Accessibility links

بينما تهب رياح التغيير على الدول العربية، تسعى منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية للعب دور أكثر فعالية، بعد أن عانت الكثير منها من عدة تحديات بدء من التأسيس ثم ممارسة عملها وسط حالة من التضيق وندرة الدعم الكافي لأداء دورها.

فتلك الجمعيات وفقا للتوصيف الأكاديمي يجب أن تلعب دورا مكملا لدور الحكومة في بعض القطاعات الخدمية والتنموية والتثقيفية. لكن، مازال الطريق طويلا أمام تلك المنظمات لأداء دورها على أكمل وجه مع اختلاف طبيعة المشهد بين بلد عربي وآخر.

العديد من العاملين في هذا المجال، أكدوا أن المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لعبت دورا مؤثرا في الاحتجاجات الشعبية التي تموج بها المنطقة، ومنهم جمال عيد رئيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. وقال عيد لراديو سوا: "كان لها دور كبير وأكبر من المعتاد لمنظمات المجتمع المدني، لأنه كان هناك خياران إما الانحياز لجانب الحكومة الديكتاتورية أو الانحياز إلى الشعب والديمقراطية. وبالتالي تحول العمل الحقوقي إلى مهمة نضالية تسعى لفضح الانتهاكات والعمل مع المواطنين على كسر حاجز الخوف وتقديم مساعدة قانونية لهم".

وهو ما أكده طارق العادلي مدير المركز الإعلامي لمنظمات المجتمع المدني في العراق. وأضاف العادلي لراديو سوا: " في الوطن العربي لعبت منظمات المجتمع المدني دورا في الأحداث الأخيرة بما في ذلك ما حدث في تونس وما أعقب ذلك في مصر والآن في اليمن والبحرين وفي ليبيا. لعبت تلك المنظمات دورا كبيرا في تعبئة الشارع من أجل المطالبة بالحقوق الدستورية أو الانتقال إلى الحالة الديمقراطية عكس الحالة الشمولية".

وربط نضال منصور المدير التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن بين تطور المجتمع المدني والإصلاح الديمقراطي. وقال منصور لراديو سوا: "أعتقد أن دور المجتمع المدني جنيني لكنه دور مهم وأساسي. وأي محاولة لتقليص دور المجتمع المدني هي محاولة لتحريف المسار وتجميد مسار العملية الإصلاحية. فلا إصلاح ولا ديمقراطية بدون مجتمع مدني".

وأشار منصور إلى أن المنظمات كانت منشغلة في السنوات الماضية بالدفاع عن نفسها ضد الأنظمة الحاكمة: "وضع مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي لم يسمح لها بلعب الدور المأمول منها. لقد كانت محاصرة من الأنظمة الديكتاتورية وأجهزة الأمن. وبالتالي كانت دائما في موقف الدفاع عن نفسها أكثر من العمل لكسب التأييد لأفكارها وبرامجها".

وفي مصر التي شهدت ثورة شعبية أطاحت بنظام حكم استمر أكثر من ثلاثين عاما، تعمل مئات المنظمات غير الحكومية منذ سنوات طويلة. وأوضح أحمد سميح الناشط الحقوقي المصري أن دور تلك المنظمات كان بارزا في السنوات الماضية بسبب التضييق على الحريات والتراخي الحكومي. وقال لراديو سوا: "زاد الدور في السنوات الماضية بعد تزايد القمع وفشل الدولة في أداء مهامها الأساسية وتدخلها في الحياة الشخصية للمواطنين بما في ذلك حرية العقيدة والفكر والصحة العامة وحرية الإنسان في المشاركة السياسية".

وكان يجري التشكيك ما بين الحين والآخر في نوايا بعض منظمات المجتمع المدني والجهات التي تمولها. لكن أحمد سميح قال إن تلك الادعاءات لم يعد لها أي وجود الآن بعد رحيل النظام المصري السابق: " سقطت هذه الآلية الدفاعية للنظام الحاكم بسقوط الرئيس مبارك. فاكتشف المصريون أن ما يقوله النظام هو محض افتراء ويمكن أن يروا مستقبلا أفضل".

ونبه جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إن دور المنظمات الحقوقية سيكون الأبرز في المرحلة القادمة من بين المنظمات المعنية بالتنمية وتقديم الخدمات الاجتماعية. واستطرد قائلا: "العبء سيكون على المنظمات الحقوقية أكثر من التنموية. فالمنظمات التنموية كانت معتادة على الدور الداعم وتقديم الخدمات ورفع المهارات. أما المنظمات الحقوقية فكان جزء من وظيفتها فضح ممارسات النظام وكشف التعذيب".

