Accessibility links

logo-print

اقترب موعد الانتخابات البرلمانية في مصر.. كما أوشك التونسيون على إجراء انتخابات المجلس التأسيسي التي ستؤطر لمستقبل البلاد من أجل بناء ديمقراطية راسخة الأركان تبدد سلبيات العقود السابقة في عهد كل من الرئيسين السابقين حسني مبارك وزين العابدين بن علي.

وفي هذه الأثناء، يتطلع اليمنيون لبناء دولة تنبذ القبلية وتنشأ على قواعد مدنية مؤسساتية بعيدة عن حكم الفرد والحزب الواحد وهو نفس الهدف المعلن للمعارضة في ليبيا ومتظاهري سوريا.

لكن الطريق لن يكون مفروشا بالورود من أجل بناء ديمقراطية تعددية حقيقية في تلك الدول كما أوضح مصطفى بيومي من هيئة تحرير دورية The Middle East Report وأستاذ اللغة الإنجليزية بكلية بروكلين جامعة نيويورك. وأضاف بيومي لراديو سوا: " أعتقد أن بناء الديمقراطية طالما شكل تحديا كبيرا. كما أن الرغبة في أن يحكم الشعب أمر ليس سهلا. فهناك بعض الأطراف الذين سيحاولون التأثير على جموع المواطنين. وهذا ما نراه الآن في الدول العربية. كما أن هناك قوى ستحاول تقويض تلك المساعي في المنطقة وفي تلك الدول بما فيها مصر وتونس".

لكن بيومي أوضح أن التباينات في تونس تظل أقل من الدول العربية الأخرى: "أعتقد أن الصورة في تونس تبدو الأكثر إشراقا في المنطقة. فالجيش هناك أقل اهتماما بشأن الهيمنة السياسية والنفوذ الاقتصادي. كما أن هناك رغبة حقيقية بين الثوار للعمل من أجل بناء مستقبل سياسي أفضل للبلاد".

محمد نوري رئيس جمعية حرية وإنصاف التونسية طمأن إلى أن هناك من يحمون مكاسب الثورة تمهيدا لانتخاب المجلس التأسيسي. وقال نوري لردايو سوا: "هناك هيئة عليا لحماية مكاسب الثورة. وهناك لجان لنفس الغرض. وكلهم يراقبون أعمال الحكومة المؤقتة. وكلهم في أول مناسبة تأتي يخرجون إلى الشارع ويتظاهرون. كل القوانين التي يتم صياغتها الآن ستؤدي إلى انتخاب مجلس تأسيسي يمثل جميع فئات الشعب".

لكن زياد الهاني الصحفي والمدون التونسي شدد على وجود تحديين أساسيين يواجهان الشعب التونسي. وأضاف لردايو سوا: "هناك تحديان أساسيان، التحدي الأول كان التحدي الأمني والتحدي الثاني هو التحدي الاقتصادي. فبعد الأيام الأولى للثورة حدث شبه انهيار أمني في البلاد بأسرها وذلك لأسباب عديدة. كما توقفت كل المنشآت الاقتصادية. كما عمق من الأزمة توالي المطالب الاجتماعية التي أثقلت كاهل العديد من المؤسسات".

وتطرق الهاني إلى إشكالية مشاركة الشباب بشكل كبير في المرحلة المقبلة بالقول: "المشكلة معقدة، لماذا؟ لأنه إذا كان سيظهر هذا الشباب فإنه سيظهر عبر الأطر الحزبية وأطر المجتمع المدني الموجودة. لو ألقينا نظرنا سريعة على الأحزاب القائمة الآن وأكثرها تأثيرا، سنلاحظ أن هذه الأحزاب مازالت تقاد من قبل زعامات تقليدية وذلك ينعكس بكل تأكيد على توزيع المسؤوليات في كل مفاصل الحكم".

بيد أنه أثنى على التعددية السياسية التي بدأت تتنامى بشكل واضح بعد الثورة.

