو الانفصال وهو كذلك فيجب أن يتمّ بشكل سلمي وان تكون الدولتان متعاونتين وتعيشان بأمن وسلام إلى جانب بعضهما البعض. كما يجب إنجاح تجربة البناء الوطني في الدولتين".

ويعتبر وزير الخارجية السوداني علي كرتي إن البعد العربي يمكن أن يتواصل مع دولة جنوب السودان بعد قيامها:"إننا لا نمانع بجوار سليم وآمن وسنقدم كل شيء للوصول إلى الجوار الآمن. ولا نمانع حتى بالوجود العربي بعد الانفصال في دولة جنوب السودان مما يؤكد أن جامعة الدول العربية لم تكن في السودان من اجل شمال السودان فقط بل أيضاً من أجل الجنوب". الوزير السوداني السابق مهدي الخليفة يشير إلى الدور الخارجي في أحداث السودان ومسؤولية النظام في ما آلت إليه الأوضاع: "هناك دور كبير للدول النافذة في مسار الأحداث في السودان والقضايا السودانية باتت تحل خارج السودان. و لا ننس أن في السودان اكبر قوة لحفظ السلام في العالم نحو 26 ألف جندي منتشرين في إقليم دارفور إضافة إلى عشرة آلاف جندي منتشرين في الجنوب. ويتحمل النظام السوداني مسؤولية هذا الوضع وهذا النظام رفض الحوار لمعالجة القضايا السودانية الخلافية".

الباحث في معهد الولايات المتحدة للسلام جوناثان تيمين يدعو السودانيين إلى تحديد مسار دولتهم من دون الاعتماد بشكل حصري على النفوذ الغربي والأميركي:"عادة ما يتم تضخيم النفوذ الغربي أو الخارجي وتضخيم مستوى التدخل في قضايا داخلية، فالنفوذ الأميركي متواضع في السودان والنفوذ الأوروبي اقل وبعد الاستفتاء سنبدأ نلاحظ انخراطا دوليا اقل في قضايا السودان وهناك الكثير من القضايا التي لن تجد لها حلاً من خلال الاستفتاء الذي حصل. إن قيام دولة قوية في جنوب السودان لا تسأل عنه واشنطن أو الغرب بل يعتمد على السودانيين في الشمال والجنوب. لكن اعتبر أن الغرب سيدعم دولة جنوب السودان وسيقدم لها الإمكانات التي تتيح لها تثبيت الدولة".

ويقول الكاتب والمحلل السياسي السوداني مكي المغربي:"إن الصورة التي تعطى عن النظام بأنه ضعيف هي صورة تفتعلها القوى المناهضة للنظام واعتبر أن النظام السوداني لا يزال قوياً. إن التلويح باعتماد الشريعة الإسلامية وحصرية اللغة العربية كلغة رسمية في البلاد هي مؤشر إلى رفع سقف التنازلات المطلوبة من النظام السوداني. ان انفصال جنوب السودان سيؤدي إلى قيام بؤر إرهابية والسودان فيه تيارات سلفية جهادية ومن الأفضل أن تقطع الدولة الطريق على هذه التيارات واحتواء الإرهاب من خلال الإعلان عن قيام دولة إسلامية في البلاد. إن مشكلة دارفور تنم عن مصالح دولية وأعتقد أن السياسات الأوروبية في دارفور هي سياسات خاطئة وهي تريد تغيير النظام في حين تتسم السياسة الأميركية بنهج أكثر واقعية وهي تريد تغيير سلوك النظام في دارفور فقط. تريد نوعاً من البريسترويكا الروسية بمعنى إسقاط النهج والإبقاء على الأشخاص".

وتبقى مشكلة الثروة النفطية وتوزيعها مدار تشاور بين حكومة الخرطوم والمسؤولين في جنوب السودان ويقول الوزير نيال ديمق" :إن حكومة الشمال ستتعامل بتعاون مع الجنوب وسنعمل معاً على إدارة الثروة النفطية ولكن إلى الآن لا تزال المفاوضات قائمة في اللجان المشتركة لتحديد الحصص النفطية لكل جهة".

ويراقب إقليم دارفور تطورات الاستفتاء في الجنوب ومدى انعكاسها على قضية الإقليم وهنا يقول المتحدث باسم حركة العدل والمساواة أحمد حسين آدم :"إن السلام تصنعه الإرادات المشتركة ولدينا الإرادة الكاملة لانجاز السلام الأمر غير الموجود لدى الرئيس السوداني الذي يستمر في عملياته العسكرية كما ويستمر في سياسته التمييزية بعد إعلانه أنه سيفرض في السودان الدين الواحد والثقافة الواحدة واللغة الواحدة وهذا أمر يتنافى والقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. إن النظام السوداني يحاول أن يفرض على إقليم دارفور ما عجز عن فرضه على الجنوب والمطلوب حل سياسي وصيغة انفتاح تحل مكان فرض الدولة الإسلامية ومكان الحل العسكري.

ونحن نطالب بحل شامل للقضايا السوادنية الساخنة وفي مقدمها قضية دارفور والرئيس السوداني يستغل انشغال المجتمع الدولي بالاستفتاء الذي حصل الأسبوع الماضي في جنوب السودان ليخلق أمر واقع في إقليم دارفور. نحن نسعى إلى السلام إلا إذا استمر النظام السوداني في حربه فعندها لا مناص من الدفاع وهذه حقوق تقرها القوانين الدولية. نحن من جهتنا نسعى لحل سلمي ونستعد لسياسة حسن الجوار ونعتبر أن انفصال الجنوب يجب أن يشكل حافزا لصنع السلام في السودان وتثبيت الاستقرار وليس حافزاً لحروب جديدة".

XS
SM
MD
LG