Accessibility links

الاقتصاد السوري بين الواقع والتوقعات


تقرير: رزان سرية

ألقت الحركات الاحتجاجية الشعبية في العالم العربي بظلالها - بلا شك - على الأوضاع الاقتصادية، وأثرت بشكل مباشر على الاقتصاد وبحجم يماثل تماما التغييرات السياسية الراهنة.

إلا أن الأوضاع في سوريا تتفرد بأرقام قياسية، فقد سجل الاقتصاد السوري في الأشهر الماضية نسب انكماش لافتة تجاوزت زيادتها في الشهر الأخير ثلاثة بالمئة، كما هبطت قيمة العملة المحلية (الليرة السورية) عشرين بالمئة، الأمر الذي دفع المراقبين لإعلان توقعات بانهيار الاقتصاد السوري بدءاً من فترة ما بعد ثلاثة أشهر إلى حدود العام.

وعن هذا الموضوع أجرينا حوارا مع الباحث الاقتصادي محمد كركوتي رئيس تحرير مجلة الاقتصاد اليوم ومقرها ابو ظبي. وللأستاذ كركوتي مؤلفات عدة في الاقتصاد، كما كتب عشرات المقالات التي تعنى بالاقتصاد السوري بشكل خاص.

1- ما هي توقعاتكم بالنسبة للاقتصاد السوري إضافة إلى ما صدر مؤخرا من توقعات لخبراء اقتصاديين دوليين، وما هي العوامل التي تستند عليها مثل هذه التوقعات؟

كركوتي: أحسب أن الاقتصاد السوري يتجه إلى المجهول. هناك الكثير من العوامل حاليا على الساحة تفرض على هذا الاقتصاد ألا يتجه إلى الانكماش فحسب بل يصل إلى حافة الهاوية. هناك هروب للاستثمارات لا سيما الاستثمارات المرتبطة باستقرار السلطة وليس استقرار البلد، هذه نقطة، النقطة الأخرى هي أن القطاع السياحي تراجع بصورة رهيبة خلال الأشهر الماضية ويتوقع أن يتراجع خلال هذا الصيف. يعني الاقتصاد السوري يتجه فعلا إلى الانكماش، لا أتصور أن السلطة تستطيع أن تتفاداه إلا بالبحث عن مساعدات ومعونات خارجية وهذا صعب الحصول عليه.

2- وماذا تعني بمصطلح استثمارات استقرار السلطة؟

كركوتي: أتصور بأن هناك نسبة لا بأس بها من الاستثمارات في سوريا نشأت في أعقاب عام 2000 مرتبطة بالسلطة وليست مرتبطة بالاقتصاد الوطني، بمعنى إذا كانت هذه السلطة مستقرة تكون هذه الاستثمارات موجودة على الساحة، أما إذا لم تكن مستقرة تنسحب أو تهرب أو تفر من الميدان، وهذا يحدث كثيرا في الدول التي تعتمد الأنظمة الديكتاتورية الفردية وليست الأنظمة الديموقراطية التي تحكمها قوانين مالية صارمة وقوانين مالية واضحة.

3- وهل يمكن لنا في هذه الحالة أن نقدر حجم الاستثمارات المرتبطة باستقرار السلطة في سوريا؟

كركوتي: الحقيقة ليس هناك أرقام محددة في الاقتصادات غير المراقبة، أنا سميت الاقتصاد السوري باقتصاد التشبيح أي الاقتصاد الذي لا يستند إلى قواعد واضحة المعالم وهنا من الصعب أن نصل إلى أرقام. لكن لاشك أن السنوات العشر الماضية شهدت وصول استثمارات أجنبية وعربية، بعضها - وليس كلها طبعا- ارتبط بأركان السلطة وبالتحديد رامي مخلوف، وبعضها ارتبط بشكل أو بآخر بنسب للأسرة الحاكمة في سورية، ولذلك لا أستطيع أن أقول أرقام، ولكن تكفي الإشارة إلى أنه خلال أسبوعين فقط تم سحب ما يقرب من 700 مليون دولار أميركي من المصارف السورية وهربت إلى الخارج، أنا أتصور بأن الأرقام كبيرة جدا التي هربت، لكن ما هو مسجل في المصارف هو 700 مليون دولار أميركي حتى الآن.


4- ما هو انعكاس هذه الوقائع على حياة المواطن العادي، خاصة أن هناك مواطنين مستفيدون من هذه الاستثمارات، كيف تقدر هذه الأوضاع وإلى أي درجة يمكن أن يتضرر المواطن السوري من هذه الأوضاع الاقتصادية؟

كركوتي: طبعا الاستثمارات الطبيعية التي تقوم على أسس واقعية هي التي ترتبط بالمواطن السوري مباشرة، لكن الاستثمارات الوهمية أو الاستثمارات القائمة على أنظمة الفساد لا يستفيد المواطن منها لأن غالبية مداخيل هذه الاستثمارات لا تدخل أصلا في الخزينة العامة للدولة. طبعا المواطن السوري يعاني ليس فقط من غياب الاستثمارات الخارجية ولكن من غياب العناية الاقتصادية به، وأنا لا أستبعد أبدا لو استمرت الأمور على هذه الحال على طريقة العنف المفرط ضد المدنيين، ولو استمرت الاضطرابات في سوريا أتصور بأن السلطة في سوريا ستواجه صعوبة خلال شهرين أو ثلاثة أشهر في توفير الرواتب لموظفيها موظفي الحكومة وهذا يشكل كارثة حقيقية على أي نظام في العالم عندما يعجز عن دفع رواتب لموظفيه.

5- وهل هناك أفق يستطيع السوريون أن يستشعروه في حال تم طرح حل سياسي جذري سواء مع بقاء النظام الحالي أو مع انسحابه من السلطة، هل هناك أفق معينة يمكنها أن تحيي الأمل لدى المواطن السوري؟

كركوتي: نعم أي تغيير مهم في سوريا، ليس في سوريا فحسب بل في كل الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية مشابهة، إن تكاليف الفساد أعلى بكثير من تكاليف أي تغيير مهما كان مستقبل هذا التغيير مجهولا.

XS
SM
MD
LG