Accessibility links

بات جنوب السودان أحدث دولة في العالم بعد إعلان الانفصال رسميا عن الشمال هذا الشهر ليبدأ الجنوب عهدا جديدا استهله منذ وقف نزيف الدم في حربه مع الخرطوم بتوقيع اتفاق السلام عام ألفين وخمسة.

إعلان الدولة جسَّد تطلعات أبناء الجنوب الذين اختاروا في مطلع هذا العام الانفصال رغم محاولات الشمال إثنائهم عن هذا القرار.

لكن إعلان الدولة ليس نهاية المطاف فتلك الدولة الوليدة تواجه تحديات جمة، كما أن عددا من القضايا الشائكة ما زالت على طاولة التفاوض بين الخرطوم وجوبا.

ورغم الفرحة التي عمت أرجاء ذلك الكيان الجديد، إلا أن الكثير من المواطنين يرون أن أولويتهم الآن هي الأمن وهو ما تؤكده لوسي جوبارا الصحفية الجنوبية التي قررت العودة لمسقط رأسها قادمة من الشمال. وقالت جوبارا لراديو سوا: "أتطلع أولا لأن يكون هناك أمن. أن أستطيع أن أتنقل دون خوف في مدينة جوبا. أعتقد أن الأمن هو أهم شيء يجب أن يتوفر في الدولة الجديدة".

اتيم جارانج القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان حاول تبديد تلك المخاوف بشأن قضية الأمن بالتأكيد على أن الحكومة الجديدة تضعها على رأس أولوياتها. وقال جارانج لإذاعتنا: "الأولوية الأولى هي تحقيق الأمن والاستقرار في جنوب السودان لأن تحقيق الأمن يؤدي إلى السلام بين المجتمعات المكونة للجنوب. جنوب السودان شهد حربا استمرت أكثر من 190 سنة، واستمر العنف حتى استقلال جنوب السودان، لذلك أولويتنا الأولى هي تحقيق الأمن والاستقرار من أجل نشر السلام".

وقالت الصحفية الجنوبية لوسي جوبارا إنها لمست تغييرا بالفعل في الفترة الماضية في العاصمة الجنوبية: "لاحظت تغييرا كبيرا في جوبا في الفترة الماضية. ومنذ أن وطئت قدمي جوبا في أبريل الماضي لمست محاولة الناس هنا تهيئة المدينة وإنشاء مباني جديدة ورصف الطرق وصيانة المطار".

لكن طريق التنمية ما زال طويلا كما أوضحت جوبارا: "لكي اتنقل من جوبا إلى واو أو أي مدينة أخرى نحتاج إلى تنمية وطريق أو طائرة تقلني إلى هناك بسهولة. كما أننا نحتاج للمزيد من الخدمات الصحية فهذه مشكلة كبيرة. فإذا كنا نعتمد على الشمال بنسبة معينة في الماضي، أعتقد أن الحال سيتغير لاننا أصبحنا دولتين. وهناك عدد كبير من المواطنين عادوا من الشمال إلى الجنوب ويحتاجون لأن يدخلوا أبناءهم المدارس. المدارس هنا لا تتحمل كل هذا العدد". وأكد أتيم جارانج القيادي في الحركة الشع

بية أن تدعيم الاقتصاد هو الحل للكثير من القضايا الأخرى: "دولة جنوب السودان تدخل في عداد الدول المستقلة لكنها محسوبة على دول العالم الثالث. ومن المعروف أن دول العالم الثالث تعاني من عدة قضايا على رأسها الفقر والحكم غير الرشيد والتنمية غير المتوازنة والاقتصاد غير القوي، ومن ثم سنحاول أن نتجنب العوامل التي تؤدي إلى تدهور الاقتصاد لأنه كلما كان الاقتصاد قويا كلما كان بالامكان حل القضايا الأخرى".

وحدد جارانج أولوية ثانية للحكومة الوليدة للنهوض بالدولة بقوله: "الأولوية الثانية هي توصيل الغذاء والملبس والمسكن للمواطن الجنوبي. وبالتالي يجب أن يزيد الانتاج الزراعي، ولذا سنستخدم أموال النفط في تمويل قطاع الزراعة وتطويره".

بيد أن سامسون صامويل وزارا، الخبير الاقتصادي من جنوب السودان تطرق إلى عدة تحديات تعترض سبيل التنمية في هذا المجال. وقال وزارا لراديو سوا: "بالطبع هناك العديد من التحديات التي تواجه الدولة الوليدة لا سيما في مجال التنمية. ولعل أهم المجالات التي يجب التركيز عليها هو القطاع الزراعي. فهناك حاجة لربط المناطق الزراعية والرعوية بالمدن، هذا علاوة على تطوير إمكانات المزارعين لزيادة الانتاج.

