Accessibility links

logo-print
جاء مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في عملية شنتها قوات أميركية داخل باكستان، ليضاف إلى سلسلة الأحداث المتلاحقة التي يموج بها العالم وتحديدا منطقة الشرق الأوسط منذ بداية هذا العام.

الخبر الذي أعلنه الرئيس باراك أوباما أنهى سنوات من الملاحقة لزعيم التنظيم، لكنه لا يعني انتهاء الحرب بين القاعدة والعديد من حكومات العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة.

الرئيس أوباما قال إن العالم سيصبح أكثر أمنا بعد بن لادن: "لقد وفت بلادنا بتعهدها بتطبيق العدالة، وأصبح العالم الآن مكانا أفضل وأكثر أمنا بسبب مقتل بن لادن. واليوم نتذكر أنه ليس هناك ما نعجز عن عمله كأمة عندما نقف جنبا إلى جنب ونعمل معا ونعيش إحساسنا بالوحدة التي تجمعنا كأميركيين".

وأكد الرئيس أوباما مجددا أن قتل بن لادن لا علاقة له بالمسلمين: "لقد أوضحت، كما فعل الرئيس بوش بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول، أن حربنا ليست على الإسلام، فبن لادن ليس زعيما إسلاميا بل كان شخصا يقتل المسلمين بالجملة، وقد قتل تنظيم القاعدة عشرات المسلمين من دول عديدة، من بينها بلادنا".

ووصف Matt Levitt مدير برنامج Stein لشؤون الاستخبارات ومكافحة الإرهاب بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، تلك العملية بأنها نصر استراتيجي سيربك حسابات تنظيم القاعدة. وأضاف لراديو سوا: "إنه ليس نصرا معنويا فحسب لكنه نصر عملياتي أيضا. بن لادن لم يعد منغمسا في عمليات التنظيم كما كان الحال سابقا. لكن بعد حادث كهذا، سيتعين على عناصر التنظيم التفكير مليا فيما إذا كانت هواتفهم مراقبة وهل تم اختراق شبكة اتصالاتهم بأكملها. كما كان بن لادن رمزا تُجمِع عليه كل أفرع التنظيم وخلاياه".

وأشار نبيل عبد الفتاح الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في شؤون مكافحة الإرهاب والجماعات المتشددة إلى أن تلك العملية شديدة الرمزية بالنسبة للغرب. وحدد أسباب ذلك بالقول. وقال عبد الفتاح لراديو سوا: "لأنه أولا يُقدَم في الأجهزة الإعلامية الغربية باعتباره أيقونة الشر الرجيم من وجهة نظرها. هذه الصورة السلبية هي التي أثيرت حوله وحول الجماعة التي يقودها باعتبارها جماعة كونية شديدة الخطورة والرمزية".

لكن مصطفى صايج أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الجزائر أوضح أن مقتل بن لادن لا يعني انتهاء أيديولوجية القاعدة. وأضاف صايج لراديو سوا: "تنظيم القاعدة لديه الطابع الأيديولوجي. بمعنى أنه يمكن للزعيم الروحي أن يختفي لكن لا يمكن للأيديولوجية أن تنتهي باختفائه. هذه فرضية يمكن الاستدلال عليها في العديد من الحركات المماثلة، كالحركات الثورية الشيوعية".

وعزز نبيل عبد الفتاح الخبير الاستراتيجي المصري ذلك بالتأكيد على أن أفرع الجماعة تعتمد على ما يعرف باسم التنظيم العنقودي. وأضاف: "على الصعيد العملياتي تقوم كل منها باتخاذ قراراتها على النحو الذي يتفق مع الأهداف التي تختارها ومع المعطيات الجيوسياسية أو الجيو أمنية المتوافرة في السياق الذي تعمل فيه. لكن لا يوجد تنظيم هرمي بالمعنى التقليدي. ولعل هذا جاء تاريخيا من مرجعية التنظيمات العنقودية التي أبدعتها بعض الجماعات الإسلامية الراديكالية التي مارست العنف في مصر".

وقال عبد الفتاح إن التنظيم قد يسعى في المرحلة المقبلة لتنفيذ مزيد من العمليات المؤثرة: "قد يلجأ إلى مجموعة من العمليات التي قد يشنها أو تقوم بها الجماعات التي تنشط في العديد من الدول العربية والإسلامية. وقد تستهدف بعض الأهداف الرخوة كاختطاف الرهائن وضرب بعض الأماكن التي يقصدها الغربيون أو بعض الأماكن الأميركية الرمزية. ولا نستبعد كثيرا إمكانية التخطيط لعمليات ضخمة".

