Accessibility links

أكدت روسيا مرارا رفضها أي قرار دولي بشأن سورية كرد فعل على أعمال العنف التي تشهدها البلاد. كما أن مواقفها مما يدور في ليبيا اتسمت بتباين جاء مغايرا للإجماع الغربي بشأن سبل التعامل مع نظام العقيد معمر القذافي الذي يخوض حربا ضارية ضد المعارضة القابعة في بنغازي.

ولعل أبرز المواقف الروسية ما أعلنه سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا بشأن رفض موسكو الاعتراف بالمجلس الانتقالي المعارض في ليبيا ردا على القرار الذي اتخذته مجموعة الاتصال بشأن ليبيا في تركيا. وقال لافروف في مؤتمر صحفي بموسكو: "إذا تكلمنا عن الاعتراف بالمجلس الانتقالي وغيره من جماعات المعارضة التي تشملها المفاوضات لأنها لا تنتمي كلها إلى المجلس، فمن المؤكد أن المجلس الانتقالي هو أحد الأطراف في رأينا. لكننا نختلف مع الموقف الذي اتخذته مجموعة الاتصال التي اجتمعت في إستانبول بشأن الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي كممثل شرعي وحيد للشعب الليبي."

لكن لافروف حث طرفي الصراع على التفاوض في الوقت ذاته: "إننا نؤيد الاتصالات مع طرابلس وبنغازي على حد سواء، ونحفزهما على اتخاذ مواقف بناءة ومسؤولة لمصلحة الشعب، كما نحثهما على التفاوض."

تلك المواقف أثارت حفيظة الكثيرين في الدول العربية لا سيما من يخوضون معركة التغيير والديمقراطية. وهو ما دفع عاشور الشامس المحلل السياسي الليبي المقيم في لندن إلى انتقاد تلك المواقف، والذي قال لراديو سوا: "موقف موسكو غريب إلى حد ما وفي نفس الوقت ليس بغريب. هو غريب لأنه موقف متأرجح فأحيانا يذهبون أقصى اليمين وأحيانا أخرى أقصى اليسار. ووصلوا إلى درجة الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي لكنهم تراجعوا في ذلك تراجعا كبيرا. ويبدو أن القرار الذي اتُخِذ في تركيا استفز الروس بشكل كبير".

وفسر هاني شادي المحلل السياسي المقيم في موسكو تلك المواقف بأن روسيا تعتقد أن ما يشهده الشرق الأوسط من تغييرات سياسية هو من تدبير خارجي. وقال شادي لراديو سوا: "يوجد اعتقاد راسخ لدى الأوساط السياسية في روسيا بما في ذلك القيادة الروسية بأن هذه الثورات من صناعة أميركية. كما أنهم يطلقون عليها الثورات الملونة على غرار ما جرى في أوكرانيا وجورجيا. والروس يقولون إنهم ضد التدخل في الشؤون الداخلية وتغيير الأنظمة من الخارج".

أما نورهان الشيخ أستاذة العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في مصر فرأت أن تباطؤ روسيا في إعلان مواقفها يتسق مع سياستها الخارجية بشكل عام. وقال الشيخ لإذاعتنا: "التأني بشكل عام سمة من سمات الدبلوماسية الروسية. ليس فقط تجاه الثورات العربية، لكنه ما يميز بصفة عامة السياسة الروسية. هناك قدر كبير من التأني والقراءة المتمهلة للمواقف قبل أن تتخذ روسيا أي موقف بشكل علني".

كما أشارت الشيخ إلى أن إحدى السمات الأخرى للسياسة الروسية هي عدم التدخل في شؤون الأصدقاء: "الأمر الآخر مرتبط بتوجه عام حاكم للسياسة الخارجية الروسية وهو عدم التدخل في شؤون الأصدقاء والحلفاء. وهذا على عكس الموقفين الأميركي والأوروبي الداعي للدفع نحو التغيير الديمقراطي".

أما ماثيو روجانسكي نائب مدير برنامج روسيا وأوراسيا بمعهد كارنيجي للسلام الدولي فقال إن مواقف روسيا الأخيرة تعكس تبدل اهتمامها بالمنطقة عما كان عليه الحال قبل سنوات. وقال روجانسكي لراديو سوا: "أعتقد بشكل عام أن رد الفعل الروسي إزاء ما يترددون في وصفه بالربيع العربي وإنما يصفونه بالتغييرات السياسية، أظهر مستوى من الاهتمام بالمنطقة أقل بكثير نسبيا مقارنة بما كان الحال عليه قبل عشرين عاما. والدليل على ذلك أن روسيا لم تدعم القرار الدولي بشأن ليبيا لكنها لم تقف حائلا دون تطبيقه".

