Accessibility links

الولايات المتحدة وآفاق التغيير في الشرق الأوسط


ألقى الرئيس باراك أوباما الخميس خطابا مهما تناول موقف بلاده بشأن ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من تغييرات جارفة زعزعت أركان أنظمة بقيت في الحكم لعشرات السنوات.

وجدد الرئيس أوباما تأييد واشنطن لمطالب التغيير التي دفعت المواطنين للخروج إلى الشوارع. وقال إن دعم الديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة سيكون من أولويات إدارته: "إنها أولوية قصوى يجب أن تتجسد في صورة أفعال على الأرض مدعومة بأدواتنا الدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية. ولكي أكون محددا، ستكون سياسة الولايات المتحدة هي ترويج الإصلاح ودعم الانتقال إلى الديمقراطية".

كما دعا إلى استغلال ما وصفه باللحظة التاريخية: وأضاف قائلا في الكلمة التي ألقاها من وزارة الخارجية: "أعتقد الآن أننا لا نراهن فقط على استقرار البلدان بل أيضا على قدرة المواطنين على تقرير مصيرهم. إن بقاء الوضع كما هو عليه لم يعد محتملا. إن المجتمعات التي يتفشى فيها الخوف والقمع قد توفر استقرارا مزيفا لفترة من الوقت. إننا أمام لحظة تاريخية فالفرصة سانحة الآن لكي نثبت أننا نقدر البائع المتجول الذي أحرق نفسه في تونس أكثر من قوة أي ديكتاتور آخر".

ورأى محمد فايز فرحات الخبير بوحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن ذلك الخطاب هو محاولة لمد جسور تواصل جديدة مع الدول العربية. وأضاف لراديو سوا: "هذا الخطاب هو محاولة من الولايات المتحدة لبناء تواصل جديد مع شعوب المنطقة. طوال السنوات السابقة كان التركيز بالأساس على التعاون مع الأنظمة رغم محاولات التغيير في السنوات الأخيرة لكنها لم تكن جوهرية. ولكن بعد الثورات العربية أصبحت الولايات المتحدة أمام تحدٍ جديد فباتت مطالبة بتبني سياسة جديدة مع الانظمة ومع الشعوب أيضا".

كما وصف زياد مطر المعارض السياسي الليبي ذلك الخطاب بأنه إعلان لمرحلة جديدة من العلاقات بين العرب والولايات المتحدة. وقال لإذاعتنا: "هو تدشين للفترة القادمة بالنسبة للشرق الأوسط في ظل حركة التغيير الكبيرة التي تسود المنطقة التي فاجأت الجميع. فأميركا وجدت نفسها مرغمة على تغيير سياستها تجاه الشعوب العربية. فلابد أن يكون لأميركا دور محوري كالعادة".

ورحب عبد الرؤوف العيادي الناشط السياسي التونسي بما جاء في خطاب الرئيس أوباما. وقال العيادي لراديو سوا: "هذا موقف إيجابي من الرئيس أوباما الذي عبر عن ابتهاجه بقيام الثورة التونسية. ونحن كشعب تونسي ننتظر من جميع الأصدقاء أن يساعدونا على تخطي هذه المرحلة المحفوفة بالمخاطر".

لكن زياد العليمي عضو ائتلاف شباب ثورة الخامس والعشرين من يناير كانون ثاني في مصر أبدى تفاؤلا حذرا: وقال لراديو سوا: "ننتظر كيف سيتم تنفيذ هذه الوعود. نأمل أن تنفذ بما يتماشى مع مصلحة الشعب المصري وأن نستطيع ساعتها أن نقول إن أميركا غيرت من سياستها في المنطقة. لأن الولايات المتحدة لها مصالح في المنطقة ومصلحتها باتت مع الشعوب".

وقال الرئيس أوباما إن إدارته ستركز على دعم الشباب والتعليم في المنطقة: "يجب علينا أن نكثف جهودنا للتواصل مع مجموعات أخرى وليس فقط النخبة، كي نصل إلى الناس الذين سيرسمون المستقبل لا سيما الشباب. سنستمر في تنفيذ التعهدات التي طرحتها في خطاب القاهرة بزيادة التعاون في مجال التعليم والعلوم والتقنية ومكافحة الأمراض".

وأعلن الرئيس الأميركي عن مجموعة من الخطط لدعم المرحلة الانتقالية في كل من مصر وتونس: "طلبنا من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تقديم خطة الأسبوع القادم أثناء قمة مجموعة الدول الثماني الكبرى لتحديث الاقتصاد واستقراره في كل من مصر وتونس. يجب أن ندعم البلدين في مساعيهما الديمقراطية ونقدم المساعدة للحكومتين اللتين ستنتخبان هذا العام. كما ندعو الدول الأخرى لمساعدة البلدين على توفير احتياجاتهما الاقتصادية على المدى القصير".

كما صرح الرئيس أوباما بأن واشنطن ستعفي مصر من ديون تقدر بنحو مليار دولار وستقدم لها في المقابل قرضا بنفس القيمة.