وهو ما أكده Matt Levitt الخبير في شؤون مكافحة الإرهاب بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى: "بالطبع هم يحاولون أن يفعلوا ذلك منذ أمس وليس اليوم. أعتقد أن ما حدث لن يغير نواياهم بشأن تنفيذ المزيد من العمليات، فهم يحاولون ذلك بالفعل.

ستغضب عملية قتل بن لادن أولئك الذين يتبنون الفكر المتشدد للتنظيم. أعتقد أن من كان يحاول أن يهاجمك أمس لن يتورع عن فعل ذلك غدا".

ولم يستبعد سعيد عبيد الجنحي الخبير اليمني في شؤون الإرهاب والتنظيمات المتشددة أن تكون المرحلة المقبلة هي مرحلة الانتقام من الأميركيين تحديدا. وقال الجنحي لراديو سوا: "على المستوى الميداني لن يؤثر مقتل أسامة بن لادن بل ربما سيكون حافزا نحو إشعال التنظيم وازدياد حماسة الأعضاء. وستحدد على مستوى العمليات بندا جديدا حيث ستضع ضمن قائمتها بند استهداف الأمريكيين بأسرع وقت لأنه سيصبح بينها وبين الأميركيين دم بن لادن".

وقال الجنحي إن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية هو الأقدر الآن على شن تلك العمليات لما يتمتع به من قدرة التجنيد عن بعد: "من خصائص القاعدة هنا في اليمن أنها تستطيع أن تطور نفسها بعمليات ليست محلية، فنعلم أنها شنت عمليات إقليمية. القاعدة في اليمن استطاعت أن تثبت أنها محلية إقليمية دولية. أعتقد أنها أولى الأفرع بأن تكون لديها القدرات بأن تجند عن بعد".

بيد أن عـُرَيـْب الرنتاوي مدير مركز القدس للدراسات السياسية في الأردن رأى أن القاعدة أصبحت غير قادرة على شن هجمات مؤثرة. وقال لراديو سوا: "الخشية من ردة فعل عنيفة وشن القاعدة عمليات واسعة ضد المصالح الأمريكية، أعتقد أنها مبالغة. فهذا التنظيم فقد القدرة على شن عمليات نوعية بسبب الضربات المتلاحقة التي تعرض لها. هو قادر على القيام ببعض العمليات المحلية في هذه الدولة أو تلك التي يتمتع بها بنفوذ. لكن مقتل بن لادن سيمر كفاصل قصير تعود بعده المنطقة لشؤونها".

كما توقع Matt Levitt مدير برنامج Stein لشؤون الاستخبارات ومكافحة الإرهاب بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن تشهد المرحلة القادمة انشقاقات داخل التنظيم الرئيسي: "وفي المقابل فإن هناك خلافا بشأن أيمن الظواهري الذي قد يكون خليفة لبن لادن. وأتوقع أن نرى اقتتالا داخليا بين عناصر القاعدة من الجنسيات المختلفة كما حدث في التسعينيات".

لكن الدكتور وحيد حمزة هاشم أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة قلل من شأن وقوع أي خلافات داخل التنظيم. وقال لراديو سوا: "هناك شبه إجماع بأن أيمن الظواهري سيكون خليفة أسامة بن لادن. أما بقية القيادات فستكون الكوادر التابعة لأيمن الظواهري. تنظيم القاعدة يدرك تماما أن أي اختلاف داخلي سيؤثر على وجوده وبقائه وسمعته".

وتوقع نبيل عبد الفتاح الخبير الاستراتيجي المصري أن يلعب أيمن الظواهري دورا مهما في المرحلة القادمة: "أعتقد أنه كان العقل المفكر الرئيسي المشارك لبن لادن في قيادة التنظيم. وربما كان أحد المهيمنين على التنظيم في السنوات الأخيرة بسبب مرض بن لادن. أتصور أنه سيلعب دورا كبيرا في المرحلة القادمة".

