Accessibility links

logo-print

لم تهدأ أصداء الثورتين التونسية والمصرية وأصوات النيران في ليبيا إلا وتدخل سوريا نطاق الاحتجاجات التي هزت المنطقة بأسرها سعيا وراء الإصلاح والديمقراطية.

المكان كان درعا تلك المدينة الصغيرة في جنوب البلاد ثم امتدت شمالا فغربا لتصل إلى العاصمة دمشق.

البعض اعتبر أن ما تشهده سوريا الآن من مظاهرات ومصادمات بين محتجين وقوات الأمن أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، كانت أمرا مفاجئا ومنهم منى يعقوبيان الباحثة بمعهد الولايات المتحدة للسلام: "لقد كانت مفاجأة للكثيرين بعدما شهدته المنطقة من تطورات. أعتقد أن الكثيرين بمن فيهم أنا كانوا يظنون أن سوريا ستكون أخر مكان يشهد اضطرابات واحتجاجات. أعتقد أن الرئيس بشار الأسد نفسه كان يظن أن ذلك لن يحدث في سوريا، لهذا فقد أصدر الكثير من التصريحات عندما بدأت الأزمة".

المعارضون والمحتجون داخل سوريا أكدوا أن تلك الاحتجاجات تعني دخول بلادهم مرحلة جديدة. وقال منير شحود أستاذ جامعي من اللاذقية ينتمي لصفوف المعارضين في هذا الشأن: "دخلت سوريا مرحلة جديدة ولن تعود للوراء. المشكلة الآن مع النظام. ولا توجد أحزاب ويستطيع أن يضع معارضيه في السجون. الآن انتقلت رياح التغيير إلى الشعب.

وعندما تصبح الظاهرة شعبية لا يمكن القضاء عليها بأساليب النظام المعتادة. إذا سوريا دخلت مرحلة جديدة لا يمكن أن تعود للوراء".

كما قال ملاذ عمران من شباب درعا إنهم لن يتوقفوا عن الاحتجاج لحين تحقيق مطالبهم: "ما فيه خوف بعد اليوم. نريد حرية وأن نعبر عن رأينا. ونريد حرية كي نقول لا وأن نتظاهر. نريد حرية التظاهر وعندما يكون لدينا حرية التظاهر والنزول إلى الشارع سيحدث التغيير".

وبدأت تلك التظاهرات الشعبية في سوريا في منتصف الشهر الماضي وهو ما وصفه زارادشت محمد الناطق باسم حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا بأنه لحظة فارقة لن تعود بعدها البلاد إلى ما كانت عليه: "الوضع ما قبل الخامس عشر من مارس آذار ليس هو ذاته ما بعد الخامس عشر من مارس آذار. فبعد أن سال دم الشهداء وبعد أن كسر الشعب السوري حاجز الخوف فلا يمكن العودة في تصورنا إلى ما قبل هذا التاريخ. لكن قد يتأخر الوضع".

وهذا ما أكده عبد الله الشامي المعارض السوري المقيم في تركيا: "مستحيل أن تعود. نقطة الخامس عشر من آذار هي نقطة انطلاق لا نقطة عودة. نحن نسعى للحفاظ على مطالبنا".

كما تحدث ياسين حاج صالح الكاتب والمعارض السوري عن عدة معايير ستحدد حجم الاحتجاجات وقوتها داخل البلاد في المرحلة المقبلة: "هذا مرهون برقعة الاحتجاجات وانتشارها على المستوى الوطني وحجم المشاركة الشعبية فيها. الأجهزة الأمنية لم تقصر في مواجهة الاحتجاجات بالقوة، إلا إذا فرضنا أن نزل عدد كبير من المحتجين وتنظيم احتجاجات ذات طابع سلمي بالطبع، وتم تحييد أجهزة الأمن".

وأكد شحود تمسك المتظاهرين بسلمية الاحتجاجات: "التظاهرات ليست فقط سلمية بل ترفع شعارات حضارية، شعارات تطالب بالحرية. أول كلمة وأول شعار هو الحرية لأن هذا في الواقع هو الهواء الذي يجب أن نتنفسه بعد كل هذه السنين".

كما دعا عبد الله الشامي المجتمع الدولي لتأييد مطالب المتظاهرين السلمية: "نتمسك أكثر بسلمية المظاهرات وندعو المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان الدولية الدول الفعالة في العالم إلى أن تقف في صف المتظاهرين السلميين الذين يطالبون بحقوقهم".

