Accessibility links

logo-print
انتهى الاعتصام في البحرين ولم يعد للؤلؤة وجود في الميدان الذي بات رمزا لاحتجاجات طالبت بإصلاحات سياسية ودستورية. لك المطالبات ذهبت إلى أبعد مدى... تغيير النظام وهو ما يصفه المسؤولون هناك بخط أحمر في دول ملكية.

وفي ذات الوقت خفتت حدة تظاهرات مماثلة شهدتها سلطنة عمان المجاورة بينما بادر العاهل السعودي بسلسلة من الإصلاحات لعلها تهدئ من روع الشارع الذي بدأت تظهر بين جنباته دعوات مماثلة تجسدت في مظاهرات تركزت شرق البلاد بالقرب أيضا من البحرين.

وفي الكويت القريبة مازالت حركة السور الخامس التي انطلقت على موقع facebook وتضم عددا من الناشطين السياسيين الشبان تطالب بإقالة رئيس الحكومة الشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح وتشكيل حكومة جديدة.

لكن كيف يرى الخليجيون ما تموج به المنطقة من تقلبات كان أبرزها في البحرين. هذه عينة من آراء الكويتيين بشأن ما يحدث في الخليج. وقال هذا المواطن الكويتي: "الشارع الكويتي غير بعيد عن هذه الثورات وهو متابع جيد لهذه الثورات. لكن النظام الدستوري في البلاد يحصنها من تأثير ما يحدث في المنطقة".

وقال مواطن آخر:"تحاول إيران أن تحول الانتفاضة الداخلية لديها إلى صراع سني شيعي وأن تقلبه على المنطقة في لبنان والعراق ومختلف البلدان التي يوجد بها الشيعة".

أما هذا المواطن:"في بداية التظاهرات كانت المطالب عادلة وسليمة. لكن عندما وصل الأمر إلى المطالبة بإسقاط النظام فإننا نرفض هذا الأمر".

ورصدنا رأي مواطن كويتي آخر:"هذه تحركات ممتازة ولا أريد الحاكم إذا كان ظالما. أما أن يكون أساسها طائفيا أو مذهبيا أو تدفع نحو تدخل خارجي فإننا نرفضها".

كما كان هناك رأي للفلسطينيين في ما يحدث في منطقة الخليج. وقالت هذه الشابة من رام الله:"بالنسبة لدول الخليج أرى أن الموضوع صعب للغاية بسبب قوة اقتصاد الدول الذي يسيطر على المواطنين هناك بشكل كبير، لذا يمكن إخماد أي ثورة بشكل أسهل". أما هذا المواطن الفلسطيني فقال:

"هذا الأمر يتعلق بالشعب والشعوب العربية بشكل عام. والسؤال هنا هل ستقف الشعوب العربية إلى جانب الشعب البحريني في مطالبه أم أنها ستقف إلى جانب النظام كما حدث من بعض الدول في الخليج".

وأعرب مواطن ثالث عن اعتقاده بأن هناك صعوبة كبيرة في تغيير الأنظمة بدول الخليج: "هذا أمر ليس سهلا بالمرة. لكن إذا كان هناك تحرك قوي من الشعب وبرامج محددة فإن المواطنين يستطيعون تحقيق مطالبهم". أما هذا المواطن فقال: "الأنظمة الملكية في دول الخليج أكثر تشبثا بالحكم من أي أنظمة ملكية في العالم. فالأنظمة هناك توظف الأموال في الحشد الإعلامي وإنتاج ثقافة وقيم ترسخ من وجود العائلات الحاكمة". واستطلعنا أيضا آراء المصريين الذين مازالوا يعيشيون تجربة ما بعد الثورة في التغيير الذي قد يحط الرحال على شواطئ دول الخليج. وقال أحد المواطنين المصريين: "أعتقد أن ما يحدث في البحرين هو أجندة خارجية. فدول الخليج تعيش حالة سياسية واقتصادية جيدة. أنا أعرف بعض المواطنين هناك الذين يعيشون حياة جيدة". وقال مواطن آخر: "البحرين دولة صغيرة وأعتقد أن الشيعة هناك هم المحرك الرئيسي لتلك الأحداث. أعتقد أنه صراع طائفي وليس ثورة كما حدث في مصر. أما في السعودية فإنه من الصعب الإطاحة بالنظام".

