Accessibility links

logo-print
بعد أشهر من التكهنات والتجاذبات، حُسِم أمر اختيار الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، فأصبح وزير خارجية مصر نبيل العربي خليفة لمواطنه عمرو موسى.

ذلك التغيير يأتي في وقت دقيق تمر به المنطقة، كما أن التباينات تبدو أكثر وضوحا في هذه المرحلة بين أعضاء الجامعة.

لكن هل يعني وجود أمين عام جديد بث دماء جديدة في العمل العربي المشترك؟ وهل يتجاوز الأعضاء خلافاتهم القديمة التي كثيرا ما عطلت تطوير عمل تلك المؤسسة الإقليمية؟

البعض يرى أن الأمين العام الجديد يشكل نقلة نوعية للمؤسسة العربية ومنهم سليمان جودة الكاتب الصحفي المصري الذي قال لإذاعتنا: "اختيار الدكتور نبيل العربي أمينا عاما للجامعة العربية يشكل نقلة نوعية للعمل العربي. يرجع سبب ذلك إلى أمرين، الأول هو التوافق بين الدول العربية بشأنه. والأمر الثاني أنه يتمتع بخبرة محترمة سواء على صعيد العمل الدبلوماسي أو السياسي".

ما أكد غسان العطية رئيس المعهد العراقي للتنمية الديمقراطية أن خبرات الأمين العام الجديد تؤهله لدور فاعل في المرحلة القادمة. وقال العطية لراديو سوا: "مجيء نبيل العربي هو محاولة لأن يبقى للجامعة شيء من الدور العربي خاصة وأنه عمل في المحكمة الدولية وكانت له مواقف أكثر عروبية. كل هذا يعطي نبيل العربي فرصة لأن يكون فاعلا".

بيد أن عمر الحسن رئيس مركز الخليج للدراسات كان له رأي آخر. وقال الحسن لراديو سوا: "الاختيار جاء بطريق الصدفة فلم يتم التحضير له. أرى أن هذا الاختيار فيه استعجال ولا يخدم العمل العربي المشترك".

وأوضح الحسن أنه يصعب في الوقت الحالي توحيد المواقف العربية: "دور الجامعة العربية في العقد الأخير تراجع بشكل كبير. ظرف الجامعة العربية في الوقت الراهن صعب للغاية فلا يستطيع أي مسؤول عربي أن يقود أو أن يقوم بعملية تنسيق حقيقية في العمل العربي المشترك نتيجة هذه التناقضات".

كما أشار محمد القاضي المحلل السياسي اليمني إلى أن الجامعة العربية أصيبت بالشيخوخة. وقال لراديو سوا: "أصبحت الجامعة العربية مؤسسة مهترئة مصابة بالشيخوخة منذ عدة سنوات. لم تتمكن من عمل أي شيء يخدم الأمة العربية".

وشبه غسان العطية رئيس المعهد العراقي للتنمية الديمقراطية المرحلة الراهنة بما تعرضت له الجامعة العربية بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل: "بدون شك الجامعة العربية تمر بفترة صعبة جدا تشبه إلى حد كبير ما حدث عندما وقع السادات اتفاقية السلام مع إسرائيل وتجميد عضوية مصر في الجامعة. في هذه المرة العقد العربي في حالة انفراط وبالتالي الجامعة بدأت تفقد الكثير من محتواها وبريقها".

وقال توفيق بوعشرين رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم المغربية إنه رغم وجود كيان واحد يضم الدول العربية إلا أنه لا توجد أرضية مشتركة حقيقية فيها بين الأعضاء. وأضاف لإذاعتنا: "هذه البلدان التي تتكلم لغة واحدة هي العربية. لكنها تتكلم لغات مختلفة في كل شيء، لهذا يجب إعادة النظر في هذه الجامعة العربية وأي دور لها".