وفي المقابل، قال إلياس مراد رئيس اتحاد الصحفيين السوريين إن هناك مبالغة بشأن حجم المظاهرات وعدد المشاركين فيها:"أعتقد أن الأمر مبالغ فيه فلم يكن هناك تظاهرات بمعنى تظاهرات. كان هناك في ثلاثة أماكن فقط بعض الاحتجاجات ترفع مطالب لا ترقى إلى ما يتم الحديث عنه والمتعلق باحتجاجات كبيرة وتغييرات كبيرة".

لكن منى يعقوبيان الباحثة بمعهد الولايات المتحدة للسلام أشارت إلى وجود تنوع لافت في تلك التظاهرات على الصعيد الجغرافي المرتبط بالتباينات الطائفية في البلاد: "إن تلك المظاهرات تخرج في مناطق متعددة من سوريا. فلقد بدأت من درعا في الجنوب ثم امتدت إلى اللاذقية على الساحل الغربي لتصل إلى قلب المناطق السنية في حماه على سبيل المثال. كما سمعنا عن مظاهرات في شرق البلاد التي يعيش بها سوريون أكراد. أما على صعيد الأعداد التي تخرج إلى الشوارع فإن الأمر يظل مثارا للجدل".

وبعد أسبوعين من المصادمات الدامية خرج الرئيس السوري بشار الأسد ليعلن عن مجموعة من الإجراءات التي وصفها بالإصلاحية لتهدئة الشارع: "حزمة الإجراءات التي أعلن عنها لن تبدأ من الصفر، لأنني كما قلت القيادة القطرية كانت قد أعدت مسودات قوانين سواء فيما يتعلق بقانوني الأحزاب أو الطوارئ منذ أكثر من عام بالإضافة إلى قوانين أخرى سيتم عرضها على النقاش العام".

إلياس مراد رئيس اتحاد الصحفيين السوريين أكد أن تلك الإجراءات فاقت المطالب التي رفعها المتظاهرون في درعا ومدن أخرى: "أعتقد أن ما أعلن عنه سواء في حديث الرئيس الأسد أو ما صدر من قرارات أو ما سبقها بعدة أيام إنما تجاوز في مضمونه وفي معطياته ما كان قد طرح في مدينة درعا التي كانت قد حملت عددا من المطالب المحلية. وبعدها كان هناك في بعض المناطق الأخرى في سوريا مثل ذلك".

لكن رزان زيتوني الناشطة الحقوقية السورية أبدت استغرابا لوصف ما أعلنه الرئيس بالإصلاحات: "لم أسمع أي شيء حصل على ارض الواقع فيما يتعلق بالمطالب التي طرحها المحتجين على مدار الشهر الماضيط.

كما وصف زارادشت محمد الناطق باسم حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا، تلك الإجراءات بأنها مجرد عملية لإعادة إنتاج الذات داعيا إلى حل سياسي للأزمة: "الخطوات التي اتخذتها الحكومة هي مجرد إعادة إنتاج للذات. هذه السلطة لا تأخذ خطوات عملية. الخطوات التي اتخذتها تمثلت في تشكيل حكومة جديدة واستقالة أخرى وفق دستور حزب البعث. رئيس الجمهورية صاحب صلاحية مطلقة بتعيين رئيس وزراء والوزراء ونوابهم، وبالتالي الصلاحيات الموجودة مجرد صلاحيات خدمية. المعالجة الأساسية هي تكمن بمعالجة سياسية وليس معالجات أمنية".

كما أشار منير شحود الأستاذ الجامعي إلى أن تلك الإصلاحات لم تمس مشكلة البلاد الحقيقية وهي سيطرة أجهزة الأمن على كل شيء: "هي إصلاحات شكلية ولا تتناول جوهر المشكلة. فهي تتعلق بوزارة أو أشخاص. لدينا مشكلة كبيرة وهي المشكلة الأمنية وسيطرة الأجهزة الأمنية. الوزارة هنا هي جهاز تنفيذي لكنها ليست لسلطة تشريعية لكنها تابعة لقرار مركزي إما رئاسي أو أمني".

ورأت منى يعقوبيان الباحثة السياسية المقيمة في واشنطن أن ما بدأه الأسد من إجراءات لتهدئة الشارع ليست كافية: "أعتقد أنها ليست كافية. لقد تحدث عن النظر في إمكانية إيقاف العمل بقانون الطوارئ، كما كلف رئيس وزراء جديد بتشكيل الحكومة. لكن رئيس الوزراء الجديد يظل جزءا من نسيج حزب البعث الحاكم. أعتقد أن الأسد حتى هذه اللحظة لم يف بتعهداته بشأن الإصلاحات الضرورية".

وحدد عبد الله الشامي المعارض المقيم في الخارج عددا من المطالب الأساسية للمعارضة.