وبالتالي يجب إعداد خطة عاجلة للنظر في كيفية الربط بين الولايات الجنوبية المختلفة وربط كل هذه الولايات بالعاصمة جوبا".

لكن هانئ رسلان الباحث المصري في الشؤون الأفريقية أفاد بأن المصدر الأول للدخل سيظل النفط إلى جانب موارد أخرى. وقال رسلان لراديو سوا: "سيعتمد الجنوب وهو النفط الذي سيتم تصديره عبر الشمال في السنوات القليلة القادمة. القضية الأخرى هي قضية المياة، فالجنوب يشهد هطول أمطار غزيرة للغاية وهو يعتمد عليها بشكل كبير في الزراعة، وبالتالي ليست هناك مشكلة حادة. كما أن هناك تأكيدا من حكومة جنوب السودان أنه لو حدث تفاهم مع الشمال بشأن الحصول على حصة من مياه النيل المخصصة للسودان سيكون ذلك في إطار الحصة السودانية المتفق عليها مع مصر في اتفاقية 1959".

وأشار سامسون صامويل وزارا الخبير الاقتصادي من جنوب السودان إلى أن النفط يظل مرهونا بما ستؤول إليه المفاوضات مع الشمال بشأن القضايا العالقة بين الجانبين:"مازالت هناك مفاوضات بين جنوب السودان والشمال بشأن هذه القضية. وعلى ضوء ما ستتمخض عنه تلك المفاوضات، سيتحدد مستقبل نقل النفط من الجنوب وتصديره إلى الخارج لا سيما أن منفذ التصدير الوحيد موجود في شمال السودان".

وأشار هانئ رسلان الباحث المصري في الشؤون الأفريقية إلى وجود تحديات كبيرة تواجه جنوب السودان: واستطرد قائلا: "هناك تحديات أخرى تواجه الدولة أهمها بناء الدولة نفسها. فهناك غياب كامل للبنية التحتية هذا علاوة على افتقاد لكوادر كافية ومدربة لإدارة الدولة والمؤسسات المختلفة بالإضافة إلى الحدود المفتوحة مع دول الجوار واستيعاب الجنوبيين العائدين".

كما نبه عثمان خيري المحلل السياسي السوداني إلى غياب المقومات الأساسية في جنوب السودان التي تؤطر لقيام دولة ناجحة. وقال خيري لراديو سوا: "إذا تحدثنا عن الأمن الغذائي والسلام الاجتماعي في الجنوب، فهذه الدولة ليس لها مقومات للبقاء والاستمرار".

وتحدث خيري عن وجود خلافات داخلية بين الحركة الشعبية وعدد من القوى السياسية والعرقية الجنوبية: "هناك معارضة مسلحة في الجنوب من ثلاث حركات مسلحة. هناك معارضة سياسية من أربعة فصائل رئيسية منها فصيل كبير. وبعض تلك الحركات يتهم بأنه يمول من الشمال".

وهو ما أكده هانئ رسلان الباحث في الشؤون الأفريقي بالقول: "هناك تحديات كبيرة بالنسبة للجنوب ومنها الخشية من تحول الصراع القائم حاليا في بعض ولايات الجنوب إلى حرب أهلية شاملة".

وأبدت لوسي جوبارا الصحفية في جنوب السودان تخوفا من أن يؤدي ذلك إلى إعادة البلاد الى أجواء الحرب: "هناك تخوف من حدوث مشاكل داخلية بعد الانفصال.

المواطنون يخافون من عودة الحرب من جديد. لكنهم عاقدو العزم على التغلب على كل المشاكل والظروف الداخلية سواء صراع في السلطة أو مشاكل قبلية".

لكن أتيم جارانج القيادي في الحركة شدد على أن دستور الدولة الجديدة يكفل للجميع حرية المشاركة السياسية: "الجنوبيون حاولوا من خلال الدستور الانتقالي اشراك بعض الحركات السياسية التي لم تنجح في انتخابات 2010 وأن يتم استيعابهم في البرلمان المقبل. وبعد ذلك يمكنهم خوض الانتخابات في 2015 ويستطيع كل منهم اقناع المواطن الجنوبي ببرنامجه".

ورغم الانفصال بين الجنوب والشمال إلا أن تشابك العلاقات الاجتماعية بين الجانبين يظل قائما لاسيما أن هناك تداخلا سكانيا لافتا على طول الحدود الممتدة بين الجانبين. وقالت لوسي جوبارا الصحفية الجنوبية في هذا الشأن: "نقول لأنفسنا دائما أن الانفصال الذي وقع هو انفصال سياسي. فعلى الصعيد المجتمعي لن تنفصل الناس. فهناك جزء من أهلي يعيشون في الشمال وأصدقائي كلهم في الشمال. العلاقة بين البلدين لن تنتهي أبدا".