وأشار محمد فايز فرحات المحلل السياسي المصري إلى أن تلك الخطوة كانت متوقعة من الجانب الأميركي: "هناك توقع بذلك لأننا كما نعلم أن هناك مشكلات اقتصادية تواجه هذه الدول في المرحلة الانتقالية. فهناك مشكلات اقتصادية تواجه كلا من مصر وتونس. الولايات المتحدة تريد أن تكون بجانب الشعوب في هذه المرحلة".

وقال عبد الرؤوف العيادي الناشط السياسي التونسي إن ذلك التحرك سيوفر متنفسا للشباب: "هذا يتماشى مع تطلعات الشباب لأنهم في تونس هم الثروة الأساسية لهذا الشعب. فهذا يفتح مجالا للبحث العلمي أمامه ويتيح الفرصة للتعاون التكنولوجي. وهذا سيساهم في خلق فرص عمل وسيمكن الشباب من تفعيل طاقاتهم والابداع".

لكن شدد على أن ما تحتاجه بلاده أكثر هو الدعم السياسي: "نشدد على ضرورة أن يكون الدعم سياسيا أكثر من المالي رغم أن الوضع الاقتصادي غير جيد". كما أفاد زياد العليمي عضو ائتلاف شباب ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر بأن ذلك يعني أن الولايات المتحدة تسعى وراء مصالحها: وأضاف: "دعم التحركات الديمقراطية هو دعم لمصالح أميركا في المنطقة لأنها بدأت تكتشف أن مصالحها مع الشعوب وليس الحكومات". وتطرق الرئيس باراك أوباما إلى

الوضع في ليبيا بالقول إن الوقت لم يعد في صالح العقيد معمر القذافي: "الآن لم يعد الوقت في مصلحة القذافي. فهو لا يسيطر على البلد كله، كما أن المعارضة تعمل في إطار مجلس انتقالي شرعي ويحظى بمصداقية. وعندما يتنحى القذافي ونظامه عن السلطة فإن عقودا من الاستفزاز سوف تنتهي وساعتها يمكن أن تبدأ عملية انتقال ديمقراطي للسلطة".

وأشار زياد مطر المعارض الليبي إلى أن تلك الرؤية تتفق مع الوضع الحالي على الأرض في ليبيا: "كل يوم القذافي يفقد من قوته، لذا فإن كلمة أوباما هي تأكيد على موقف الثورة وموقف الثوار الليبيين وهو أن الانتصار قادم لا محالة لكنها مسألة وقت. نحن مقتنعون بذلك".

ودعا الرئيس أوباما إلى إنهاء العنف في سوريا وفتح الطريق أمام تحول ديمقراطي: "يجب أن تكف الحكومة السورية عن إطلاق النار على المتظاهرين وتفسح المجال للمظاهرات السلمية. ويتعين عليها إطلاق سراح السجناء السياسيين ووقف عمليات الاعتقال غير القانونية والسماح لمراقبي حقوق الإنسان الدخول إلى مدن مثل درعا وفتح حوار جاد لبدء عملية تحول ديمقراطي، وإلا ستستمر المواجهة في الداخل ضد نظام الرئيس الأسد ولن تنتهي العزلة الدولية".

وأعرب محمد فايز فرحات الخبير بوحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عن اعتقاده بأن ذلك الموقف تجاه النظام السوري ليس غريبا في ظل الأوضاع الراهنة في المنطقة: "من الطبيعي أن يكون موقف الولايات المتحدة واضحا فيما يتعلق بالحالة السورية وهو ممارسة مزيد من الضغط على النظام السوري أو على الأقل الإعلان عن موقف واضح. فهذا موقف لا أعتقد أنه جديد بالنسبة للولايات المتحدة بعد أن مرت بخبرتين، الخبرة المصرية والخبرة التونسية".

لكن أحمد حاج علي المحلل السياسي السوري انتقد تلك التصريحات. وقال لراديو سوا: "أميركا رغم أنها دولة عظمى لا يجب أن يكون خطابها غير متوازن بهذا الشكل. ويجب ألا يصل إلى هذا الحد الذي لا يمكن الرد عليه إلا بالتجاهل أولا وثانيا باحتساب ما سيجري في الأيام المقبلة. وهذا يؤدي إلى تأزيم العلاقة إلى حد أبعد من ذلك بكثير وهذا ما لا تريده السياسة السورية لأنها تقوم على ضرورة استمرار الحوار مع واشنطن".

وتحدث الرئيس الأميركي عن أبرز القضايا الشائكة في منطقة الخليج وهي الأزمة البحرينية داعيا إلى فتح حوار جاد بين الحكومة والمعارضة. وقال الرئيس أوباما: "السبيل الوحيد هو أن تبدأ المعارضة والحكومة حوارا حقيقيا. ولا يمكن أن يبدأ هذا الحوار وبعض ممثلي المعارضة السلمية في السجون. يجب أن تهيئ الحكومة الظروف المواتية لفتح الحوار. كما يجب أن تشارك المعارضة فيه لرسم مستقبل أفضل لجميع البحرينيين".