وفي تونس التي تتطلع لبناء دولة ديمقراطية حقيقية بعد رحيل الرئيس السابق زين العابدين بن علي، ترنو منظمات المجتمع المدني لدور أكثر فعالية لا سيما أنها ستراقب انتخابات المجلس التأسيسي المقبلة، كما أفاد أنور القوصري الناشط الحقوقي التونسي لراديو سوا: "سيصبح دور منظمات المجتمع المدني أساسيا في فترة الانتقال الديمقراطية. فستساهم المنظمات في هذا الانتقال الديمقراطي. في تونس مثلا ستشارك الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمات أخرى في مراقبة الانتخابات".

وأعرب القوصري عن تفاؤله بشأن قدرة تلك المنظمات على ممارسة دورها دون قيود. وأضاف: "هذه المنظمات ستتمكن الآن من العمل، كل منظمة في تخصصها. وقد برزت منذ 14 يناير كانون ثاني المئات من المنظمات. وهناك العديد من الشباب الذين انضموا لهذه المنظمات".

لكن القوصري شدد على ضرورة أن تتغير عقلية المنظمات في التعاطي مع السلطات بعد التغيير الذي طرأ على البلاد: "هذه المنظمات تتعلم الآن كيف ستعمل وترتكب بعض الأخطاء والهفوات. لكنها تتعلم من تلك الأخطاء وتقوم بدورها الفعلي.

وكما نعلم أنها تمثل سلطة مضادة للسلطة الموجودة وهو ما يعني أنها سلطة نقد. ويتعين عليها أن تقوم بهذا الدور ولتحسين الظروف الاجتماعية في البلاد".

وهو نفس الأمر المطلوب في المرحلة القادمة بالنسبة للمنظمات العاملة في مصر بعد أن تبدل المشهد السياسي. وقال جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في هذا الصدد: "الآن نحتاج درجة أعلى من الهدوء لتتحول طاقة الكشف والفضح إلى طاقة تعاون وبناء. ونحن الآن نعود أنفسنا على المرحلة الجديدة بمعنى كيف نضع أيدينا في ايدي الحكومة جيدة مثل الحكومة الحالية؟ وما هي توقعاتنا للبرلمان والحكومة الجديدين".

وفي اليمن الذي يسير على نفس الدرب، هناك المئات من المنظمات غير الحكومية التي تملأ الفراغ التنموي في العديد من المناطق علاوة على التوعية السياسية. محمد قاسم نعمان رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان أكد أن المجتمع المدني

رغم حداثة نشأته هناك إلا أنه لعب دورا فعالا في السنوات الماضية. وقال لراديو سوا: "لا شك أن منظمات المجتمع المدني كانت قليلة في اليمن لكنها استطاعت أن تلعب دورا كبيرا وإيجابيا في المجتمع لنشر ثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية واحترام الآخر".

وتوقع نعمان أن يكون هناك المزيد من المنظمات التي ستلعب دورا أكبر في بناء المجتمع: "المرحلة القادمة سيكون الدور أفضل لهذه المنظمات. ونتوقع أن تبرز أعداد كبيرة لمنظمات المجتمع المدني في الفترة القادمة لأن القانون في العهد السابق كان يقيد الكثير من عمل تلك المنظمات".

وأشار نعمان إلى أن تلك المنظمات تخطت الطبيعة القبلية وأصبحت مقبولة لدى جميع طوائف الشعب اليمني. وأضاف قائلا: "المجتمع تفاعل بشكل إيجابي مع منظمات المجتمع المدني. وأبرز مثال على ذلك أن أغلب المنظمات التي تتشكل في بعض المحافظات ذات الطابع القبلي تساهم بشكل ممتاز في الكثير من الأمور".

العراق هو الآخر قطع شوطا في بناء منظمات المجتمع المدني التي تواجه العديد من التحديات الامنية والسياسية. وأكد طارق العادلي أن تلك المنظمات أصبح لها شأن أخر بعد إصدار قانون ينظم عملها العام الماضي. وقال لراديو سوا: "بعد 2008 وبعد الفرز للكثير من المنظمات ثم تبعها صدور قانون منظمات المجتمع المدني، بدأت الكتل السياسية تشعر بثقل تلك المنظمات على الساحة حيث أنها قادرة على التغيير في الكثير من الأمور، على عكس ما كان يحدث في السابق عندما كانت القوى السياسية تنظر إلى تلك المنظمات تأخذ على عاتقها فقط الإغاثة وتقديم الإعانات".

وضرب العادلي مثلا بدور مؤسسته في رفع التوعية بالمشاركة في العملية الانتخابية. وأضاف: "في انتخابات المحافظات السابقة كانت البيانات تشير إلى أن الشعب العراقي عازف عن الانتخابات فلم يتعد عدد المشاركين في الانتخابات عشرين بالمائة. حينما دخلنا ببرامجنا التثقيفية رفعنا النسبة إلى 51% من إجمالي عدد الناخبين في العراق".

