Accessibility links

لم تضع الحرب في ليبيا أوزارها بعد، كما لم يحرز نظام العقيد معمر القذافي أو المعارضة أي تقدم يرجح كفة طرف على الطرف الآخر رغم تدخل قوات دولية بقيادة حلف شمال الأطلسي لحماية المدنيين من الهجمات الجوية والصاروخية لقوات القذافي شرقا وغربا.

حالة الكر والفر هذه تفشت بعد تقدم ملحوظ للمعارضة في الأيام الأولى للتدخل العسكري الدولي.

زياد مطر المعارض الليبي المقيم في مصر فسر الحالة الراهنة بأن القذافي استوعب الصدمة الأولى ونجح في إعادة ترتيب أوراقه. وأضاف مطر لراديو سوا: "لم يكن القذافي يتوقع الأمر، كما أن المجتمع الدولي تصرف بشكل مبالغ فيه. لكن القذافي نجح في استيعاب الصدمة وتنظيم أموره وقواته وأصبح هو الذي يمتلك زمام المبادرة".

أما إبراهيم صهد الأمين العام للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا فأوضح أن تأخر المجتمع الدولي في فرض الحظر الجوي منح القذافي الفرصة لاستعادة قوته. وقال صهد: "قلت في ذلك الوقت إنه إذا تأخر المجتمع الدولي فسيكون لزاما عليه أن تكون مع الحظر الجوي أشياء أخرى. وهذا ما حدث بالفعل لأن الأسابيع الأربعة التي منحناها للقذافي كانت كافية لأن يتزود بالذخائر والأسلحة المختلفة".

وحدد صهد مطلبين أساسيين لترجيح كفة المعارضة في مواجهتها مع قوات القذافي وهما: "لابد أن يقوم حلف الناتو بتكثيف غاراته على خطوط مواصلات وأركان القذافي التي تهدد المدن. رأينا ضربات موفقة من جانب الحلف لكن هناك بعض المواقع التي تشهد تقدم أرتال عسكرية نحو مصراتة ومدن الجبل الغربي. لابد من ضرب هذه الإضراب واستهداف خطوط المواصلات. النقطة الثانية فيما يتعلق بالمسألة العسكرية هو أن يقوم المجتمع المدني بتقديم أسلحة إلى الثوار كي يدافعوا عن المدنيين وعن أنفسهم".

وأضاف صهد لراديو سوا أنه لا يجب الاستغراق كثيرا في حدود صلاحيات قرار مجلس الأمن بشأن ليبيا: "ما يجري الآن من تباطؤ ومناقشات بيزنطية حول طبيعة قرار مجلس الأمن وأي حدود له. حدود هذا القرار واضحة لكن هناك بعض الدول التي تريد تفسيره على هواها وحسب مصالحها. لذلك يجب ألا نستغرق طويلا في هذه المناقشات".

لكن زياد مطر المعارض الليبي المقيم في مصر أكد أن حلف شمال الأطلسي لم يقصر في مهمته، لكن الموقف المتأزم هو ما يدفع الليبيين لحث الكيان العسكري على تكثيف عملياته. وأضاف: "الناتو يعمل بشكل جيد فنحن نتعامل مع مؤسسة بيروقراطية. كل الطلبات التي وضعناها في البداية بكل صراحة وعلى رأسها فرض منطقة حظر جوي حصلنا عليها. لكننا وسط النار لذلك نطلب من الناتو تسريع وتيرة العمليات".

ومن ناحيته، قال David Mack مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى إن ذلك الصراع يحتاج لمزيد من الوقت. وأضاف لراديو سوا:"إن هذا الأمر يحتاج للكثير من الصبر للحصول على نتيجة تصب في مصلحة الشعب الليبي".

