Accessibility links

logo-print

حماية الملكية الفكرية بين التشريعات والوعي الفردي


أن تبدع أو تؤلف أو تخترع فهذه خطوة هائلة تحتاج لكد وعرق، لكن الأمر لا يتوقف عند هذه النقطة، بل يتعين حماية ذلك الإنتاج الإبداعي. ومن أجل هذا الغرض أُسِست الهيئات وسُنت القوانين لصون حقوق الملكية الفكرية محليا ودوليا.

لكن يظل التحدي كبيرا لا سيما في الدول العربية، في ظل عدم الالتزام الكامل بالقوانين رغم الجهود المبذولة في هذا الإطار كما أوضح إياد بطاينة أستاذ القانون في جامعة فلادلفيا بالأردن لراديو سوا: "التحدي الأول في إطار المجتمع العربي هو وعي الأفراد بضرورة الالتزام بحماية حقوق الملكية الفكرية بشكل عام. وهذا ينعكس بشكل إيجابي على المبدعين في الدول العربية فيما يتعلق بضمان حقوق الملكية الفكرية. ولكن غياب هذا الوعي من جهة ومن جهة أخرى عدم تطبيق القانون أفرز رقعة كبيرة من المخالفات في شارعنا العربي".

ويرى عبد الوهاب الرامي الأستاذ الجامعي والراوئي المغربي أن الإشكالية التي تواجهها جهود حماية الملكية الفكرية هو غيابها عن النقاش على الطاولة العربية. وقال الرامي لراديو سوا: "على مستوى البلاد العربية، لم تم نقاش هذا الأمر على نطاق واسع وهو ما انعكس بالتالي على المنظومة القانونية لحماية حقوق المؤلف سواء كانت مادية أو معنوية. مازال هذا الأمر هشا حتى الآن. كما أن ثقافة الملكية الفكرية غير منتشرة".

وأضاف الرامي إن مصطلح الملكية الفكرية ليس مستساغا في المجتمعات العربية: "مازالت فكرة الملكية الفكرية في حد ذاتها غير مستساغة على المستوى العام. فلذلك هناك سرقات على نطاق واسع للأفكار التي تصان من العبث تحت سموات أخرى".

وقال فاضل ثامر رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين إن مسألة الملكية الفكرية غابت بشكل كبير عن أجندات المشرعين. وأضاف لراديو سوا: "أعتقد أن هذه المسألة من الأمور المهمة التي لم يلتفت لها المشرع في المرحلة السابقة وبقيت حقوق التأليف عرضة للنهب. كما أن الآليات المنظمة لها متخلفة جدا وتؤثر إلى حد كبير على حقوق الملكية الفكرية".

كما ربط إياد بطاينة أستاذ القانون في جامعة فلادلفيا بالأردن بين تفشي الفساد وسرقة الأفكار والإبداعات. وقال بطاينة: "الفساد يؤثر سلبا على احترام حقوق الملكية الفكرية. يتعين على المجتمع العربي أن يصل إلى مرتبة احترام سيادة القانون. ولن نصل إلى ذلك إلا بعد أن نحارب الفساد في بعض المؤسسات والأنظمة والهيئات العربية".

أماني التونسي صاحبة دار نشر في مصر وإحدى مؤسسات إذاعة بنات وبس قالت إن الانتهاكات تحدث بشكل مستمر للافكار. وضربت مثلا بتعرض أفكار برامج إذاعتها للسرقة. وقالت التونسي لراديو سوا: "يتم سرقة أفكار برامج من إذاعتنا وتستخدم في إعداد برامج على القنوات الفضائية. فهناك برنامج اسمه بنات وبس أصبح اسمه بنات البلد على قناة تلفزيونية. وهذه من الحقوق التي انتهكت. ولأننا سجلنا تلك الأفكار باسمنا فنعكف على مقاضاة من سرقوا أفكارنا".