وهناك رأي مغاير:"أعتقد أنه من حق الشعب البحريني سواء كان نظامه ظالما أم عادلا أن يختار من يحكمه. أما السعودية فإن ما يحدث فيها مرتبط بقدرة الشعب على الثورة". ولم تغب الأحداث في دول الخليج عن تصريحات المسؤولين الأمريكيين فعلى هامش مؤتمر جمع عدة دول لمناقشة سبل التحرك لإنهاء الأزمة في ليبيا، دعت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى الشروع في عملية سياسية تلبي مطالب الشعب البحريني. "هدفنا هو تبني عملية سياسية ذات مصداقية تلبي المطالب المشروعة للشعب البحريني. على أن تبدأ تلك العملية بالحوار الذي دعا إليه ولي العهد والذي يتعين أن تشارك فيه كل الأطراف. يجب أن تتم هذه العملية وسط أجواء سلمية وإيجابية تحمي حرية التجمع السلمي وتضمن في الوقت ذاته تمكين الطلاب من الذهاب لمدارسهم وعدم توقف العمل في الشركات وأن يتمكن المواطنون من ممارسة حياتهم اليومية".

ورأي بعض المسؤولين في دول الخليج أن تراجع حدة الاحتجاجات كان متوقعا ومنهم عادل المعاودة رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن بمجلس النواب البحريني. وأشار المعاودة إلى أن المحتجين ظنوا أن ما حدث في مصر وتونس يمكن أن يتكرر في الخليج: "ظن بعض من كان لديهم طموح ويرفعون شعار الإصلاح وآخرون ربما يسعون وراء ما هو أكثر من ذلك، أن المنطقة كلها مقبلة على تغيير جذري. لكن هؤلاء نسوا بعض النقاط أهمها أن الخليج مختلف تماما عن الدول العربية. معظم الدول العربية التي حصلت فيها تغييرات جذرية وثورات لم تتطور أو تزدهر بل زادت البلاد بيروقراطية وديكتاتورية".

وقال الدكتور عايد المناع أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت إن ما حدث في الخليج هو أمر طبيعي نتيجة لمشاكل مشابهة تعاني منها كل الدول العربية:"حتى في الدول الغنية هناك ارتفاع في الأسعار ورواتب منخفضة. البطالة أيضا تعد مشكلة خاصة في دول مثل البحرين وعمان، نسبة البطالة في هاتين الدولتين لا يستهان بها. لكن إجمالا مشكلة البطالة موجودة في دول الخليج".

وهو ما اتفق معه يحيى الأمير الكاتب والمحلل السياسي السعودي: "مثلا ما يحدث في السعودية وسلطنة عمان والكويت وغيرها، كلها مطالبات بالإصلاح في كثير منها أحيانا لا تمثل مطالبة بما يقلق الدولة بل مطالبة لا ترى الدولة فيها بأسا مثل المطالبة بمكافحة البطالة والفساد".

وأشار سالم الجهوري مستشار جمعية الصحافيين العمانيين إلى أن الاستجابة السريعة للمطالب كانت سببا في عودة الهدوء للسلطنة: "هذه المطالبة وصلت إلى قيادة عمان وبموجبها تجاوبت القيادة بشكل سريع من أجل احتواء المواقف وكذلك لتصحيح بعض الأوضاع".

بيد أن فؤاد إبراهيم المعارض السعودي المقيم في لندن ذكر أن حكام المنطقة مازالوا يتعاملون بشكل خاطئ مع الاحتجاجات:"للأسف الشديد الحكام العرب مازالوا يعيشيون على ثقافة الدولة الريعية بمعنى أن مشكلة الشعوب هي مشكلة اقتصادية ومشكلة معيشية بالدرجة الأولى أو ربما هو السبب الوحيد الذي يدفع نحو الاحتجاجات الشعبية. لكن هناك أيضا أشياء وعوامل أخرى وهي مرتبطة بالكرامة والديمقراطية".

كما وصف أحمد السعد منسق عام حركة شباب الحرية في الكويت، الديمقراطية في الخليج بأنها زائفة: "نحن نعيش ديمقراطية زائفة. المصريون تحركوا والتونسيون تحركوا والليبيون يلحقون بالركب. ونحن سنتحرك في هذا الركب، لن نتأخر إن شاء الله. لكن هل نحن دول ديمقراطية؟ لا نحن دول ديمقراطية على ورق. فالفئوية والعنصرية واضحة للعيان".