وأشار Mack إلى أن التفويض الدولي الذي لا يشمل السماح بدخول قوات برية إلى ليبيا يجعل من الصعب على حلف شمال الأطلسي حسم المعركة بالقوة الجوية. وقال Mack: "من الصعب التعامل مع التكتيكات التي تستخدمها قوات القذافي لأن القوات الجوية يمكن أن تكون أداة غاشمة تقتل العديد من المدنيين أثناء محاولة استهداف تلك القوات التي تستخدم القناصة وتحتمي بالمباني المدنية. لا يمكن مواجهة هذه التكتيكات العسكرية بالقوة الجوية فقط".

واستبعد Mack أن تعود الولايات المتحدة لقيادة العمليات العسكرية في ليبيا بالقول: "أعتقد أنه يتعين على الليبيين البحث عن سبل لتحسين قدراتهم. لا أعتقد أن الحل هو أن تصبح الولايات المتحدة الشرطي الذي يتدخل في كل أزمة تقع في العالم. كما أن الولايات المتحدة لها دور كبير في عمليات الناتو حيث تقوم طائرات أمريكية بربع الغارات الجوية للحلف فوق ليبيا".

كما رحب Mack بالخطوة التي اتخذتها بريطانيا بارسال مستشارين عسكريين إلى شرق ليبيا في ظل حاجة قوات المعارضة للتدريب العسكري. وقال Mack الأستاذ بمعهد الشرق الأوسط للدراسات: "آمل أن نرى تحسنا في مستوى أداء قوات المعارضة التي يجب أن تكون مدربة على مستوى أعلى وأكثر تنظيما. وهناك إشارات مشجعة بعد أن قررت بريطانيا إرسال ضباط إلى شرق ليبيا لتدريب قوات المعارضة".

جدير بالذكر أن إيطاليا وفرنسا أيضا قررتا إرسال مستشارين عسكريين لتدريب الثوار. تلك الخطوات أثارت حفيظة نظام القذافي الذي أعلن على لسان خالد الكعيم نائب وزير الخارجية أن وجود أي قوات أجنبية على الأرض يعني أنها في مهمة عسكرية. وقال الكعيم في مؤتمر صحفي "إذا تم نشر أي قوات عسكرية على الأراضي الليبية وكان هناك قتال، فإن الحكومة الليبية لن تعتبر مهمة تلك القوات إنسانية بل ستعتبرها قوات في مهمة عسكرية". ومع استمرار حالة الجمود ال

عسكري على الأرض، حث جمال عبد الجواد رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية على ضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة.

وأضاف عبد الجواد: "أظن أن الأزمة الليبية تحتاج إلى مخرج سياسي وبدون حل سياسي سيكون من غير المرجح أن يتمكن أي طرف من حسم الأزمة عسكريا على المدى القريب. وفي نفس الوقت، مواقف الأطراف متباعدة جدا، فالشروط التي وضعها كل من القذافي والمعارضة حتى الآن يصعب التوفيق بينها. يبدو أن هذا الصراع لم يصل بعد إلى نقطة تمهد إلى إيجاد حل للأزمة".

كما أشار إيهاب بسيسو المحلل السياسي وأستاذ الإعلام في جامعة كارديف الإنجليزية إلى وجود تباينات في وجهات النظر الدولية. وقال بسيسو لراديو سوا: "حتى هذه اللحظة لا توجد نتيجة فعالة يتم ترجمتها عبر آليات حقيقية من الجانب السياسي. كما أن هناك تباينا في وجهات النظر الدولية بين الدول الأعضاء في الحلف السياسي والدول الأعضاء في الناتو إزاء طبيعة المساعدات ودعم الثورة وهذا ما يؤخر بشكل كبير أي تحرك إيجابي لصالح الثورة في الوقت الحالي". وقال بسيسو إن طرفي الصراع يعولان وسط كل هذا

على عنصر الوقت: "القضية تتمحور الآن وتتضح حول عنصر الوقت الذي تحاول كل الأطراف أن تراهن عليه. فمن جهة نظام القذافي فإنه يحاول الاستمرار في العمليات العسكرية من إحداث واقع سياسي على الأرض ربما يسمح لخلق مساحة للحل السياسي من وجهة نظره يتبع ذلك حراك سياسي من المجلس الانتقالي في ليبيا الذي يرفض أي مبادرة سياسية تتضمن بقاء معمر القذافي في الحكم".