وهو ما أكده إسماعيل الحاج موسى القيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم. وقال موسى لراديو سوا: "هناك أسباب تاريخية وجغرافية تستجوب على الدولتين العمل من أجل تحقيق جوار آمن وعلاقات جيدة. فالدولتان كانتا دولة واحدة منذ زمن بعيد. أما عن الأسباب الجغرافية، فالحدود بين الجانبين هي الأطول رغم وجود حدود مع دول أخرى. هناك قبائل تماس بين الجانبين".

لكن القضايا العالقة التي لم تحسم بعد بين الجانبين تظل شوكة في خاصرة كل من الخرطوم وجوبا. وقال هانئ رسلان الباحث في الشؤون الأفريقية في هذا الشأن: "كان من المأمول أن تكون هناك علاقة تعاونية بين الجانبين لكنهما فشلا في التوصل لأي تفاهم بشأن قضايا النفط والمياه والاصول والديون. وبالتالي فإن الانفصال لن يكون نهاية لأزمة السودان".

وشهدت الأيام السابقة لإعلان دولة جنوب السودان تصعيدا في التصريحات وعلى الأرض بين الجانبين في المناطق التي لم يحسم مصيرها بعد. وهو ما دفع اتيم جارانج القيادي في الحركة الشعبية لاتهام الشمال بأنه من ينفخ في أبواق الحرب: "أجواء الحرب تأتي من الشمال لأن الحكومة الحالية وجدت من خلال الحرب. وتريد أن تستمر بالحرب. ولذلك تشتعل الحرب الآن في جنوب كردفان ويريدون توحيد أهل الشمال خلفهم لإشعال الحرب مع الجنوب".

وفي المقابل، اتهم إسماعيل حاج موسى القيادي في حزب المؤتمر الوطني، الحركة الشعبية بالمراوغة: "واحدة من مشاكل اتفاقية السلام هو أن إخواننا في الجنوب تعاملوا معنا بكثير جدا من الخبث وتعاملنا معهم بكثير جدا من حسن النية. فكانت الاتفاقية تنص على أن يعمل الطرفان على أن تكون الوحدة كيانا جاذبا لكنهم عملوا منذ اليوم الأول للاتفاقية على أن يكون الانفصال كيانا جاذبا".

وحث موسى الجنوب على التركيز على حل المشاكل العالقة في أسرع وقت ممكن: "يجب أن تحل دولة جنوب السودان مشاكلها في الخارج حتى يتسنى لها التركيز في الداخل. عليها أن تعمل بسرعة على أن تجد حلا لمشاكلها مع جمهورية السودان".

ومن جانبه، شدد جارانج على أن الحوار هو السبيل الوحيد لإنهاء الخلافات مع الشمال: "الحوار هو السبيل الوحيد لحل المشاكل العالقة بين الشمال والجنوب. وإذا نجحنا في حل هذه الخلافات سنؤسس بالتأكيد علاقات جوار قوية ومتينة".

بيد أن عثمان خيري المحلل السياسي السوداني استبعد قدرة الجنوب في الوقت الراهن على حسم تلك القضايا: "أعتقد أن حكومة جنوب السودان ولدت في جو خانق وتواجه معضلات صعبة جدا. لا أتوقع أن تتفرغ تفرغا كاملا لحل تلك القضايا العالقة مع الشمال".

وعن العلاقات الخارجية، قال أتيم جارانج القيادي في الحركة الشعبية إنهم سيركزون على الاتصال بالدول الراغبة في الاستثمار في بلاده، كما ستشمل الاتصالات دول الجوار: "كثير من دول الجوار فقراء مثلنا، ولكن لا يعني ذلك أننا لن نتحدث معهم. أما مع دول الغرب سنتحدث مع من يملكون المال ويريدون الاستثمار في جنوب السودان، هذا بالإضافة إلى الدول العربية الغنية. وبالتالي فسنوقع بروتوكلات وسنعقد اتفاقات في المرحلة القادمة مع من يرغب في الاستثمار في الجنوب".

وحددت لوسي جوبارا الصحفية من جنوب السودان معايير نجاح الدولة الجديدة: "البداية ستكون صعبة. لكن إذا استقرت البلاد ونفذت كل وزارة ومؤسسة دورها ولو تم استغلال الدعم الدولي، أعتقد أننا قادرون على إنجاز أشياء كثيرة في فترة وجيزة.

ويجب قبل كل ذلك أن يكون لدينا قادة ينصب تفكيرهم على تنمية البلاد. أعتقد أننا نستطيع التقدم إذا تخلصنا من القبلية المتفشية هنا والمشاكل الموجودة بيننا".
XS
SM
MD
LG