وأوضح المعارض السعودي فؤاد إبراهيم أن وجود أنظمة ملكية لا يعني صعوبة تغيير النظام لوجود تشابه كبير بينها وبين الأنظمة الرئاسية التي تم الإطاحة بها: "الأنظمة السياسية من المحيط للخليج سواء أكانت ملكية أو جمهورية فهي تنتمي إلى عالم واحد، عالم الاستبداد. إن وجود نظام ملكي لا يغير شيئا سوى أن العنوان اختلف".

كما شدد علي مشيمع الناشط السياسي ونجل المعارض السياسي حسن مشيمع الذي اعتقلته السلطات البحرينية على أنه لا يمكن لتلك الأنظمة أن تبقى في الحكم للأبد: "لا أعتقد أن هناك حكما يخلد إلى أبد الأبدين. وهذه سنة تاريخية في كل مكان. هم يعتقدون أنهم سيعمرون وهذا درب من المستحيل".

ووصف عايد المناع أستاذ العلوم السياسية الكويتي ذلك المطلب بالخيالي: "لا يوجد أدنى شك أن المطلب خيالي وغير واقعي. هذا في الحقيقة تحدي صارخ ومطلب غير واقعي وغير رشيد إطلاقا لأن هذا يعني الوصول إلى نقطة المستحيل مبكرا".

أما يحيى الأمير الكاتب السعودي فقال ان الأنظمة الخليجية لا تعاني من أزمة هوية كما كان الحال في مصر وتونس: "بالمقابل لدينا نموذج الدول التي تقدم نفسها على أنها ملكية ووضعها ونظامها نظام ملكي. وهذه الدول لا تعيش إشكالية في تعريف ذاتها. الدول التي تقع في ورطة، هذه الورطة ربما تجعل هناك نوعا من الشرعية للمطالبة بإسقاط النظام".

وأتهم مسؤولون خليجيون إيران بإشعال فتيل التوتر في المنطقة. الشيخ عادل المعاودة: "الآن هناك إشارات واضحة ربما يُكشَف عنها قريبا بالأدلة. ولا أدل من ذلك إلا مندوب إيران يشكو البحرين. ما دخله بالشأن البحريني؟"

كما أشار يحيى الأمير إلى أن الاحتجاجات في البحرين أخذت بعدا طائفيا: "ما يحدث في البحرين يشير إلى أن هناك بعدا آخر في تلك الاحتجاجات وهو بكل أسف البعد الطائفي. وكم كنت أتمنى من كل قلبي أن يستطيع الأخوة في البحرين من أن ينزهوا حركتهم من أي بعد طائفي".

لكن علي مشيمع المعارض البحريني نفى تلك الاتهامات: "هذه شماعة وتبريرات لمحاولة إضفاء شرعية على الجيوش المحتلة التي دخلت البلاد. أنا اعتقد أننا يجب أن نتجاهل إيران لأنها لم تصرح في بداية الثورة الوطنية البحرينية وإنما صرحت بعد ارتكاب مجازر".

كما قال أحمد السعد الناشط السياسي الكويتي إن الحكومات في الخليج تبادر باستخدام العنف ضد دعاة الإصلاح: "هناك عنف من قِبَّل الحكومات تجاه المطالب السلمية. فسُحِل الأكاديميون يوما في الشوارع وأعضاء مجلس الأمة. ولكن ستينع هذه الورقة بعد الجفاف وتزهر الوردة وتقوم مقامها ديمقراطية. مطالبنا لن نتراجع عنها. نريد حكومة شرعية".

ورغم تلك الصورة المتباينة ما بين مؤيد ومعارض، أعرب سالم الجهوري مستشار جمعية الصحافيين العمانيين عن اعتقاده بأن زعماء دول المنطقة قادرون على تجاوز المرحلة الحالية: "أنا مؤمن بأن لديهم مساحة كبيرة، مساحة الحوار ومساحة الجلوس معا ومساحة أن يقدموا جميعا لكل دولة من دولهم ما هو مفيد وأن يجروا بعض الإصلاحات على الدساتير وعلى الأنظمة الأساسية. كل هذا أعتقد أنه لن يتطور لأن دول الخليج في النهاية هي منظومة واحدة".

