Accessibility links

logo-print
دخل اليمن مرحلة جديدة بعد الأحداث المتلاحقة التي عصفت به فالرئيس علي عبد الله صالح وعدد من مسؤولي حكومته أصيبوا في اشتباكات دامية نُقل على إثرها صالح إلى السعودية للعلاج. ورغم تولي نائب صالح، عبد ربه منصور هادي السلطة إلا أن التجاذبات والتوتر مازال يخيم على الشارع اليمني.

يأتي هذا في وقت تسعى فيه دول المنطقة وأخرى غربية علاوة على الولايات المتحدة إلى احتواء الموقف عبر حث الأطراف على التفاوض والحوار.

هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية جددت الدعوة إلى انتقال سلمي ومنظم للسلطة. وقالت كلينتون في مؤتمر صحفي برفقة نظيرها الفرنسي آلان جوبييه: "نريد التأكيد على أننا ندعو إلى انتقال سلمي ومنظم وغير عنيف للسلطة في إطار الدستور اليمني. موقفنا لم يتغير وسيظل كذلك وهو أن الانتقال الفوري للسلطة يصب في مصلحة الشعب اليمني لأن عدم الاستقرار وانعدام الأمن لا يمكن مواجهته إلا عبر عملية تقود إلى إصلاحات اقتصادية وسياسية يتطلع إليها اليمنيون".

وتأتي تلك الدعوة مدفوعة برغبة من واشنطن في أن ترى اليمن مستقرا كما أوضح سايمون هندرسون مدير برنامج الخليج والطاقة في معهد واشنطن للشرق الأدنى. وقال هندرسون لراديو سوا: "ما تريده الولايات المتحدة هو يمن مستقر، لكنه يبدو بعيدا جدا عن الاستقرار في الوقت الراهن. إن الولايات المتحدة حريصة على أن تتمخض الأزمة عن حكومة قادرة على قيادة قواتها المسلحة وتتمتع بشعبية".

لكن هندرسون أشار إلى تخبط الموقف في اليمن بالقول: "يبدو الموقف في اليمن مرتبكا للغاية. فالقائم بأعمال الرئيس يسعى لإدارة الفترة الانتقالية وإجراء اتصالات مع الطرفين ومع الأميركيين. كما أن الأنباء عن وقوع اشتباكات بين الحين والآخر تعني أن الوضع غير مستقر بالمرة".

لكن حمزة القرشي الكاتب الصحفي اليمني المقيم في لندن أعرب عن رأيه في أن اليمن يمر بمرحلة حاسمة ينتهي فيها زمن الرئيس علي عبد الله صالح. وقال القرشي لراديو سوا: "شكلت الأحداث الأخيرة نقطة تحول في تاريخ اليمن. وأعتقد بعد تلك الأحداث وإصابة الرئيس ونقله للسعودية فإن مرحلة علي عبد الله صالح انتهت ويبدأ اليمن اليوم مرحلة جديدة".

ودعا علي الحريبي عضو أحزاب اللقاء المشترك نائب الرئيس إلى سرعة تشكيل حكومة انتقالية. وأضاف في تصريح لراديو سوا: "إذا حزم نائب الرئيس أمره وأعتقد أنه يسير على هذا الدرب بموجب المادة 116 من الدستور التي تنقل له صلاحيات الرئيس. كما أنه يحظى بموافقة المعارضة ومجمل الشباب في الساحات الذي يرون خروج صالح من اليمن خطوة متقدمة. المطلوب من عبد ربه منصور هادئ أن يمارس صلاحياته يقوم بما يملي عليه ضميره وهو ما يتمثل في قيادة البلد إلى مرحلة انتقالية تؤسس لما خرجت إليه الجماهير وتشكيل حكومة إنقاذ وطني".

بيد أن سايمون هندرسون مدير برنامج الخليج والطاقة في معهد واشنطن للشرق الأدنى قال إن هناك غموضا بشأن موقف المعارضة من أي حكومة انتقالية مستقبلية في الظروف الراهنة إضافة إلى احتمالات تفشي الفوضى: "ليس من الواضح أن المعارضة ستقبل حكومة انتقالية لا تبدأ في تسليم السلطة لها في أسرع وقت ممكن. كما أن هناك مناطق خارج صنعاء تتمتع فيها الحكومة المركزية بنفوذ ضئيل وتكاد تكون سلطتها منعدمة في تلك المناطق وهو ما قد ينذر بحالة من الفوضى".