تطرق رامي صفوت رئيس اتحاد المخترعين المصريين إلى مصاعب كثيرة تواجه المخترع أثناء محاولته حماية فكرته. وقال صفوت لراديو سوا: "هناك بعض التصرفات غير المقبولة من الوكلاء ومكاتب البراءات. كما أن هناك ثغرات في بعض القوانين التي يمكن أن تجعل المخترع تحت ضغط فيضطر للتخلي عن ملكية الاختراع وأو بيعه بأقل من قيمته".

لكن صفوت قال إن عدم استيعاب المخترع أو المبدع للإجراءات الإدارية قد يكون سببا في ضياع حقه: "عندما يبدأ المخترع تطبيق الإجراءات التي نلتزم بها فيجد أشياء مختلفة مما يجعله يقع في مشاكل قد تهدد حقوقه بسبب عدم وضوح الرؤية بالنسبة له".

وأشار عبد الوهاب الرامي الأستاذ الجامعي المغربي إلى أنه في حالة وقوع سرقة للأفكار فإن الطريق الذي يسلكه المبدع في الوقت الراهن لا يضمن له استرداد حقه: "أقصى ما يمكن للمبدع أن يفعله عندما يتم العبث بحقوقه هو أن يقاضي أو يرفع الأمر للمؤسسات المعنية. لكن هذا الأمر به الكثير من العثرات على أساس أنه لا توجد مسطرة واضحة تدخل في ثقافة المبدع أو تلتزم بها المؤسسات لصون الحقوق وإرجاع الحقوق لأصحابها".

وفي المقابل، نبه سامر الطراونه المستشار في مكتب التنمية الاقتصادية للبلدان العربية بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية إلى أن هناك وعيا كبيرا بين الحكومات العربية بقضية الملكية الفكرية، لكن تظل المشكلة على المستوى الفردي كما قال لراديو سوا: "هناك زيادة في الوعي على مستوى الدول وهذا أمر نلاحظه بشكل كبير. لكن بحقوق الملكية الفكرية يمكن لفرد واحد أن ينسخ 500 ألف اسطوانة مدمجة، أي أن فردا واحدا قد يربك الأمور ويعطي انطباعا غير صحيح".

إلا أن ذلك لم يمنع أماني التونسي الناشرة والإعلامية المصرية الشابة من المطالبة بما وصفتها تشريعات واضحة لحماية الملكية الفكرية: "ما نحتاجه هو قانون يحمي حقوق الملكية الفكرية ويتم الإعلان عنه كالقوانين الأخرى. نحتاج وعيا أكبر. ونحن نأخذ على عاتقنا هذا الدور كإذاعة ودار نشر. القوانين موجودة لكننا نحتاج أن يعي الجميع تلك القوانين وألا يكون هناك أي تلاعب".

وهو نفس ما دعا إليه رامي صفوت رئيس اتحاد المخترعين المصريين: "المطلوب قوانين جديدة وأن يتم تلافي الثغرات التي سببت مشاكل كبيرة في الماضي. هناك ثغرات كثيرة في قوانين العمل والملكية الفكرية قد تصل إلى مستوى انتهاك حقوق الإنسان".

كما قال فاضل ثامر رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين إن بلاده بحاجة إلى تلك القوانين إلى جانب الانضمام إلى المنظمة العالمية للملكية الفكرية: "نحن بدورنا ومعظم الهيئات الثقافية والمجتمع المدني ننضال دائما من أجل الحفاظ على الحريات الفكرية ونطالب مجلس النواب وكذلك مجلس الوزراءالإسراع بإصدار التشريعات الضامنة لحقوق الملكية الفكرية إضافة إلى أننا ننتظر بفارغ الصبر الانتهاء من الأشياء الإدارية المتعلقة بإصدار قانون حماية الملكية الفكرية وانضمام العراق إلى المنظمة العالمية للملكية الفكرية لكي يكون العراق لاعبا فاعلا في هذا المجال".