ورغم التغيير الذي يدب في أوصال المنطقة إلا أن هناك تحديا كبيرا بشأن مستوى التعاون بين منظمات المجتمع المدني والحكومات. نضال منصور المدير التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن قال إن الأمل في أن يتم التكامل بين الجانبين: "المأمول ألا يكون هناك خصوم داخل الدولة بل أن تكون هناك شراكة بين المجتمع المدني والدولة بأجهزتها المختلفة والسلطة البرلمانية والسلطة القضائية وكل مكونات المعادلة السياسية في المجتمع".

كما أشار أحمد سميح الناشط الحقوقي المصري إلى أن المجتمع المدني يبذل ما بوسعه لكن لا بديل عن دور الحكومات: "الأمر الأساسي الذي نستطيع أن نقوم به هو مساعدة الحكومة على أداء عملها بشكل أفضل. لكن في النهاية لا نستطيع أن نلعب دورا كالدور الحكومي. المشكلة التي تواجهنا جميعا هي أن الحكومة في أضعف مراحلها. لكن الحكومة لا تستطيع أن تأخذ دور المجتمع المدني والعكس".

وهو ما اتفق معه محمد قاسم نعمان رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان. وقال نعمان: "لا بد أن تكون هناك شراكة بين منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية لأن بناء الدولة الجديدة سيحتاج لهذه الشراكة".

كما أن هناك مشكلة أخرى ظلت تعطل عمل منظمات المجتمع المدني كثيرا في السنوات الماضية وهي الموارد المالية. وقال أنور القوصري الناشط الحقوقي التونسي عن هذا الموضوع: "يجب تغيير بعض الأشياء خاصة فيما يتعلق بالتمويل لأن المنظمات غير الحكومية تحتاج إلى تمويل حتى يكون عملها جدي ولها نفع. قبل الثورات كانت الحكومات لا تعطيها التمويل وتمنع عنها التمويل الأجنبي والذاتي".

ودعا المدير التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن إلى ضرورة توفير الدعم المحلي لتلك المنظمات للقيام بعملها: "المجتمع العربي يعاني من نقص التمويل. فلا توجد قوانين ضريبية ولا توجد أصول وقفية وبالتالي فإن المجتمع المدني معلق على المنح الأجنبية. نريد أن نصل إلى مرحلة أن يكون الدعم من المجتمع الوطني ومن الحكومات باتجاه دعم المجتمع المدني وتوفير الموارد المالية له".

ويتخوف البعض من تلون تلك المنظمات بألوان أطراف سياسية بعينها أو سعيها لتنفيذ أجندات لصالح جهات سياسية ومنهم أحمد سميح الناشط الحقوقي المصري الذي قال في هذا الشأن: "هو تخوف مشروع جدا خصوصا مع المنظمات التي تعمل بطرح ديني محدد. لكني أعتقد أن المجتمع المدني يستطيع أن يقوم بعمل حالة من حالات الفرز لمن يستطيع أن يخدم مصر من أجل المصلحة العامة ومن يستطيع أن يخدم مصر من أجل الحصول على أصوات انتخابية".

كما شدد جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان على ضرورة أن تكون الديمقراطية هي أجندة المنظمات غير الحكومية: "الديمقراطية هي الانحياز الصحيح. لابد أن يكون لنا أجندة لكن تلك الأجندة هي بناء الديمقراطية. لأنه لا يمكن بناء دولة ديمقراطية على أساس قومي أو إسلامي".

وحدد أنور القوصري الناشط الحقوقي التونسي معايير للمشاركة السياسية بالقول: "بالنسبة للجمعيات لا يجب أن تشارك الحكومات فهي منظمات غير حكومية. لكنها تساهم في البرامج حسب الصيغ المتفق عليها أو أنها تقوم بعمل مستقل بالتعاون مع المنظمات الأخرى سواء داخلية أو خارجية من أجل تقديم برامج تنموية أو تثقيفية أو سياسية".

وفي المقابل رأى طارق العادلي مدير المركز الإعلامي لمنظمات المجتمع المدني في العراق أن مشاركة تلك المنظمات يشكل متنفسا مهما في المشهد السياسي العراقي في ظل التجاذبات بين الكتل السياسية المختلفة. وأضاف العادلي: "أصبحت منظمات المجتمع المدني أكبر من أي حزب أو تكتل سياسي. فلا يوجد بهذه الدرجة من هو أعلى من منظمات المجتمع المدني كتنظيم وعدد ومجاميع وسرعة تنفيذ وعمل، هذا علاوة على الأفكار التي تطرحها دائما هذه المنظمات".
XS
SM
MD
LG