كما نبه روجانسكي إلى وجود سبب داخلي يجعل الروس أكثر توجسا من التغييرات السريعة التي يشهدها العالم العربي: "أعتقد أن الروس يجنحون إلى التفكير مليا وبحذر شديد في المناطق التي لهم فيها تأثير مباشر والقضايا التي تمس روسيا نفسها او الدول التي كانت تشكل الإتحاد السوفييتي . فعلى سبيل المثال عندما يفكرون فيما يمكن أن يحمله الربيع العربي من تأثير على أذربيجان فإنهم يشعرون بالقلق الشديد هذا علاوة على الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه الجماعات الإسلامية في منطقة القوقاز".

وهو ما أكدته نورهان الشيخ أستاذة العلاقات الدولية في جامعة القاهرة لاسيما في حال وصول التيار الإسلامي في مصر مثلا إلى سدة الحكم: "قد يشكل صعود التيار الإسلامي في مصر تهديدا مباشرا للمصالح الروسية وأيضا للأمن الروسي إذا ما نظرنا إلى قضايا الشيشان وداغستان والمشكلات المرتبطة بالتيارات الإسلامية في منطقة القوقاز".

لكن المواقف الروسية من الحرب الليبية والحراك السوري يبدو الأكثر وضوحا. ففي ليبيا تتمتع موسكو باستثمارات بمليارات الدولارات. وقال ماثيو روجانسكي نائب مدير برنامج روسيا وأوراسيا بمعهد كارنيجي للسلام الدولي في هذا الشأن:"عندما يتعلق الأمر بليبيا حيث للروس مصالح مالية تقدر بعدة مليارات، فإنني أعتقد أنهم مستعدون لأن يكونوا أكثر انفتاحا. وهذا يفسر لماذا يلعبون دورا دبلوماسيا يليق بمكانة دولة في القرن الحادي والعشرين ويعدون شريكا حتى وإن كان على مضض مع الولايات المتحدة في هذا الملف".

وتحدث هاني شادي المحلل السياسي المقيم في موسكو عن طبيعة المشاريع الاقتصادية مع ليبيا قائلا: "مصالح روسيا مع القذافي كبيرة وخاصة في مجال التسلح. القذافي كان قد وقع عقدا كبيرا للتسلح مع روسيا قبل عامين تتراوح قيمته بين ملياري وأربعة مليارات دولارات. هناك أيضا مشاريع نفطية كبيرة لروسيا في ليبيا".

وألمح عاشور الشامس المحلل السياسي إلى بعد آخر يفسر موقف موسكو من ليبيا: "هي بمثابة عملية استعراض للموقف السياسي على أساس أنهم يمثلون قوى معينة في العالم. فهناك دول كثيرة مازالت متأرجحة ومتأخرة بشأن اتخاذ موقف واضح بشأن ليبيا. روسيا تحب أن تكون هي القطب الذي تلتف حوله هذه الدول".

بيد أنه شدد على أن الصوت الروسي يظل بلا تأثير على مسار القضية الليبية. واستطرد قائلا: "موقف روسيا ليس له أثر كبير على بقية الدول أو على الأوساط الليبية سواء بالنسبة للمجلس الوطني أو لدى الليبيين بشكل عام".

ومن ناحيته، توقع هاني شادي المحلل السياسي المقيم في موسكو أن يشهد الموقف الروسي بشأن ليبيا مزيدا من التطور: "ألاحظ أن هناك تطورا في الموقف الروسي. فعلى سبيل المثال كان هناك تشنج في البداية بشأن ليبيا من قِبَّل روسيا. لكن هذه النغمة تراجعت واستقبلت موسكو وفدا من المجلس الانتقالي واعترفت بهذا المجلس كمفاوض وليس كممثل شرعي وحيد. وبالتالي أتوقع تطورا في الموقف الروسي في المرحلة المقبلة".

أم سورية فهي تشكل أهمية أكبر للروس كما قال ماثيو روجانسكي نائب مدير برنامج روسيا وأوراسيا بمعهد كارنيجي للسلام الدولي: "يمكنني أن أقول إنها تشكل أهمية أكبر فهي مرتبطة بدور روسيا كأحد أعضاء اللجنة الرباعية الدولية المعنية بعملية السلام بين العرب وإسرائيل. وسورية مرتبطة برغبة روسيا في أن تكون بين الأطراف الأوروبية القليلة التي تتمتع بقنوات اتصال مباشرة مع حزب الله وحماس. كما أن هناك علاقة اقتصادية بارزة بين الجانبين".

كما أفاد هاني شادي المحلل السياسي المقيم في موسكو بان دمشق تشكل بوابة روسيا إلى الشرق الأوسط: "بالنسبة لسورية فإن الوضع مختلف بعض الشيء. فهناك علاقات ذات طابع استراتيجي بين البلدين. فالروس يعتقدون أن سورية قد تكون هي المدخل للعودة إلى الشرق الأوسط ومن ثم هم يرفضون حتى اليوم إصدار أي قرار من مجلس الأمن لإدانة ممارسات النظام السوري بحق شعبه".