وأضاف: "ما حصل في تونس من تعددية حزبية بشكل يمكن وصفه بالانفجاري، ليس أمرا غريبا إذا ما قارناه مع ما حدث في تجارب انتقال ديمقراطي للسلطة أعقبت ثورات في بقاع أخرى من العالم. هذه ظاهرة صحية تبرز مدى اهتمام التونسيين الذين كانوا محرومين لعقود من ممارسة أبسط حقوقهم المدنية".

وفي ظل تلك المعطيات، أشار محمد النوري رئيس جمعية حرية وإنصاف إلى أن نظام الحكم الأكثر ملائمة للظروف الراهنة هو النظام البرلماني: "أظن أن الشعب التونسي سيختار النظام البرلماني. فلقد تم تشكيل العديد من الأحزاب وهناك ما يزيد عن خمسين حزبا وربما نصل إلى مائة حزب".

وفي المقابل، رأى الهاني أن التحدي الأكبر هو إيجاد توازن بين مختلف السلطات في البلاد. وقال لراديو سوا: "المشكلة ليست في طبيعة النظام الذي سنختاره وإنما القضية هي أن يكون النظام قائما على توازن بين السلطات وقدرة تلك السلطات على مراقبة بعضها البعض".

ولا يبدو المشهد في مصر مختلفا كثيرا، فرغم رحيل النظام وبدء محاكمة رموزه إلا أن الطريق نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة على مختلف الأصعدة تبدو مليئة بالتحديات، وهذا ما أكده شادي الغزالي حرب أحد أعضاء ائتلاف شباب الثورة في تصريح للعالم الآن: "المرحلة القادمة مليئة بالتحديات الصعبة. فرغم أننا استطعنا أن نسقط النظام ولو جزئيا، فإن مسألة إقامة نظام جديد مبني على الديمقراطية وتداول السلطة يشكل تحديا كبيرا. ويتعين علينا الآن أن ننظم أنفسنا تنظيما جيدا ويجب أن يكون تنظيما سريعا أيضا".

ومن ناحيته، أشار مصطفى بيومي من هيئة تحرير دورية The Middle East Report وأستاذ اللغة الإنجليزية بكلية بروكلين جامعة نيويورك إلى تحدٍ آخر: "أعتقد أنه يجب ألا يتم إغفال أن الحزب الوطني الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين وهما أكبر قوتين سياسيتين في عهد النظام السابق سيبحثان عن طرق لإعادة تنظيم صفوفهم مرة أخرى لاستعادة نفوذهما الذي كانا يحظيان به في عهد مبارك. ولا ننسى أن الإخوان كانوا القوة السياسية الأبرز بعد الحزب الوطني في ظل حكم مبارك".

وأوضح شادي الغزالي حرب من ائتلاف شباب الثورة أن منافسة تلك القوى ستكون صعبة جدا: "أعتقد أن المشكلة الأكبر التي نواجهها الآن هي التيارات المتأسلمة والتي تستخدم الدين كسلاح أساسي لها لكسب أصوات الناخبين. ستكون منافسة هؤلاء صعبة جدا".

بيد أن عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية الأسبق والذي شكل حزبا جديدا، لم يحصل على الموافقة الرسمية بعد، قلل من حجم الانتقادات الموجهة للجماعات ذات المرجعية الإسلامية وعلى رأسها السلفيون. وأضاف للعالم الآن: "هناك تضخيم كبير بهذا الشأن. فحجم التيار السلفي ليس كبيرا. كما أنه ليس متشددا بهذه الصورة التي يرسمها الإعلام. هذا التيار كان مكبوتا أثناء عهد الرئيس السابق مبارك. هم يريدون أن يعملوا في السياسة. لكن نظرا لقلة خبرتهم ربما يحتاجون لبعض الوقت".