كما قال جمال خاشقجي الكاتب الصحفي السعودي إن هناك العديد من المعطيات داخل المشهد اليمني تزيد من تعقيد الموقف. واستطرد خاشقجي قائلا لراديو سوا: "هناك تعقيد في داخل اليمن. فالشباب ليسوا على وافق تام مع اللقاء المشترك. واللقاء المشترك ليس حزبا واحدا وإنما عدة أحزاب، إضافة إلى القبائل والقوى التي تخشى على مصيرها بعد رحيل علي عبد الله صالح".

ومن ناحيتها، شددت سامية حداد الناشطة السياسية اليمنية على سلمية التظاهرات. وقالت حداد لراديو سوا: "رغم الوضع الفوضوي في اليمن والمصير المجهول للرئيس إلا أن هناك حقيقة أكيدة نعيها نحن اليمنيون والعالم هو أن ثورة الشباب هي ثورة سلمية".

كما أفادت بأن المتظاهرين ينشطون بشكل أكبر الآن كي يكون لهم دور في أي عملية انتقالية: "الآن بدأ الشباب ينظمون أنفسهم في الساحات بشكل جديد ويشكلون تحالفات وتجمعات كبيرة تندرج تحت مسميات مختلفة. وبدأت تكون لهم أهداف واضحة وهي أن يكونوا على علم بمن سيكون في هذا المجلس الانتقالي لأن هناك حرصا على ألا يكون هناك مجلس عسكري بل يمكن أن يكون هناك شخص واحد عسكري ضمن المجلس الانتقالي على أن تكون كل الأطراف ممثلة فيه".

ورجـّح حمزة القرشي أن يضم ذلك المجلس الانتقالي جميع أطياف الشباب الذي خرجوا إلى ساحات الاعتصام: "الشباب في ساحات التغيير الآن مطلوب منه تشكيل مجلس انتقالي يضم كافة توجهات ومختلف أطياف الأحزاب يتم من خلاله تسليم السلطة. ونطالب باعتراف دولي بهذا المجلس ودعم هذا الشعب الذي يتطلع إلى الحرية".

وفي المقابل، رفض عبد الملك الفهيدي القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم مطالب المعارضة بنقل السلطة. وقال لراديو سوا: "بالنسبة لتشكيل حكومة من قبل المعارضة أو أي أشخاص، هذا كلام يتم تداوله في الإعلام فقط. لا يمكن القفز على الشرعية الدستورية. فهناك دولة لها مؤسسات دستورية وقانونية متمثلة في رئاسة الجمهورية والسلطتين التنفيذية والتشريعية".

وأثارت الاشتباكات التي اندلعت قبل أيام ودفعت صالح للخروج من البلاد، مخاوف بشأن وقوع تناحر على السلطة بين القبائل والقوى السياسية. لكن علي الحريبي من اللقاء المشترك برر تلك الاشتباكات بأنها وقعت نتيجة لما وصفها باعتداءات القوات التابعة للرئيس. وأضاف قائلا: "ما جرى من اشتباكات في الفترة الماضية هو عدوان من القوات التابعة لعلي عبد الله صالح. هذه القوات هي التي اعتدت على القبائل. هو من اعتدى على الناس وهو من يعتدي عليهم في تعز ويدك الناس بالمدفعية الثقيلة".

وهو ما أكده حمزة القرشي الكاتب الصحفي اليمني المقيم في لندن بالقول: "هنالك من يسعى إلى بث الفوضى في اليمن ودفعها نحو حرب أهلية. لا نستطيع أن نقول إنه ستكون هناك حرب أهلية في اليمن لأن الشهور الماضية أثبتت حكمة الشعب اليمني وهناك أكثر من ستين مليون قطعة سلاح في اليمن، لكن الشعب اليمني استطاع بحكمته أن يحافظ على سلمية هذه الثورة".

كما قالت سامية حداد الناشطة السياسية اليمنية إن تلك الأحداث كانت محاولة لجر الشباب والبلاد بأسرها إلى حرب أهلية: "كان المراد من تلك الاشتباكات جر شباب الثورة وأحزاب اللقاء المشترك إلى ساحة الاقتتال. هم أرادوها حربا أهلية. علي عبد الله صالح أراد أن تكون هناك حرب أهلية".

وعزا علي الحريبي الناشط السياسي اليمني في تكتل اللقاء المشترك تلك المخاوف من القبائل إلى سياسات النظام الحاكم على مدار السنوات الماضية: "نحن نشهد الآن أن خطاب القبيلة اختلف وباتوا يطالبون بدولة حديثة. فقد كانوا يرون في الدولة السابقة دولة الأسرة الحاكمة أنها هي من يسبب الأزمات في المنطقة. فهي كانت تفرق بين الناس وتوزع الأسلحة وتحافظ على استمرارية الحكم من خلال شراء الذمم".