وأوضح إياد بطاينة استاذ القانون في جامعة فلادلفيا بالأردن أن بعض الحكومات بدأت تعديل التشريعات لتواكب المعاهدات الدولية المعنية بحماية الملكية الفكرية: "كان من اللازم تعديل أغلب التشريعات العربية بسبب انضمام الدول العربية للمنظمات الدولية المعنية بحماية الملكية الفكرية. فكان من الواجب تعديل النصوص بما يتفق مع النصوص العالمية لحماية الملكية الفكرية وبالتالي النصوص القانونية موجودة في دولنا العربية".

وعن تلك الجهود المبذولة في مجال التعاون بين المجتمع الدولي والدول العربية في مجال حماية الملكية الفكرية، قال سامر الطراونه المستشار في مكتب التنمية الاقتصادية للبلدان العربية بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية: "تاريخيا كان هناك تركيز كبير على البنية التشريعية لأن العديد من الدول العربية لم يكن لديها تشريعات متطورة في مجال حقوق الملكية الفكرية. فكان دورنا الأكبر موائمة هذه التشريعات مع الاتفاقات الدولية المعنية بحماية حقوق الملكية الفكرية. كما أخذنا بعين الاعتبار مدى احتياج الدول لهذه القوانين. كنا ندرس القوانين ونعطيهم تعديلات وشروحات بالإضافة إلى ارسال خبراء لمساعدتهم على فهم هذه التشريعات".

كما أفاد الطراونه بأن المنظمة الدولية توفر برامج للتوعية بحقوق الملكية الفكرية: "بالإضافة لبعض برامج التوعية والتدريب حسب مدى تطور الدولة في هذا المجال. كما بدأنا مرحلة جديدة لا تركز بالأساس على البرامج القانونية بعد أن وفقت أغلب الدول العربية تشريعاتها المعنية بهذا المجال".

ويرى البعض أن ذلك التعاون ليس كافيا بل يجب أن تبذل الحكومات بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والمثقفين جهودا مكثفة لزيادة الوعي بأهمية حماية الأفكار والابداعات. وقال عبد الوهاب الرامي الأستاذ الجامعي المغربي في هذا الشأن: "نشر ثقافة الملكية الفكرية سواء على مستوى المبدعين داخل الهيئات التي يمكن أن ينتظموا داخلها أو على مستوى دور النشر التي لا تقوم بعملها بشكل جيد، بل ربما تكون دور النشر من المؤسسات التي تتعدى على حقوق المبدعين".

وصرح رامي صفوت رئيس اتحاد المخترعين المصريين بأن منظمته تأخذ على عاتقها ذلك الدور التثقيفي إضافة إلى التعاون مع منظمات دولية مماثلة لحماية حق المخترع. وأضاف صفوت: "الأمر الأول هو التركيز على عمل المخترع فنقوم بتوعيته بحقوقه حتي يميز الطريق الصحيح وكيف يتصرف وإلى أين يتجه إذا واجه مشكلة أو تعرض للابتزاز. على الجانب الآخر، عندما نرصد أعمالا غير مشروعة من جانب إحدى الجهات فنضعها على قائمة سوداء ونبلغ أعضاء الاتحاد والمنظمات الصديقة لنا حتى يتم تحجيم تلك الجهة لحين مقاضاتها".

واقترحت أماني التونسي الإعلامية وصاحبة دار لنشر الكتب مجموعة من الخطوات من جانبها للتوعية بحقوق المبدع: "أنوي أن أكتب في الصحفة الأخيرة لكل كتاب أنشره الخطوات التي يجب اتباعها للحفاظ على حقوق الملكية الفكرية حتى يفهم الجميع حقوقهم. كما سنقوم بعدة حملات على الإذاعة للتوعية بحقوق الملكية الفكرية". وما بين الجهود المحلية والإقليمية والتعاون الدولي في مجال حماية الملكية الفكرية، أعرب البعض عن اعتقادهم بأن الاتفاقات الدولية المعنية بهذا الأمر لا تفيد الدول العربية بل تصب في مصلحة دول الغرب. فاضل ثامر رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين: "أخشى أن نكون الطرف الخاسر في هذه المعاملة. فمثلا شركات البرمجيات الكبرى ترغب أن تبيع حقوق الملكية الفكرية لمنتجاتها بمبالغ عالية. إذا ما وقعنا مثل هذه الاتفاقات سيحرم المستهلك البسيط من شراء مثل هذا البرامج بكلفة تعادل دولار أو أقل من ذلك".