وقال خليل المرزوق النائب الأول لرئيس مجلس النواب الذي استقال من منصبه بعد الأحداث الأخيرة والمنتمي لصفوف المعارضة، إن جمعية الوفاق التي يمثلها رحبت بالخطاب مشيرا إلى أنه فوجئ بتخصيص مساحة كبيرة للبحرين في خطاب الرئيس أوباما. واضاف المرزوق لإذاعتنا: "الوفاق رحبت بمضمون الخطاب خصوصا أنه تطرق للوضع في البحرين. وكان من المفاجئ أنه تحدث بهذا الاسهاب عن الوضع في البحرين ما يعني أن الوضع في البحرين وصل إلى درجة لا يستطيع معها الرئيس الأميركي أن يتغاضى عما يجري في البحرين ويتعامل بسياسة مختلفة عما يجري في سوريا وليبيا والمناطق الأخرى. ونتطلع أن يُترجم هذا الخطاب في الأيام القادمة إلى خطوات ملموسة فعلا".

وفي المقابل، انتقد عادل المعاودة رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن الوطني في مجلس النواب الخطاب. وقال لراديو سوا: "مما يؤسف له أن أوباما وهو يرأس أكبر دولة في العالم إلا أن معلوماته غير صحيحة. والآن أصبح الكلام ليس له ذلك البريق".

عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين نالت قسطا كبيرا من خطاب الرئيس أوباما حيث شدد على أن الاحتلال لن يحقق لإسرائيل هدف إقامة دولة يهودية ديمقراطية، كما أشار إلى أن توجه الفلسطينيين لمجلس الأمن للحصول على اعتراف بدولتهم لن يخدم عملية السلام. وأضاف الرئيس أوباما قائلا: "إن مساعي الفلسطينيين لنزع شرعية إسرائيل ستبؤ بالفشل، لذا فإن التحرك الرمزي بالتوجه للأمم المتحدة لعزل إسرائيل لن تسفر عن قيام دولة مستقلة. وبالنسبة لإسرائيل فإننا نتمتع معها بعلاقة صداقة قوية. إن التزامنا بأمن إسرائيل لا يتزعزع. لكن بسبب صداقتنا يتعين علينا إطلاع إسرائيل على الحقيقة. لقد أصبح من غير المحتمل بقاء الوضع كما هو عليه. لذا يتعين على إسرائيل هي الأخرى القيام بتحرك شجاع للتوصل لسلام دائم".

وشدد محمد فايز فرحات الخبير في وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية على أن الخطاب حمل نقاطا مهمة لعملية السلام: "أعتقد أن الخطاب تضمن عناصر مهمة وهي إعادة تأكيد على حدود عام 1967 كأساس للتسوية وكأساس أيضا لقيام دولة فلسطينية. تحدث أيضا عن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. هذه مفاهيم مهمة أعاد التأكيد عليها. النقطة المهمة الأخرى عندما تحدث عن أن تختار إسرائيل بين دولة ديمقراطية أو السلام. يعني عندما وضع مفهوم الدولة اليهودية الديمقراطية في تناقض مع الاحتلال، هذه مسألة مهمة وتشكل نقدا للمفهوم الإسرائيلي الذي تحدث عن يهودية الدولة".

أما إيلي نيسان المحلل السياسي الإسرائيلي فأشار إلى أن الرئيس الأميركي حاول ارضاء الطرفين. وأضاف لراديو سوا: "أوباما حاول ارضاء الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. بالطبع الولايات المتحدة لا تستطيع أن تفرض أي ترتيبات أو تسوية على الجانبين الفلسطيني أو الإسرائيلي".

كما رحب ديفيد حاخام مستشار وزير الدفاع الإسرائيلي باصرار الرئيس أوباما على استئناف عملية السلام: وقال لراديو سوا: "نحن كطرف إسرائيلي نرحب بهذا الخطاب لأنه كان إشارة للنية الأمريكية الحقيقية لدفع الطرفين للمضي قدما في المسيرة التفاوضية من أجل الوصول إلى حل سلمي مبني على تنازلات متبادلة وعلى حل وسط يرضي الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي".

وفي المقابل، دعت السلطة الفلسطينية إلى اجتماع طارئ. كما أكدت على لسان صائب عريقات عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تمسكها بجميع التزاماتها بما في ذلك خريطة الطريق ومبادرة السلام العربية.

وقال إبراهيم ملحم المحلل الفلسطيني إن الخطاب لم يشدد على المرجعيات التي يجب أن يستند إليها أي اتفاق سلام. واستطرد قائلا لراديو سوا: "كان الخطاب مخيبا للآمال إذ لم يؤكد على المرجعيات التي يجب أن تستند إليها أي مفاوضات قادمة وهي التي قال الفلسطينيون إنها يجب أن تستند إلى قرارات الأمم المتحدة. هو تحدث عن دولة على حدود 1967 لكنه استثنى منها القدس واللاجئين وهذا لا يمكن القبول به فلسطينيا".
XS
SM
MD
LG