وأبدى البعض تفاؤلا إزاء انعكاس بناء دول ديمقراطية حقيقية في المنطقة على أداء الجامعة العربية. وقال محمد القاضي المحلل السياسي اليمني في هذا الشأن: "بالتأكيد ما يحدث في المنطقة العربية من زلزال وثورات سيكون له أثر على الجامعة العربية وأدائها".

وهو ما أكده سليمان جودة الكاتب الصحفي المصري: "الصيغ السياسية التي تتشكل الآن في أكثر من عاصمة عربية تمثل فيها الشعوب العربية طرفا أصيلا. وبالتالي أظن أن حضور تلك الشعوب وبهذه الصورة التي نراها الآن سيكون لها دور في أن يكون العمل العربي المشترك مستقبلا مختلفا عما كان عليه من قبل لأنه في سنوات سابقة وربما منذ نشأة الجامعة عام 1945 كانت تعبر في الغالب عن إرادات حكام وليس إرادات شعوب".

بيد أن عمر الزبيدي الصحفي السعودي أشار إلى أن تلك القيادات العربية الجديدة ستحتاج لبعض الوقت للاندماج في العمل العربي المشترك ومن ثم تفعيل دور الجامعة. وقال لراديو سوا: "ما يحصل على المستوى العربي على صعيد تغيير القيادات السياسية ، هو أمر إيجابي. لكننا لن نرى نتائجه في وقت قريب. إذا جاءت قيادات ستحتاج إلى بعض الوقت حتى تنسجم مع أوضاعها الداخلية أولا ثم تنسجم مع محيطها العربي ثانيا. وهذه مرحلة تحتاج لبعض الوقت".

وتطرق الزبيدي إلى أهمية دور مصر في تفعيل دور الجامعة بالقول: "عودة مصر إلى القيادة السياسية من خلال قيادة ديمقراطية جاءت من الشارع والتغييرات الحاصلة في الوطن العربي، ستدعم الجامعة بشكل كبير، لأنها قيادات ليست لها خلفيات عدائية ويدخلون من خلال الشارع ونبضه وحسن النوايا مع الدول الأخرى".

لكن عمر الحسن رئيس مركز الخليج للدراسات أشار إلى أن صداما قد يقع أثناء أداء مصر هذا الدور: "مصر بثورتها الحالية والديمقراطية المنتظرة قد تقود العمل العربي المشترك لكنها ستجد مواجهة وحروب من الدول الأخرى. وفي سوريا وليبيا واليمن واضح أن هناك خلافات ومذابح. كما تنظر باقي الدول العربية لما يحدث في تلك الدول وفي تونس ومصر بشيء من الريبة".

وهو ما أكده توفيق بو عشرين رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم المغربية. وقال بو عشرين: "بلا شك التجربة الديمقراطية التي ستدخلها تونس ومصر ستعطي معنى أكثر وحضورا أكثر لهذه الدول. وفي المقابل، الأنظمة الأخرى متوجسة وحذرة من الانفتاح على هذه البلدان وربما تحاصرها وربما لا ترحب بها وربما لا تتعاون معها. لا ندري حتى الآن. الصورة غير واضحة".

كما قال غسان العطية رئيس المعهد العراقي للتنمية الديمقراطية إن تلك الحالة التي تعيشها المنطقة تصعـّب من أداء الجامعة دورَها: "عدد كبير من الأنظمة العربية تعيش في حالة قلق فلا ندري إلى أين يتجه اليمن وسوريا. كل هذا يجعل المنطقة في حالة ترقب. فلا تستطيع الجامعة العربية أداء دورها في هذه الأجواء".

وتطرق توفيق بوعشرين رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم المغربية إلى محاولات بعض الدول العربية توسيع تكتلاتها الإقليمية وتأثير ذلك على مستقبل الجامعة مشيرا إلى الترحيب الأخير بضم كل من المغرب والأردن إلى مجلس التعاون الخليجي.