"المطالب الأساسية للثورة القائمة في سوريا والمظاهرات هي بسيطة هي رفع قانون الطوارئ وتبييض السجون الإفراج عن معتقلين وإطلاق الحريات ومحاكمة المجرمين والقتلى وكذلك التعددية الحزبية".

وأوضح منير شحود الأستاذ الجامعي السوري أن مطلب إلغاء العمل بقانون الطوارئ لن يكون نهاية المطاف: "لا أخفيك سري إذا قلت إن مواد قانون الطوارئ هي مضمنة في القانون السوري. فأنا فصلت من الجامعة بسبب مادة موجودة في قانون العاملين في سوريا التي تقول إنه يحق لرئيس مجلس الوزراء أن يفصل أي موظف دون ذكر الأسباب. وأنا فصلت بهذه الطريقة بسبب التعبير عن رأيي. وإذا ألغي قانون الطوارئ فنحن نحتاج إلى تعديل كل شيء في سوريا".

لكن إلياس مراد رئيس اتحاد الصحفيين السوريين قال إن بدء تطبيق تلك الإجراءات يعني تطور الحياة السياسية والحزبية في البلاد.

"الإجراءات القانونية التي سيتم تطبيقها مستقبلا على صعيد الأحزاب وتنظيمها في سوريا يمكن أن تغير في شكل الحياة السياسية والحراك السياسي في الداخل السوري". بيد أن زارادشت محمد الناطق باسم حزب الوحدة الديمقراطي الكردي استبعد قدرة النظام الحالي على رعاية إصلاحات حقيقية.

"سبب الأزمة التي تعاني منها سوريا هي أزمة بنيوية شاملة تظهر في مختلف الحقول السياسية والثقافية والاجتماعية. هذا النظام وهذه السلطة منذ خمسين عاما هي المسؤولة عن وصول الأوضاع في سوريا إلى هذا الحد وبالتالي هي غير مؤهلة بمبدأ الحزب الواحد لإيجاد أي حلول". هو ما أكده ياسين حاج صالح المعارض السوري: "ليس هناك أي ضمانات على الإطلاق لتنفيذ ذلك، علاوة على أن الذهنية الموجودة حاليا من الصعب أن تكون هي نفسها الذهنية القائمة بعملية الإصلاح. الأجواء الموجودة حاليا ليست أجواء مصالحة بل أجواء حرب وأجواء هستيرية".

واتهم بعض المعارضين النظام بمحاولات إضفاء صفة الطائفية على بعض الاحتجاجات. عبد الله الشامي المعارض السوري في الخارج: "المظاهرات ليست ذات طابع طائفي. المظاهرات تضم كافة طوائف الشعب ومرجعياته الدينية والفكرية ولكن النظام يسعى إلى جر هذه المظاهرات إلى منحى طائفي".

أما ياسين حاج صالح فشدد على وحدة الشعب السوري وتماسكه: "أعتقد أن هذا واحد من محظورين اثنين تجنبتهما الأنشطة الشعبية في سوريا. المحظور الأول هو العنف. كما نرفض الانجراف إلى الطائفية. إن الاحتجاجات تتكلم باسم سوريا والشعب السوري والوحدة الوطنية السورية بين المسلمين والمسيحيين وجميع الطوائف". ومن ناحيته، اتهم إلياس مراد رئيس اتحاد الصحفيين جهات خارجية بمحاولة إذكاء نيران الطائفية: "هذا موجود بالإعلام فقط. المجتمع السوري تجاوز المسألة الطائفية منذ زمن بعيد. أعتقد أن بعض من ينفخون في نار الفتنة من الخارج سيفشلون ولن يحققوا أهدافهم". لكن ياسين حاج صالح رفض اتهم المحتجين بتبني أجندات خارجية: "أعتقد أن الحديث عن أجندات خارجية فيه الكثير من الاحتقار للشعب السوري. وهذا احتقار غير مقبول. الحرية متأصلة في تفكير السوريين وباسمها خاضوا كفاحهم في وقت سابق وباسمها يخوضون الكفاح الحالي".

شكل الشباب أغلبية المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشوارع وهو ما يؤطر لحركة جديدة في الشارع السياسي السوري كما أفاد صالح: "الجيل الشاب في سوريا والاحتجاجات التي تخرج في سوريا تكسر هذا الجدار وتخرج عنه وتخرج من دور القصور السياسي والتقزم السياسي الذي فرضه النظام على البلد". كما أشارت رزان زيتوني الناشطة الحقوقية السورية إلى أن الشباب هما المحرك الرئيسي لتلك الاحتجاجات: "الذي يحدث في الشارع هو من تنظيم الشباب السوري. ليس هناك مظاهر تنظيمية لهؤلاء الشباب، وهو ما أراه شيئا إيجابيا حتى الآن. ففي لحظة معينة سيتطلب الأمر المزيد من التنظيم والتنسيق بين أولئك الشباب".