كما توقع مصطفى بيومي من هيئة تحرير دورية The Middle East Report ألا يكون للجماعات ذات المرجعيات الإسلامية تأثير كبير على المدى البعيد: "إذا نظرنا للأمر من وجهة نظر الغرب فسنجد أن هناك مشكلة في الطريقة التي يتم بها تناول الحديث عن الإسلاميين. لكن عند النظر إلى المنطقة نجد أن هناك تباينا واختلافات بين المنظمات والجماعات التي تتخذ من الإسلام مرجعية لها. أعتقد أن هناك تحديا كبير، لكني أظن أن تلك الجماعات التي تتبنى الإسلام مرجعية لها ستتفتت داخل المجتمعات التي تشهد ثورات شعبية بسبب الاختلافات الجوهرية بينها".

وقال الأشعل إن تنامي دور منظمات المجتمع المدني يعد ضامنا أساسيا للتوعية الديمقراطية. وأضاف: "هناك ما يطمئنا. فهناك بوادر لنشاءة مجتمع مدني جديد حيث توجد جمعيات أهلية بسد الفراغ وتحاول ترجمة مبادئ الثورة عبر العديد من الدورات التدريبية. هذه الجمعيات تقوم بالتوعية بالمشاركة، والمشاركة هنا ليست سياسية فقط بل المشاركة المجتمعية بشكل عام".

ورأى الأشعل أنه يتعين إقامة نظام حكم في مصر يجمع بين الرئاسي والبرلماني كي لا تتكرر أخطاء الماضي: "نصف سكان مصر يعانون من الأمية، لذا لا يمكن أن ينشأ بها نظام برلماني وإلا ستتحول إلى ديكتاتورية الأميين. وفي الوقت ذاته، مصر ليست مستعدة بسبب الظروف التاريخية التي مرت بها لاحتضان نظام رئاسي. مصر بحاجة إلى نظام يجمع بين الاثنين، أي رئيس جمهورية قوي يستطيع أن يحل مجلس الشعب ومجلس شعب قوي يستطيع أن ينهي مهمة رئيس الجمهورية".

وبينما تواجه تونس ومصر تحديات جمة نحو درب الديمقراطية، تبدو الصورة أكثر تعقيدا في دول عربية أخرى تشهد احتجاجات شعبية وعلى رأسها ليبيا واليمن. وقال مصطفى بيومي من هيئة تحرير دورية The Middle East Report في هذا الشأن:"تلك التباينات تبدو أكثر عمقا في دول كاليمن وليبيا. ويعود سبب ذلك إلى تركيبة الشعبين والطبيعة القبلية هناك".

لكن بيومي أشار إلى وجود عناصر ربما تكون نواة لبناء دولة مدنية في ليبيا. وأضاف: "كانت هناك العديد من منظمات حقوق الإنسان التي تناهض النظام الليبي منذ وقت طويل. كما كتب العديد من معارضي النظام روايات ومقالات عما يدور هناك".

كما أن هناك ثقة بين المعارضة الليبية في قدرة المجلس الانتقالي على دفع ليبيا نحو الدرب الصحيح كما أكد نعمان بن عثمان المعارض الليبي المقيم في بريطانيا. لكنه قال في تصريح لراديو سوا إن تحويل ليبيا إلى دولة ديمقراطية حقيقية يحتاج إلى أكثر من عشر سنوات: "تحويل ليبيا إلى دولة ديمقراطية قد يستغرق ما بين عشر وخمس عشرة سنة. لكن المهم أن نبدأ. هل المجلس الوطني قادر على أن يبدأ في حالة رحيل النظام في طرابلس؟ الإجابة هي نعم".

ودعا بن عثمان إلى ضرورة فصل النظام القبلي عن التركيبة السياسية: "إذا تم العمل على تحويل القبيلة من كيان اجتماعي إلى كيان سياسي فسنواجه مشكلة في المائة عام القادمة. إذا هناك من يعمل على تحويل القبيلة إلى كيان سياسي فإن نفس الأزمة ونفس المصيبة ستتكرر لأن الديمقراطية في حالة تناقض مع الديمقراطية".

