Accessibility links

logo-print

السوريون والإنترنت: علاقة تمسك بزمامها السلطة


في شهر فبراير/ شباط انضم إلى موقع الفيس بوك مرة واحدة آلاف السوريين بعد أن رفعت الحكومة الحجب الذي كانت تفرضه على عدد من مواقع الإنترنت من بينها مواقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك والتي كان قد بدأ استعمالها عالميا منذ أكثر من خمس سنوات.

وما هي إلا أسابيع حتى وجد المستخدمون الجدد أنفسهم - مرة أخرى - خارج دائرة التواصل السريع عبر الإنترنت، بسبب انقطاع متكرر لخدمة الشبكة أو بسبب تضييق على حزمة المواقع الاجتماعية أو حتى تحديد فاعليتها.

فمع بدء الانتفاضة السورية منتصف مارس/آذار بدا واضحا دور حاسم للإنترنت في نشر صور للمظاهرات، وظهرت شبكات إليكترونية غير مستقلة تصنف وتعنون وتنشر مقاطع فيدو لتلك الاحتجاجات، في مقابل منع السلطات الأمنية الصحفيين الأجانب من الدخول إلى سوريا، فضلا عن تعرض عدد من الصحفيين للاعتقال.

وقد اتصلت مندوبة "راديو سوا" رزان سرية مع مازن درويش وهو صحفي سوري يعيش في دمشق لتفتسر منه عن هذا الموضوع، فقال:

"إن شبكة الإنترنت في الأشهر الأخيرة شهدت حالات انقطاع، أحيانا كانت شاملة، وأحيانا يكون هذا الانقطاع في مناطق تشهد توترا أمنيا كبيرا، في مناطق معينة مثل إدلب حيث امتدت فترة انقطاع خدمة الإنترنت مدة 10 أيام كاملة، وفي دوما ظلت أسابيع، كما انقطعت الإنترنت في درعا لأيام طويلة. وترتبط هذه المسألة بواقع الاحتجاجات والتظاهرات فيبدو أن هذا ما يحدد الفترة الزمنية للانقطاعات. وإجمالا أيام الجمعة تكون المعاناة عامة، تحديدا موضوع الجيل الثالث حيث تنقطع هذه الخدمة كل يوم جمعة بغض النظر عن الوقائع الميدانية على الأرض"

ولفت درويش إلى أن الحكومة هي المزود الوحيد للمواطنين لحزمات خدمة الإنترنت وسط غياب شركات تزويد خاصة، يقول درويش:

"الشركات الخاصة لا تملك إدارة مباشرة ومستقلة على خدمة الإنترنت، يعني وزارة التقانة والاتصالات هي التي تزود الشركات الخاصة بالبوابات، فالوزارة هي التي تتحكم عمليا بالخدمة، والمواطن السوري لا يملك أية بدائل، لكن يمكن أن يستفيد المواطنون في بعض المناطق الحدودوية من خدمات بلد آخر"

وانتقلنا مباشرة إلى البحث عن تلك الوسائل البديلة، فوجدنا صورة تكاد تكون مختلفة تماما عند الحدود التركية شمالا.

الناشط ميران الذي لم يكشف عن اسمه الحقيقي لدواع أمنية ، حدثنا عن أن الناس هناك يستخدمون شبكة الإنترنت عبر شركات تركية، إذ أن مكانهم الجغرافي يوفر لهم هذا الخيار. وأضاف ميران أن مجموعته من الشباب الناشطين استبقوا الإجراءات الحكومية لجهة قطع الإنترنت، واستعدوا ليكونوا مواطنين صحفيين في هذه المرحلة، يقول ميران:

"نحن بدأنا من أول يوم تحركات شعبية لم نعوّل خلالها على الإنترنت السوري، فقد حصلنا في 12 من مارس/آذار على خطوط تركية. نحن نتواصل في مدينة القامشلي والدرباسية وعامودا وحتى كوباني وعفرين عن طريق الخطوط التركية، لأن الحكومة السورية أي النظام السوري يراقب الخطوط السورية أولا، وثانيا كنا نعرف أن النظام سيقطع علينا خدمة الإنرتنت"