ويبدو أن ما يحدث في عدد من الدول العربية سينعكس سلبا على المكاسب الاقتصادية الروسية كما قال ماثيو روجانسكي نائب مدير برنامج روسيا وأوراسيا بمعهد كارنيجي للسلام الدولي: "لقد خسروا بالفعل. فالروس أقروا - لكنهم لم يقولوا ذلك صراحة - بأن القذافي أصبح بلا مستقبل رغم أنهم يحاولون التفاوض معه. وهذا يعني أن العقود التي وقعتها قطاعات الصناعات العسكرية والطاقة وإنشاء الطرق الروسية مع ليبيا لا تساوي الآن قيمة الورق الذي كتبت عليه".

كما أكدت نورهان الشيخ أستاذة العلاقات الدولية في جامعة القاهرة أن خسائر موسكو ستكون كبيرة. وأضافت قائلة: "لأن روسيا على مدى السنوات الماضية تحاول إعادة بناء علاقاتها في المنطقة بشكل جذري. واستطاعت روسيا من خلال النشاط الدبلوماسي أنها تحدث نقلة نوعية في العلاقات مع دول المنطقة وأن تحصل على عقود سواء في مجال النفط أو اتفاقيات توريد الأسلحة. وبالتالي فإن الخسارة ستكون كبيرة على مستوى علاقاتها مع سورية وليبيا".

لكن هاني شادي المحلل السياسي في روسيا لم يتفق مع هذا الرأي حيث قال: "هناك بعض الخسائر لكنها خسائر محتملة. فلا أحد يعلم بالضبط حجم الخسائر الفعلية. ففي ليبيا يقال إن روسيا ربما تخسر حوالي 14 مليار دولار. لكنها استطاعت تعويض ذلك بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمية".

ولكن ماذا عن مستقبل العلاقات الروسية في المنطقة في ظل حالة التغيير؟ ماثيو روجانسكي نائب مدير برنامج روسيا وأوراسيا بمعهد كارنيجي للسلام الدولي أجاب عن ذلك قائلا: "أعتقد أن روسيا ستحاول توطيد علاقاتها بكل السبل بدول المنطقة. لكنني أعتقد أن قدرة روسيا على ذلك محدودة للغاية. فأغلب ما تتمتع به روسيا الآن من علاقات في الشرق الأوسط مبني على ما أسسه الاتحاد السوفيتي في الستينات والسبعينات عندما كان يدعم ما يسمى الطريق الثالث وحركة القومية العربية. روسيا اليوم ليست في الموقع الذي يسمح لها بتكرار ذلك سواء على الصعيدين السياسي أو الاقتصادي".

وقال عاشور الشامس المحلل السياسي الليبي إن عددا من دول المنطقة ستراجع علاقاتها مع روسيا بعد استقرار الأمور بسبب مواقفها: "نحن بصدد تغيير هائل في المنطقة وتغيير في العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية. وبالتأكيد موقف روسيا ستتم مراجعته من قبل كثير من الدول. وسيكون نصيب روسيا في العلاقات مع العالم العربي أقل بكثير من نصيب أوروبا أو ربما الصين".

أما هاني شادي المحلل السياسي المقيم في روسيا فقال إن موسكو لا تستشعر تغييرا في مواقف دول المنطقة تجاهها: "حتى اللحظة القيادة الروسية لا تعتقد أنه سيكون هناك تأثير سلبي مما يحدث على العلاقات الروسية العربية. والروس ربما يأملون في ذلك.

لكن يظل هناك تشكك بين بعض الدول العربية إزاء الموقف الروسي ومصداقية الموقف الروسي من عملية دعم الديمقراطية في البلدان العربية".

وأشارت نورهان إلى أن علاقات روسيا قد تهتز بسوريا وليبيا في حالة تغيير النظام الحاكم، لكنها تمتلك فرصا في أماكن أخرى: "قد يكون هناك فرص متاحة لروسيا. فالانطباع إزاء روسيا في مصر مثلا قد يكون محايدا. وهذا قد يعطيها فرصة لإعادة تنمية علاقاتها مع مصر بعد الثورة".

لكن الشيخ استبعدت أن يحدث تغيير جذري في المواقف الروسية في الوقت الراهن: "لا أعتقد أن يكون هناك تغيير جذري في المواقف الروسية. فالمواقف السابقة مثلا بشأن إيران وموافقتها على قرارات مجلس الأمن الخاصة بإيران، جعلت موسكو تشعر بحجم الخسارة من جراء ذلك. روسيا هذه المرة تحاول إثبات استقلاليتها عن المواقف الغربية".

كما حذر ماثيو روجانسكي نائب مدير برنامج روسيا وأوراسيا بمعهد كارنيجي للسلام الدولي من تبعات أي محاولات من دول الغرب لتغيير وجهة النظر الروسي: "لا أعتقد أن أي ضغط من الغرب سيجعل روسيا أكثر نجاحا في هذا المجال. أعتقد أن هناك خطرا في أن يستفز أي ضغط من الغرب رئيس الوزراء بوتين وأعوانه. أعتقد حينئذ أن الروس سيأخذون جانب الأنظمة التقليدية على طول الخط".
XS
SM
MD
LG