ورأي الشيخ عادل المعاودة أن ما تشهده المنطقة يدفع نحو تغيير إيجابي: "أنا أرى تغييرا إيجابيا لأن هذه المشكلة أنا متأكد من أنها ستنتهي وستحل. وأتمنى أن يكون ذلك قريبا وقريبا جدا. فهذا تغيير جذري سيكون هناك عمل مضاد لهذا العمل وهذا التغيير الأول. التغيير الثاني سيُلتفَت أكثر للمواطنين وسيتم الاهتمام بصورة أكبر بمطالبات المواطنين. والاثنان تغييران إيجابيان".

وطرح عايد المناع أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت حلا قد يرضي المطالبين بالإصلاح: "أنا أعتقد أن الأمور تتجه إلى حل وسط منطقي مقبول. ولدينا نموذج الحياة البرلمانية الكويتية مع تصحيح بعض الأخطاء أو بعض الجوانب الدستورية. فيمكن أن يُطرَح نموذجا لدول الخليج الباقية. فيكون للأسر الحاكمة عدد محدود من الوزارات، لها الحكم لكن صلاحياتها محدودة. وللبرلمان قوة فاعلة ومؤثرة مثلما الحال في الكويت ويكون الصراع على البرلمان من أجل التشريع في البرلمان والرقابة على عمل السلطة التنفيذية".

وفي المقابل، قال أحمد السعد الناشط السياسي الكويتي إن دولة خليجية موحدة تحمل في طياتها الحل لمشاكل الخليج:"الآن نحن ندفع باتجاه وحدة خليجية حقيقية، كونفيدرالية خليجية. فتكون هناك عاصمة واحدة وتكون عمقا استراتيجيا لدول الخليج. لأن هذه الدول هي شظايا جغرافية وليست دول لا تستطيع أن تدافع عن نفسها ضد الدول الكبرى التي تحيط بها".

كما حذر المعارض السعودي فؤاد إبراهيم من أن تعاطي الأنظمة الخليجية الحالي مع الاحتجاجات قد يكون سببا في تمدد التيارات المتطرفة داخل تلك المجتمعات:"أعتقد أن المؤشرات الآن على مستوى أداء الحكومات الخليجية تشير إلى أن الاتجاه هو اتجاه تصعيدي. فليس هناك نية لحوار، وليس هناك نية لتسوية سلمية هادئة للمشكلات العالقة وإنما هناك اتجاه تصعيدي بالنسبة على الأقل للبحرين والسعودية بخلاف ما جرى في عمان. فقد قام السلطان قابوس بإجراءات إصلاحية. ولكن ما يجري في السعودية والبحرين أعتقد أنه يسير في اتجاه تصعيدي وهذا من شأنه أن يشجع الاتجاهات والنزعات الراديكالية المتطرفة حتى للجماعات التي تشعر أنه لا يمكن التوصل لاتفاق سلمي مع هذه الحكومات".

ومن ناحيته، دعا يحيى الأمير الكاتب السعودي إلى تطبيق عمليات إصلاح متوازنة داخل المجتمعات الخليجية:"يجب على مختلف القوى السياسية أن تدير عمليات إصلاح متوازنة. كل دول المنطقة عليها استحقاق فيما يتعلق برسم المستقبل، فيما يتعلق بالاستجابة لتطلعات الشباب.

الاستجابات تحدث الآن في كل دول المنطقة. في سلطنة عمان شاهدنا قدمها السلطان وفتح أبواب الحوار. في البحرين استجابت الحكومة بشكل واسع جدا وقام الملك بعزل بعض الشخصيات الرسمية وحتى قريبة من عائلته وفتح باب الحوار مع المعارضة".

المعارضة والتيارات المطالبة بالتغيير في بعض دول الخليج أكدت أنها لن تتراجع لأن استجابة الأنظمة لا ترقى لمستوى المطالب. كما أكدت أن الإجراءات الأمنية لن تفت من عضدها. علي مشيمع الناشط السياسي البحريني:

"لن يفت من عضد المعارضة ولن يفت من عضد الشعب بعدما قُتِل هؤلاء بدم بارد فتحولت المعركة وتبدلت المطالب وتوحد الناس فساروا على قلب رجل واحد متألفة قلوبهم".

رياح التغيير مازالت تهب على المنطقة وهو ما يرشح الشرق الأوسط لمزيد من التقلبات في الأسابيع أو الشهور القادمة. لكن النتيجة تظل غير معلومة لاسيما أن أنظمة دول الخليج تختلف في بنيتها وتفاعلها مع المجتمعات، عن الأنظمة التي تهاوت في مصر وتونس وربما ليبيا واليمن.

XS
SM
MD
LG