بيد أن إياد بطاينة استاذ القانون في جامعة فلادلفيا بالأردن كان له رأي آخر: "على العكس في الدول المتقدمة بعد أن دخل الاقتصاد المعرفي على الملكية الفكرية أصبح لديها سبب كبير لفرض قواعد الملكية الفكرية في الدول النامية لأن الاقتصاد المعرفي أصبح مرتبطا باحترام حقوق الملكية الفكرية. وإن كان هناك عدم احترام لحقوق الملكية الفكرية في دولة ما فإن الضرر سيقع على الدول المصدرة للملكية الفكرية وخصوصا في مجال الحاسوب".

وشدد سامر الطراونه المستشار في مكتب التنمية الاقتصادية للبلدان العربية بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية على أهمية تلك الاتفاقات لحماية حقوق الدول العربية. وقال الطراونة: "واقع الحال عمليا لا يحدث هذا. فهناك شركات عربية وضعت العديد من الابداعات حمتها بحقوق الملكية الفكرية انعكست بشكل كبير على البلد في قطاع الأدوية مثلا وقطاع تكنولوجيا المعلومات في الاردن ومصر والمغرب وتونس. بدأت هذه الدول تشعر بأهمية قوانين الملكية الفكرية لحماية موجوداتها".

وربط البعض بين مستوى حماية الملكية الفكرية وطبيعة الأنظمة الحاكمة ومنهم عبد الوهاب الرامي الأستاذ الجامعي المغربي بالقول: "هناك خيط ناظم بين الطوق إلى الديمقراطية ومسألة الحقوق. لأنه حينما نتكلم على الحقوق فإنها قد تكون حقوق جماعية أو فردية. ولكي نكون أكثر وعيا بالمسألة علينا أن نربط بالفعل بين مقومات الديمقراطية والملكية الفكرية وهما شيئان لا يتنافيان بل يتعاضدان".

واتفق فاضل ثامر رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين مع ذلك: "نحن نعلم أن الانظمة الديكتاتورية هي اساسا ضد الحرية الفكرية والملكية الفكرية ولهذا لا تشعر بالراحة لذلك. وربما يفسر ذلك اهمال الكثير من الأنظمة الشمولية في تاريخ العراق السابق لأهمية مثل هذه التشريعات".

لكن سامر الطراونه المستشار في مكتب التنمية الاقتصادية للبلدان العربية بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية شدد على أنه لا يوجد ارتباط كبير بين السياسة والملكية الفكرية: "الربط ليس قويا بين الأنظمة وحقوق الملكية الفكرية باعتبار أن حقوق الملكية الفكرية هو موضوع فني بحت يتم التعامل معه على مستوى الإدارات، أما رأس النظام فهو بمعزل عن ذلك فلا ينزل للتعامل مع مسألة حقوق الملكية الفكرية".


أما إياد بطاينة استاذ القانون في جامعة فلادلفيا بالأردن فتوقع أن تفتح التغييرات السياسية التي تشهدها المنطقة آفاقا أكثر إيجابية أمام جهود حماية الملكية الفكرية: "مما لا شك فيه أن الثورات التي يشهدها الشارع العربي والمطالبة بالاصلاحات والتغيير كلها تتجه نحو رفع مستوى القوانين والتوعية والثقافة المجتمعية في إطار الوصول إلى الحرية واحترام الحقوق. هذا الشيء إيجابي جدا وقد ينعكس إيجابيا على احترام حقوق الملكية الفكرية".

XS
SM
MD
LG