وأضاف بوعشرين: "هذا مسمار في نعش الجامعة العربية لأن الملكيات العربية تبحث عن حل لمشاكلها خارج فضاء الجامعة العربية. وهناك الاتحاد المتوسطي وهناك إطارات كثيرة نشأت وتشتغل بوتيرة مختلفة، لكنها تعبر عن أزمة داخل الجامعة العربية".

كما قال محمد القاضي المحلل السياسي اليمني إن ذلك الاستقطاب يؤثر بشكل سلبي على عمل الجامعة العربية: "هناك محاول لاستقطاب دول أنظمتها تتوافق مع الأنظمة الخليجية وبهذا يتم صد الدول التي يحدث بها تغيير. هذا الاستقطاب سيكون له أثر في أداء الجامعة العربية وعملها".

وفي المقابل، شدد عمر الزبيدي المحلل السياسي السعودي على أن تلك التكتلات تصب في مصلحة جامعة الدول العربية: "ما يحصل الآن من تحرك مجلس التعاون الخليجي هو محاولة لمعالجة الأمر الواقع بمعنى محاولة ضم الأنظمة التي تؤثر في محيطها الإقليمي. مجلس التعاون الخليجي دخل مع المنظومات الأخرى من خلال محاولة ضم الأردن والمغرب. وأيضا التكتلات في منطقة المغرب العربي وتكتل سوريا والعراق وتركيا. هذه التكتلات تصب دائما في مصلحة جامعة الدول العربية".

كما رأى سليمان جودة الكاتب الصحفي المصري أن تلك التكتلات لا تؤثر بشكل سلبي طالما أنها داخل إطار الدول الأعضاء في الجامعة. وأضاف قائلا: "لا أعتقد أن اتجاه مجلس التعاون الخليجي سوف يؤثر بالسلب على الجامعة العربية لأنه رابط من الروابط داخل الجامعة وليس خارجها. وإذا كان مجلس التعاون الخليجي لجأ إلى مثل هذه الخطوة فله أسبابه الخاصة وبشكل خاص مشكلته مع إيران. وفي نفس الوقت أعضاء المجلس هم أعضاء في الجامعة العربية".

واستبعد غسان العطية رئيس المعهد العراقي للتنمية الديمقراطية أن تضعف تلك التحركات من أداء الجامعة: "لا أعتقد أن تلك التكتلات ستفت من عضد الجامعة. فالجامعة أثبتت بالحد الأدنى حاجة العرب لها. هذا بحد ذاته يؤدي دورا".

ونبه العطية إلى أن تقدم الجامعة مرهون بضمها أنظمة متشابهة: "الجامعة كي تكون فاعلة هو عندما تكون الأنظمة المنضوية تحتها متماثلة ومتشابهة. لذا نجد الوضع الجديد هو أن الأنظمة الملكية هم أقرب لبعضهم البعض من غيرهم".

كما شدد على ضرورة تفعيل جميع الاتفاقات المشتركة. وقال العطية: "أما عن تطور الجامعة فيتم بتفعيل الاتفاقات التي وقعها الأعضاء. فإذا تم تفعيل مجلس الوحدة الاقتصادية ومعاهدة الدفاع المشترك والمنظمات المتخصصة التي يزيد عددها عن عشرة، فإن بإمكان دور الجامعة أن يتطور".

أما عمر الزبيدي الصحفي السعودي فقال إن نجاح الجامعة يكمن في إعادة بنائها كمؤسسة تواكب العصر. وقال الزبيدي: "يجب أن تنضبط الجامعة من ناحية الأهداف والإدارة والعمليات المالية. هناك العديد من التجهيزات والإعدادات التي يجب أن تعمل عليها الجامعة كأنك تعمل على مؤسسة حديثة لإعادة ترميم ما هو حاصل. وهذا أمر صعب جدا ويحتاج لجهد كبير وتعاون من الدول العربية".