وجاء مقتل بن لادن في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جذرية انتهت فيها أنظمة بقيت تحكم لعقود طويلة، بينما تصارع أخرى من أجل البقاء. وقال Matt Levitt الخبير في شؤون مكافحة الإرهاب بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إن هناك عزوفا بين شعوب الدول العربية في هذه المرحلة عن أفكار التنظيم: "إذا نظرت إلى المنطقة ستجد أن المواطنين غير عابئين بتنظيم القاعدة ورسالته التي تدعو لاستخدام العنف. تلك الأفكار لا تقدم رؤية إيجابية ولا تطرح بديلا للأوضاع الراهنة".

وضرب Levitt مثلا بقدرة المواطنين على التغيير بعيدا عن أدبيات القاعدة والجماعات المتشددة وهو ما يصعب من مهمتها في المرحلة القادمة. وأضاف: "ما حققته مجموعة من المتظاهرين الشبان المسالمين في أسابيع. فشلت القاعدة والجماعات التي تتبنى أفكارها في إنجازه على مدى سنوات عديدة. أعتقد أن ذلك يشكل تحديا كبيرا بالنسبة للقاعدة بينما تسعى للتعافي من آثار فقدان بن لادن".

وأشار سعيد عبيد الجنحي الخبير اليمني في شؤون الإرهاب والتنظيمات المتشددة إلى أن الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها المنطقة تشكل ضربة حقيقية لتنظيم القاعدة: "بهذه الثورات العربية السلمية، تلقى التنظيم في اعتقادي ضربة في الصميم. الثورات العربية كما نعرفها أعلنت أنها سلمية ورفضت أن ترفع السلاح كما هو الحال في اليمن. هذا هو النقيض المغاير لمنهج القاعدة التي ترفع شعار عنفية عنفية. ما حققته هذه الثورات في أشهر أو في أيام لم تستطع القاعدة أن تحققه في سنوات".

وقال عريب الرنتاوي مدير مركز القدس للدراسات في الأردن إن تلك التغييرات تعني انتهاء صورة البطولة من وجهة نظر عناصر القاعدة: "الجماهير العربية لديها مخزون هائل من الثقة بالنفس بعدما تحقق في عدد من الدول العربية. ليست بحاجة لاستشهاديين أو انتحاريين ليلقنوها دروسا في البسالة والبطولة. كل المتظاهرين الآن في الشارع هم مشاريع أبطال. وهم يحققون في عدن وفي بنغازي وصنعاء ودرعا وفي غيرها من المدن والعواصم العربية مكاسب يلمسونها باليد".

وتطرق الرنتاوي إلى انضمام بعض التيارات السلفية إلى ركب الاحتجاجات السلمية. وأستطرد الرنتاوي قائلا: "الظاهرة الأبرز هو اتجاه السلفية الجهادية نحو أشكال عملية أو نضالية أخرى. ففي الأردن على سبيل المثال لأول مرة نرى السلفيين يخرجون في مظاهرات. هذه وجهة جديدة وكأن القاعدة تلتحق بالشارع العربي لتستعير منه بعض أدواته ووسائله بعد أن فقدت القدرة على نيل القبول بأدواتها ووسائلها".

وربط مصطفى صايج أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الجزائر بين الاحتجاجات الشعبية وانهيار التنظيميات التقليدية: "الأوضاع الأخيرة بالنسبة للتغييرات التي شهدتها مصر وتونس وغيرها أعطت بعدا آخر بأن التنظيمات الكلاسيكية وتنظيم الجهاد السلفي اختفت لصالح نوع من المطالب السياسية والاجتماعية الجديدة بالنسبة للشباب وهي كيف نبني ديمقراطية حقيقية".

وقال الجنحي إن القاعدة لن تعادي الاحتجاجات الشعبية في الوقت الراهن: "القاعدة ستظل تراقب هذه الثورات عن بعد. لن تجعلها عدوا لها، وإنما ستظل تنظر إليها فإذا أتت في الأخير بما هو عليه حال الحكام السابقين وتحالفوا مع الولايات المتحدة وصاروا حكما ديمقراطيا، فهذا لا يستهوي القاعدة. فالقاعدة لا تؤمن بالانتخابات والديمقراطية. لا يرضيها سوى الإسلام الأصولي فقط".