واتهم حمزة القرشي دولا مجاورة بمحاولة إثارة القلاقل في البلاد. وأردف قائلا: "نطالب جميع الأشقاء العرب والمجتمع الدولي أن يساعد الشعب اليمني لبناء يمن جديد. هنالك دول مازالت تراهن على علي عبد الله صالح الذي هو خاسر أصلا. وتلك الدول التي لا يعجبها مبدأ الثورات تحاول أن تفرغ الثورة من محتواها. لكن هناك وعيا في الساحات اليمنية".

يأتي هذا في وقت تسعى دول الخليج وعلى رأسها السعودية إلى إنهاء الأزمة اليمنية وتقريب وجهات النظر بين فرقاء الصراع وهو ما أكده جمال خاشقجي الكاتب الصحفي السعودي بالقول: "يوجد نشاط سعودي حثيث في داخل اليمن وفي الرياض لترتيب خروج جيد للأزمة اليمنية. المملكة لا تزال مهتمة بالمبادرة الخليجية والتي تنص صراحة على استقالة الرئيس. والمملكة أكدت أن هدفها هو انتقال سلمي للسلطة. لكن الأمور صعبة ومعقدة ولابد من استمرار المساعي السعودية من أجل ترتيب الأوضاع".

واقترح خاشقجي عقد مؤتمر يضم كل القوى السياسية اليمنية لتجاوز الأزمة داعيا المعارضة إلى إبداء مزيد من الثقة في محيط اليمن الإقليمي: "يبدو أن اليمن بحاجة إلى مؤتمر وطني يوفق بين الأطراف. هناك وصفة دستورية وهي نقل السلطة إلى نائب الرئيس ثم انتخابات ثم جمعية تأسيسية. لكن نلاحظ وجود تعدد في الآراء وهذا التعدد يحتاج إلى وجود أخ أكبر يساعد اليمنيين في الخروج من هذه الأزمة. وأرجو أن يقتنع اليمنيون ويثقوا في المملكة العربية السعودية".

كما حدد سايمون هندرسون مدير برنامج الخليج والطاقة في معهد واشنطن للشرق الأدنى مخرجا يجنب البلاد شر الفوضى: "أعتقد أن مفتاح الحل للوضع الراهن هو إلى أي مدى يمكن أن تعمل أطياف المعارضة مع بعضها. ولكن طالما ظل أنصار علي عبد الله صالح في صنعاء فإنهم سيحاولون شق صفوف المعارضة".

كما تطرق هندرسون إلى خطر آخر وهو تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية الذي يتمركز في اليمن. وقال المحلل السياسي الأميركي إن القاعدة قد تستغل تباطؤ نقل السلطة هناك: "إن أكثر ما يقلق بشأن القاعدة هو تفكيك عملية مكافحة الإرهاب الجارية حاليا في اليمن، وبالتالي فإن تنظيم القاعدة سيتمدد في ظل تلك الظروف. ونُذَّكر بأن العديد من الوحدات المسلحة المشاركة في جهود مكافحة الإرهاب يقودها أقارب للرئيس صالح".

لكن حمزة القرشي الكاتب الصحفي اليمني في لندن قال إن النظام استغل ما وصفه بفزاعة القاعدة لتحقيق مآرب بعينها: "الشعب اليمني أصبح أكثر إدراكا أن فزاعة القاعدة استخدمها النظام السابق لابتزاز الغرب والأشقاء في دول الجوار. لا يوجد تنظيم للقاعدة. لاحظنا قبل فترة أن النظام اليمني سلم مدينة أبين إلى قوات مرتزقة تحت اسم القاعدة فقط ليري العالم أن هنالك قاعدة في اليمن وأن النظام القائم هو الأنسب لمحاربة القاعدة في اليمن".

كما قال علي الحريبي العضو في أحزاب اللقاء المشترك إن القاعدة ستختفي بمجرد رحيل النظام: "لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية لمواجهة القاعدة، بل كانت تستخدم لاستدرار الدعم من الخارج وخاصة من الولايات المتحدة. الحاضن الرئيسي لتلك التنظيمات هو النظام السابق. وكما هو معروف لدى الشارع اليمني أن جزءً منه يعمل تحت إمرة النظام. في ظل يمن جديد سنحتضنه ونحميه لن يكون هناك الحاضن لتنظيم القاعدة".

XS
SM
MD
LG