وربط عمر الحسن رئيس مركز الخليج للدراسات بين نجاح الجامعة ووجود مؤسسات قوية في الدول العربية: "يصبح العمل العربي المشترك ناجحا إذا كان هناك مؤسسات قوية في كل دولة عربية يستطيع من خلالها العمل العربي المشترك أن يرسم طريقا يقود العالم العربي إلى موقع أقوى عبر ما يتوافر له من ثروات لا تتوفر لأي أمة في العالم مثلما تتوفر للأمة العربية".

ونبه سليمان جودة الكاتب الصحفي المصري إلى ضرورة التركيز على التكامل الاقتصادي بين الدول العربية: وقال الكاتب الصحفي المصري: "لابد أن تركز الجامعة العربية على البعد الاقتصادي فيما بين الدول الأعضاء. فنلاحظ أن هناك دولا غنية جدا وأخرى فقيرة جدا بين الدول الأعضاء وهناك فجوة بين الطرفين. لذلك إذا كانت الجامعة العربية تمثل رابطا بين العواصم العربية فلابد أن تتطور لتصل إلى المستوى الذي وصل إليه الاتحاد الأوروبي أو على الأقل مستوى قريب".

وهو ما اتفق معه توفيق بوعشرين الصحفي المغربي بالقول: "الحل هو أن تتكلم الجامعة العربية بلغة الاقتصاد. اليوم المصالح الاقتصادية هي المدخل لتحقيق الأهداف السياسية والاجتماعية واللغوية وما إلى ذلك. إذا لم تكن هناك علاقات اقتصادية بينية بين الدول العربية تنشأ على إثرها مصالح مشتركة ويصبح رجال الأعمال هم سفراء الجامعة العربية في كل بلد عربي ويصبحون لوبي ضغط كما يحدث في أوروبا".

وقال عمر الزبيدي الصحفي السعودي إن نجاح الجامعة سينعكس على علاقات الدول العربية بالغرب: "إذا استطاعت الجامعة أن تكون قوية ستكون مقبولة لدى دول العالم لأنك تتكلم عن تجمع مهم على الصعيد الاقتصادي والعلاقات الأمنية والعلاقات السياسية والعلاقات الإستراتيجية".

لكن غسان العطية رئيس المعهد العراقي للتنمية الديمقراطية أعرب عن تشاؤمه من قدرة الجامعة في الوقت الراهن على أن تتحدث بصوت واحد أمام المجتمع الدولي: "بتشتت الجامعة اليوم فنجد بعض الدول الغربية تشن حملات عسكرية ضد دولة عربية، ودولة عربية أخرى تشارك في ضرب دولة عربية بالسلاح والانقسام العربي، بدون شك سيضعف قدرة الأمين العام الجديد على أن يتصرف كممثل للعرب".

وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجهها، أكد العطية أن الجامعة العربية ستظل عنصرا فاعلا على صعيد العمل العربي المشترك: "ستبقى الجامعة العربية هناك حاجة على الأقل كمسرح يتيح للقادة العرب الالتقاء. فهي فرصة لهؤلاء أن يلتقوا ويتبادلوا الآراء، لأن بغياب هذا المسرح ستجد أن التشتت سيزداد. رغم ضعف هذه الرمزية فإن لها أهمية كبيرة حتى وإن كانت قراراتها فقط قاصرة على الشجب والإدانة".

واستبعد عمر الحسن رئيس مركز الخليج للدراسات حل الجامعة، لكنه أبدى تشككا في قدرتها على تطوير دورها. وقال الحسن في هذا الشأن: "لا أتوقع حل الجامعة، لكن لا أتوقع أي دور للجامعة في هذه الظروف التي تمر بها المنطقة. قد تكون هناك مصلحة للحكام، لكن هناك فرقا شاسعا بين مصلحة الحكام والشعوب".
XS
SM
MD
LG