وفي المقابل، أعرب وحيد حمزة هاشم أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة عن تخوفه من احتفاظ القاعدة بقدرة على تجنيد الشباب في بعض المناطق. وأضاف قائلا: "هناك في بعض الدول العربية والدول الإسلامية الكثير من الشباب الذين تستهويهم مفردات الخطاب الديني المتطرف. وبالتالي هؤلاء يمكن استلابهم فكريا واستخدامهم لتحقيق أهداف التنظيم. بالإضافة إلى أن الفقر له دور كبير في عملية التجنيد ناهيك عن الجهل ومن يشعرون بالغبن والظلم والاضطهاد".

كما أوضح هاشم أن الأمر يمكن أن يمتد إلى أوروبا وتحديدا بريطانيا: "مع الأسف الشديد ربما يحدث هذا وخصوصا في بريطانيا التي توجد فيها جاليات كبيرة من أصول باكستانية وهندية وعربية. وهم يعانون من الغبن ومن الاستياء والسخط الاجتماعي والديني تحديدا".

ولم يستبعد الجنحي هو الآخر ذلك الاحتمال. وأضاف: "هناك من هو خارج عن الساحة وهم الموجودون داخل العمق الأميركي والأوروبي. فسيقال لهؤلاء أنتم الآن تخدمون دينكم. لدى القاعدة خطابات دينية مخلوطة بالسياسة تدغدغ المشاعر".

ورجح مصطفى صايج أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الجزائر أن تستغل التنظيمات المتشددة أي وجود عسكري أجنبي في المنطقة لتعبئة الشباب مجددا كما حدث في حالات سابقة: "في حالة ما إذا كان هناك وجود لقوات من حلف شمال الأطلسي في ليبيا فإن ذلك يعطي شرعية حتى داخل الجماعات السلفية الليبية للقتال التي راجعت مواقفها في السنوات الأخيرة، للتعبئة لمحاربة تلك القوات. وهو ما حدث مع الكثير من شبان المغرب العربي في فترات سابقة للالتحاق بالعراق".

وقال صايج إن دول منطقة الصحراء أدركت أن محاربة مد القاعدة لن يتم إلا عبر التحالف فيما بينها: "في الفترات الأخيرة وربما كان إدراك من الدول المغاربية، استطاعت أن تؤسس ما يعرف باسم القيادة المشتركة لدول الساحل والصحراء تضم أربع دول أساسية وهي الجزائر وموريتانيا والنيجر ومالي. استطاعت أن تنسق هذه الدول أعمالها للقيام بعمليات مشتركة. الأنظمة أدركت أن العمل المشترك هو الآلية الأساسية لمحاربة هذا النوع من التنظيمات".

كما دعا وحيد حمزة هاشم أستاذ العلوم السياسية السعودي إلى تكثيف العمليات لتعقب تنظيم القاعدة وتعديل إستراتيجية محاربته. وأضاف: "لا بد أن تصبح هذه العمليات أكثر كثافة. كما يتعين تغيير الإستراتيجية لأنني أظن أن تنظيم القاعدة سيغير إستراتيجيته ويتبع إستراتيجية أخرى ترتكز على النساء والأطفال والاغتيالات لشخصيات معينة".

أما نبيل عبد الفتاح الخبير الاستراتيجي المصري فقال إن الأيام المقبلة هي التي ستحدد ما إذا كان طرأ تغيير على استراتيجيات محاربة القاعدة على ضوء عملية قتل بن لادن: "هذا يحتاج إلى تطوير في السياسات الأمنية. وسيظهر في المرحلة المقبلة ما إذا كان ما حدث تعديل حقيقي في أداء الأجهزة الأمنية الأمريكية وتحديدا على صعيد جمع المعلومات والعمليات الوقائية أم أن المسألة ستكون خطوة مهمة ولا تعكس تغيرا حقيقيا".

بيد أن Matt Levitt الخبير في شؤون مكافحة الإرهاب أكد أن عملية قتل بن لادن تعني نجاح الإستراتيجية الأمريكية في مكافحة التطرف. وأضاف: "أعتقد أننا نرى نجاحا لتلك الإستراتيجية. أعتقد أن قتل بن لادن هو حلقة في سلسلة من النجاحات، ولن يكون النجاح الأخير. فعملية ناجحة كهذه تفتح الباب أمام المزيد من التقدم على الدرب الصحيح. فستكون هناك اتصالات مكثفة، كم ستتاح فرص أكبر لجمع معلومات بشأن عناصر التنظيم ومن ثم تفكيك التنظيم".
XS
SM
MD
LG