ومن جانبه، أعرب عز الدين القرقني المدير العام السابق للشؤون العربية في وزارة الخارجية التونسية، عن أمله في أن يكون هناك تحرك عربي جماعي لإنهاء الأزمة. وقال القرقني لراديو سوا: "نتمنى لو كانت هذه المبادرات في نطاق عربي جماعي حقيقي. أعتقد أن ذلك سيكون له نجاعة أكبر وسيُسقِط كل المبررات من الجانب الآخر".

لكن زياد مطر المعارض الليبي أوضح أن صعوبة التفاوض مع النظام الليبي هي التي تعقد الموقف. وأضاف: "المشكلة التي وضعت الليبيين والعالم بأسره في ركن ضيق هو التعامل مع نظام صعب المراس. النظام في ليبيا غير قابل للإصلاح. وهناك من يدعو إلى الدخول في مفاوضات. مفاوضات مع من؟"

كما أشار جمال عبد الجواد الخبير الاستراتيجي إلى أن عدم وضوح الرؤية بالنسبة لطبيعة مقاتلي المعارضة قد يكون سببا في تأجيل حسم المجموعة الدولية للأزمة: "الذهاب إلى مدى أبعد من حماية المدنيين ووضع هدف سياسي للمهمة العسكرية يستلزم معرفة بالأطراف الفاعلة على الأرض والآثار السياسية والمحصلة النهائية لأي جهد عسكري. حتى الآن هذا سؤال لم يجد إجابة".

وقال إيهاب بسيسو المحلل السياسي المقيم في بريطانيا إن التقارير التي تتحدث عن وجود إسلاميين بين صفوف المعارضة له آثار سلبية. وأضاف: "لم ينف أحد وجود إسلاميين في صفوف الثوار. والتقارير الصحفية منذ بداية الأزمة تحدثت عن وجود أيضا إسلاميين وبعض أفراد من القاعدة في بعض المدن الليبية. ولكن باعتقادي أن هذا ما يضخم الحالة".

لكن إبراهيم صهد الأمين العام للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا استبعد وجود عناصر متشددة بين صفوف المعارضة. وأضاف صهد: "فزاعة القاعدة التي أطلقها القذافي لقيت للأسف الشديد مجالا عند أصحاب المصالح الذين يريدون تسويق مصالحهم فاشتروا هذه الفزاعة وأصبحوا هم يسوقونها حتى يبينوا أن ما يجري في ليبيا له علاقة بهذا الأمر. الثوار الذين نراهم في شاشات التلفزيون لا يبدون على أنهم من أتباع القاعدة أو من الإسلاميين المتشددين".

وهو ما أيده David Mack مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى: "لا أعتقد أن هناك مشكلة بشأن المعتنقات السياسية لقيادات الثوار. وإذا ما نظرنا إلى تصريحات أعضاء المجلس الانتقالي فإننا سنجد أنها لا تعكس أي أمور سلبية".

كما شدد عصام الغرياني المتحدث باسم المجلس الانتقالي على أن هدف المواطنين هو إقامة دولة مدنية ديمقراطية. واستطرد قائلا في تصريح لموفدنا في بنغازي: "أعتقد أن رؤية الشعب الليبي هو أنهم يتطلعون لحياة أفضل ودولة ديمقراطية تحترم القانون ودستورية تحترم حقوق الإنسان والحريات ودولة مؤسسات".

ويبدو هاجس تقسيم ليبيا في الأفق كما رأي زياد مطر المعارض الليبي، إذا قُضِي على المعارضة في الغرب: "لو سقطت مصراتة فستصبح المنطقة الغربية تحت القهر ومرهونة في يد معمر القذافي. فبالتالي سيفرض القذافي واقعا وهو التقسيم. وهذا التقسيم قد لا يستمر لفترة طويلة".