كما انتقدت زيتوني ما وصفته غياب المعارضة التقليدية عما يحدث الآن: "المعارضة التقليدية كانت ومازالت غائبة حتى الآن عن كل الأحداث التي حصلت منذ شهر مارس آذار الماضي".

لكن صالح رأى أن هناك دورا مهما أيضا للمعارضة التقليدية: "الجيل الأكبر وهو جيلي ومن أكبر مني، هو الذي يمكن أن يساهم في تحديد الوجهة الأخلاقية لهذه التحركات. فإذا أمكن المزج بين هذين التطلعين، بين الفعاليات الشابة الميدانية النشيطة وبين قدر أكبر من التوجه السياسي السديد والحساسية الأخلاقية، فإن الانتفاضة السورية ستحقق مكسبا مهما".

أما منى يعقوبيان الباحثة السياسية في معهد الولايات المتحدة للسلام فأعربت عن اعتقادها بأن هناك مزيجا من الحركة الشبابية والمعارضة التقليدية ضمن تلك الاحتجاجات: "أبرز المظاهرات التي خرجت من مدينة درعا جنوب سوريا بدأت بسبب احتجاج مواطنين على اعتقال شباب رسموا شعارات تدعو للحرية والديمقراطية على الحوائط. لذلك فإن عنصر الشباب موجود في تلك المظاهرات. كما أعتقد أن المعارضة التقليدية حاضرة أيضا في تلك المظاهرات".

الخارجية الأمريكية انتقدت دمشق لاستخدام العنف ضد المتظاهرين، كما دعت سوريا إلى اتخاذ إجراءات ملموسة نحو الإصلاح. وقالت يعقوبيان إن الولايات المتحدة حريصة على ألا تحدث المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا: "أعتقد أن الأمريكيين قلقون إزاء مستوى انتهاكات حقوق الإنسان وأعمال القمع التي تقع في سوريا. فحكومة الرئيس الأسد استخدمت العنف لقمع تلك التظاهرات". كما تطرقت يعقوبيان إلى قضيتين أخريين تشغلان بال واشنطن: "ما الذي يعنيه عدم الاستقرار في سوريا بالنسبة للمنطقة بشكل عام؟ فسوريا تقع في منطقة هامة حيث تشترك في حدودها مع العراق ولبنان، كما أنها في حالة حرب مع إسرائيل. فهل تمتد حالة عدم الاستقرار هذه عبر الحدود إلى دول أخرى؟ هذا هو ما يقلق واشنطن. كما أن هناك أمرا آخر فإذا سقط نظام الأسد من سيأتي بعده؟ أعتقد أننا لا نعلم بعد الإجابة".

المتظاهرون والمعارضون لم يتوقفوا عن الدعوة عبر الإنترنت لمزيد من الاحتجاجات التي رشحها البعض للزيادة رغم إجراءات النظام ومحاصرة الأمن لتلك المظاهرات. وأكد زارادشت محمد الناطق باسم حزب الوحدة الديمقراطي الكردي أن الحل سيكون عبر عقد مؤتمر وطني لجميع أطياف المجتمع السوري للاتفاق على نوعية الإصلاحات: "الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني يشمل مختلف القوى والأحزاب الموجودة ويكون معبرا عن مختلف مكونات المجتمع السوري المتعدد قوميا ودينيا لإيجاد آليات عملية فعالة للخروج من هذه الأزمة. وينبثق من هذا الاجتماع اجتماع جديد يعبر عن طموح مختلف شرائح ومكونات المجتمع السوري".

كما دعا عبد الله الشامي المعارض السوري رئيس البلاد إلى أخذ عبرة مما حدث في مصر وتونس: "أن يكون أكثر حنكة وأكثر حكمة وأكثر ذكاءً كما عهدناه وأن يعتبر مما حصل في بقية البلدان".

ونبه منير شحود الأستاذ الجامعي الذي كان من بين الموقعين على إعلان دمشق إلى ضرورة إعادة بناء الثقة بين النظام والمواطنين.

"نريد تصرفات من النظام يمكن أن تهدئ الوضع تتعلق بحسن النوايا. إذا كانت هناك مشكلة في الثقة فيجب أن يكون النظام بما يسمى بالنوايا الحسنة بمعنى الانفتاح التام".

XS
SM
MD
LG