ثم سألنا ميران عن نشاط مجموعته مع تكرار انقطاع خدمة الكهرباء في تلك المناطق بحسب ما تتناقله الأنباء، فأجاب ميران:

"نحن مجموعة شباب مؤلفة تقريبا من 75 شخصا تعاونا مع بعضنا لشراء مولد كهربائي صغير، حيث كنا نتوقع أن الحكومة ستقطع علينا الكهرباء فخططنا لهذه الأشياء سلفا" .

وبعد استخدام الإنترنت السريع في سوريا -والذي بدأ تطبيقه للعموم قبل عام فقط - ظلت معاناة المستخدمين من بطئ التشغيل، ويشكل هؤلاء بحسب الأرقام الحكومية نحو 17 بالمئة فقط من السكان، ولا يزيد عدد بوابات الخدمة عن 20 ألف بوابة، كما يشير في هذا السياق الصحفي مازن درويش إلى أن الحكومة تمارس الآن رقابة وتحكما غير مسبوقَين:

"تحدث هذه الأيام حالات الحد من الحزمة المسؤولة على استخدام مواقع معينة مثل اليو تيوب والفيسبوك فتصبح عملية فتح الصفحات بطيئة جدا، وأحيانا تصبح عملية تحميل مقاطع الفيديو صعبة جدا، كما تكررت حالات تتعلق بشهادة الثقة لحسابات الفيسبوك، فعندما كان المستخدم يكتب اسم المستخدم وكلمة السر المتعلقين بالفيسبوك فلا تذهب هذه المعلومات مباشرة إلى الفيسبوك بل تمر عمليا عبر وسيط وتذهب إلى مخدمات حكومية".

وخلال لقاءاتنا المختلفة مع شخصيات سورية عامة كنا نكرر سؤالا عن مثل هذه الحالات على هؤلاء فأحصينا حالات عديدة لكتاب أو فنانين أو صحفيين تعرضوا لحادثة "تصيّد" عبر الإنترنت وهو المصطلح المحلي الذي يعبر به السوريون عن عمليات اختراق لحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى بريدهم الإليكتروني الشخصي. من بين هؤلاء الصحفي ماهر ذيب الذي قدم استقالته من الهيئة العامة للإذاعة والتفلزيون منذ أكثر من شهرين احتجاجا على ما أسماه المنهجية الفاشلة للإعلام في تغطيته للاحتجاجات، وحدثنا ذيب عن حادثة "تصيّد" حسابه على الفيسبوك :

"عندما فتحت حسابي على الفيس بوك تلقيت رسالة عبر الموقع تقول إن في حسابي خلل أمني، وبشكل عام يعاني المستخدمون من خدمة بطيئة جدا، وهذا باعتقادي سياسة تنتهجها الحكومة لتسهيل عمليات القرصنة وسرقة الكلمات الخاصة للمستخدم على الفيس بوك يعني "الباس ورود" ليتم بعد ذلك تصيّد الناشطين ومن ثم اعتقالهم"

وهكذا بدت لنا خدمة الإنترنت في سوريا بسجل فقير وبواقع لا يحفظ حق الخصوصية، واقع شديد الوطأة تجاه جيل من الشباب يتطلع إلى العيش في فضاء ثورة الاتصالات التي هي أبرز ميزات القرن الواحد والعشرين، ولا يجد هذا الجيل أمامه غير حكومة تقليدية متصلبة في مواقفها في وقت يسمع فيه ويشاهد عبر قنوات فضائية عن حكومات إليكترونية قائمة في خدمة المواطن متى شاء أن يكون خلف جهاز الكمبيوتر أو عبر هاتفه المحمول.
XS
SM
MD
LG