بيد أن الغرياني أكد أن تقسيم ليبيا هو خيار غير مطروح على الإطلاق: " ليس هنالك أي مجال للتقسيم. لا نؤمن بهذا التقسيم وليس في توقعاتنا إطلاقا. أعلنا منذ البداية بأن طرابلس هي العاصمة وستكون العاصمة".

وتظل هناك الكثير من التحديات لمستقبل ليبيا ما بعد هذه المواجهات بما في ذلك العلاقات مع المحيط الإقليمي كما أفاد إيهاب بسيسو المحلل السياسي المقيم في بريطانيا: "هناك الكثير من المعطيات المطروحة على الساحة بشأن مستقبل ليبيا بعد هذا العمل العسكري سواء على صعيد المواجهات بين القذافي وقوات الثورة بدعم من قوات الناتو وقرار مجلس الأمن وأيضا المعطيات التي تترتب على الخارطة الجغرافية السياسية لليبيا والامتداد الجغرافي السياسي لليبيا إفريقياً وبالتالي إحداث عملية تصاعد للأزمة على مستوى ليبيا وأفريقيا".

ولعل أبرز دولتين قد تتأثران أو ربما تأثرتا بالفعل بما يحدث في ليبيا هما تونس ومصر اللتان ألهمتا المعارضة في ليبيا.

وقال عز الدين القرقني المدير العام السابق للشؤون العربية في وزارة الخارجية التونسية إن تونس تعاني بالفعل بسبب تدفق الآلاف من اللاجئين إلى أراضيها: "الوضع الليبي له تداعيات للحدود. فاللاجئون يعدون بعشرات الآلاف ووصلنا إلى أكثر من مائة وخمسين ألف لاجئ ومازال التدفق مستمرا. وأهالي الجنوب التونسي قاموا بما يستطيعون لاستقبال اللاجئين وتوفير ما أمكن من الظروف الإنسانية في تضامن منقطع النظير".

واستبعد القرقني أن تلعب بلاده دورا فعالا على الصعيد السياسي في ليبيا لأنها في منشغلة بإعادة البناء ما بعد الثورة. وأضاف: "تونس كما هو معروف في فترة انتقالية والمشاغل كبيرة لبناء الديمقراطية التي من أجلها قامت الثورة. والتحضير إلى انتخابات المجلس التأسيسي. هناك أولويات، فهناك مشكلة البطالة والمؤسسات التي تأثرت بالإحداث. كل هذا يجعل تونس الآن لها مشاغل كبيرة".

كما أشار جمال عبد الجواد الخبير الاستراتيجي المصري إلى أن امتداد الصراع سيضع ضغوطا كبيرة على مصر وتونس. وقال عبد الجواد: "غير مستبعد إذا تطور الوضع في ليبيا إلى صراع عسكري ممتد ونوع من الحرب الأهلية، أن تجد الدول المجاورة وعلى رأسها مصر وتونس نفسها مضطرة للإجابة على أسئلة تحاول أن تتجنب الإجابة عليها الآن. فسيكون عليها ضغوط لمساعدة أطراف فهل هي مستعدة لهذا أو مطمئنة للتورط بشكل أكبر في هذا الصراع".

وقال عبد الجواد إن عودة الآلاف من المصريين والتونسيين الذين كانوا يعملون في ليبيا يشكل ضغطا على اقتصاد البلدين: "عدد كبير من المصريين العاملين في ليبيا تجاوزوا مائتي ألف عامل عادوا إلى مصر. هذا يشكل ضغطا كبيرا على سوق العمل المصري الذي يعاني من نقص في فرص العمل يساويه نقص في الدخل المحول من الخارج. نفس الشيء يحدث في تونس وإن كان بشكل أقل".
XS
SM
MD
LG