وأعرب بن عثمان عن ثقته في أن الليبيين راغبون في فصل القبلية عن الحياة السياسية: "الشعب الليبي قادر في المرحلة الانتقالية على أن يضع القبيلة في حجمها الطبيعي والقضاء على كل الآثار السابقة التي حولت القبيلة إلى كيان سياسي. أؤكد أن الليبيين متعطشون للحرية والديمقراطية والمشاركة السياسية".

التباينات تبدو أكثر عمقا في اليمن، لكن وجود منظمات المجتمع المدني على الساحة منذ فترة طويلة كما أفاد مصطفى بيومي المحلل السياسي المقيم في نيويورك، قد يساعد في عملية بناء الدولة المدنية. وأضاف: "أعتقد أن هناك أمرا يجب الانتباه إليه وهو وجود أسس لمنظمات المجتمع المدني في اليمن. فهناك العديد من المنظمات التي تروج للتغيير منذ وقت طويل هناك، لكنها لم تكن معروفة بقدر كبير".

لكن لن يكون الطريق سهلا كما قال علي الديلمي عضو اللجنة التنظيمية لثورة اليمن في تصريح لراديو سوا: "وجود الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، دولة المؤسسات والقانون. في اليمن لثلاثين عاما، كان مصدر القرار لكل الجهات الرسمية سواء الصغيرة أو الكبيرة هو شخص واحد. لم يكن هناك وجود للمؤسسات أو الدولة. كان هناك خلط ما بين الدولة والحزب والرئيس".

كما أشار الديلمي إلى وجود تحد آخر مهم:"موضوع الأمان وموضوع إعادة بناء القوات المسلحة والأمن. هناك الكثير من الانتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم الاختفاء القسري وغيرها وتعذيب واعتقالات، كانت تمارسها الأجهزة الأمنية. لابد من إعادة هيكلة تلك الأجهزة الأمنية ودمجها في جهاز واحد يتبع وزارتي العدل والداخلية ويلتزم بحقوق الإنسان والدستور والقانون".

وبدوره، قال فارس السقاف رئيس مركز دراسات المستقبل في اليمن إن التغيير الذي يشهده اليمن سيتمخض عن ظهور قوى جديدة على الساحة. وقال لراديو سوا: "أعتقد أنه ستكون هناك ثلاث قوى جديدة وعلى رأسها قوى الشباب التي أشعلت تلك الثورة وأيضا المحافظات الجنوبية وتكويناتها التي تبلورت عبر الحراك الجنوبي. كما أن الحوثيين سيكون لهم وجود في على الساحة السياسية في المستقبل".

لكن ماذا عن الأحزاب التقليدية وعلى رأسها تكتل اللقاء المشترك ودورها في بناء مستقبل اليمن؟ علي الديلمي عضو اللجنة التنظيمية لثورة اليمن أجاب عن هذا السؤال بالقول: "أمام هذه الأحزاب الموجودة فرصة تاريخية لتغيير أساليبها ووسائلها لأنها لم تكن وفق الرؤية المطلوبة. فإما أن تتغير هذه الأحزاب وتعيد هيكلتها استنادا إلى ما أخذوه من دروس من الشباب أو أنهم سيكونون من التاريخ".

ولم يغفل الديلمي ضرورة حل أزمتين كانتا الأبرز في السنوات الماضية: "لا بد من الجلوس سويا لإعادة النظر. لا ننسى أنه كانت هناك دولة في الجنوب وتم اقتلاعها بشكل شعر معه أهل الجنوب وكأنهم في احتلال. وفيما يتعلق بصعدة، يجب أن يتم التعامل مع تلك القضية بشكل جديد".

واقترح فارس السقاف رئيس مركز دراسات المستقبل شكلا للدولة المستقبلية في اليمن. وأضاف: "النظام البرلماني متفق عليه من كل القوى. والدولة الاتحادية هي الحل الأمثل الآن لمواجهة أو قمع أي محاولات للانفصال أو انقسام أو خروج عن إطار الدولة المركزية".

XS
SM
MD
LG