Accessibility links

logo-print
يوم بعد يوم وجمعة بعد جمعة يستمر اعتصام قوى سياسية في ميدان التحرير بالقاهرة ومدن أخرى بمصر تحت مسميات مختلفة فهناك جمعة الإصرار وجمعة الثورة أولا وجمعة الشرعية وأخرى للاستقرار والهوية. وبعد أن كانت المطالب واحدة في الخامس والعشرين من يناير كانون ثاني تجتمع عليها قلوب كل القوى والمواطنين الذين قرروا النزول إلى الشارع، تشعبوا فرقا فمنهم من رأى إعطاء المجلس العسكري الذي يدير شؤون البلاد والحكومة الفرصة لاتمام مهمة تسليم البلاد إلى رئيس وبرلمان منتخبين وآخرون أصروا على البقاء في ميدان التحرير لتحقيق كل مطالب الثورة. محمد ناجي عضو ائتلاف شباب الثورة لخص في تصريح لراديو سوا الشقاق الذي حدث بعد يوم التنحي الشهير في فبراير شباط بالقول: "بعد تنحي مبارك عن الحكم تفرقت الناس. فبعض الجماعات فضلت أن تحصل على مكاسب سريعة ومنها الجماعات الإسلامية وهو ما جعلها تبتعد عن التوافق العام وتحقيق مطالب الثورة وعلى رأسها إسقاط النظام برمته. وبدأت هذه الجماعات في إجراء اتصالات مع المجلس العسكري ومن ثم ابتعدت عن التوافق الوطني".

لكن عاصم نصير من لجنة العلاقات الدولية والخارجية بحزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين، أكد لراديو سوا أن ما تشهد مصر الآن من تباين في الرؤى هو أمر محمود: "هذه هي حالة طبيعية بعد الكبت الذي عانى منه الشعب المصري قرابة ستين سنة. فهو يشعر الآن أنه قادر على التعبير عما يجول بخاطره. من حقه أن يتظاهر، من حقه أن يطالب بمحاكمة رموز النظام الفاسد. ثانيا، من الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في التعبير عن وجهات النظر، لكن هناك خطوطا عريضة الكل يتفق عليها. الأمر الأول هو محاسبة كل من تسبب في إفساد الحياة السياسية في مصر. الاختلاف هنا قد يكون في توقيت تحقيق هذه المطالب".

كما قال حسين منصور سكرتير مساعد المكتب التنفيذي لحزب الوفد إن ما يحدث الآن من تجاذبات هو أمر طبيعي. وأضاف لراديو سوا: "الثورة كائن حي يستمد وجوده من الذاكرة الجمعية عبر انتفاضاته المختلفة ومنحنيات الصعود والهبوط لتحركات الجماهير. ما يحدث في مصر أمر طبيعي جدا وأمر متوقع لأن الثورة ليست فيلما يبدأ وينتهي في ساعتين. الثورة هي تراكم للأحداث المختلفة".

الشباب المعتصمون في التحرير مصرون على تحقيق كل مطالب الثورة واضعين شعار الثورة أولا كما قالت هالة وهبة من شباب حركة العدالة والحرية والتي تختلف شكلا وموضوعا عن حزب الحرية والعدالة الإسلامي. واستطردت وهبة قائلة لراديو سوا: "المطلب الأساسي هو الثورة أولا، فمطالب الثورة لم تتحقق بعد. أما فيما يتعلق بمسألة الدستور أولا أم الانتخابات أولا، فإننا نحينا هذا الخلاف جانبا. ليست تلك هي المشكلة الآن".

ومن أبرز النقاط التي أثارت لغطا كبيرا بين الأوساط السياسية هل تتم صياغة الدستور أولا ثم الانتخابات أم العكس. لكن الشباب حاولوا تجنب هذا المنزلق كما أوضح محمد ناجي عضو ائتلاف شباب الثورة: "نحينا كل المطالب التي يمكن أن تختلف بشأنها القوى السياسية المختلفة. تجنبنا مسألة الانتخابات أولا أم الدستور أولا وهل نشكل مجلسا رئاسيا، لأن خلافا نشب بين القوى السياسية بشأن هذه القضية. رفعنا المطالب التي يمكن أن يتفق عليها الجميع".

وشدد حسين منصور القيادي في حزب الوفد على أن استمرار الاعتصامات هو أمر لا بد منه طالما لم تتحقق أهداف الثورة: "الضغط الشعبي يثمر والثورة الشعبية تثمر عبر ضغطها. أما الركون إلى الخمول فيؤدي إلى خمول في الجانب الآخر وهذا هو الذي يسبب القلق والشك. الشعب المصري يرى أن من حقه أن يحاسب كل هؤلاء".

وقال منصور إن البطء الذي شاب المرحلة الماضية نحو بناء الديمقراطية المصحوبة بعملية التطهير هو ما يثير القلق لدى الجميع: "المحاسبة متلكئة والتطهير بطئ. كل هذا يدفع الناس إلى الشعور بالقلق وأنه لابد أن يكون هناك رد، فضلا عن صدور قوانين انتخابات والأحزاب. والأمر المطروح الآن هو أن يكون هناك توافق بشأن الأولويات. والآن لم تتحدد بعد الآلية التي سيتم بها تفعيل اللجنة التي ستضع الدستور".

وهو ما اتفق معه عاصم نصير من لجنة العلاقات الدولية والخارجية بحزب الحرية والعدالة بالقول: "عرف الناس أن الشارع له تأثير في اتخاذ القرار. فإذا لم يستجب المجلس العسكري فهم يقررون النزول إلى الشارع باعتبار أن ذلك يضع ضغطا على المجلس العسكري والحكومة للاستجابة لمطالبهم. كان يتعين على المجلس العسكري والحكومة الاستجابة لطلبات الثوار والشعب منذ بداية الأمر. ما يزيد الامر تعقيدا هو التأخر في اتخاذ القرار".

كما أفاد وسام عطا من ائتلاف شباب الثورة بأن عملية تطهير أجهزة الدولة لم تتم حتى الآن. وقال عطا لراديو سوا: "من البديهي بعد أن قدمت مصر ألف ضحية وأكثر من عشرة آلاف مصاب أن يكون العائد قويا وليس تغييرا شكليا. يجب أن يكون هناك تغيير جذري حقيقي. أرى مثلا أن وزارة الداخلية تعمل بنفس الأسلوب القديم. ومن أجل إدارة المرحلة الانتقالية بشكل سليم يجب تطهير المؤسسات الحكومية وعلى رأسها الداخلية وقطاع الإعلام الذي يقوم بنفس دور الداخلية".

أما طارق عباس الكاتب الصحفي المصري فرأى أن بناء الديمقراطية على مدار الأشهر الماضية لم يرافقه هدم فعلي للنظام القديم. وقال عباس لراديو سوا: "إقامة نظام جديد حدث بالفعل وتمت مجموعة من الإجراءات الإصلاحية وعلى رأسها حل مجلسي الشعب والشورى والحزب الوطني جهاز أمن الدولة. لكن على المسار الآخر وهو اسقاط النظام - وهذا أمر مهم - حدث بناء للنظام الديمقراطي، بيد أنه لم يحدث إسقاط للنظام السابق بشكل كامل"

ودفع هذا التباطؤ البعض إلى التشكيك في المجلس العسكري والذهاب إلى أنه يسعى للبقاء في السلطة وقتا أطول. وحث وسام عطا من ائتلاف شباب الثورة المجلس على وضع جداول زمنية واضحة: "سبب المشكلة الآن هو القائم بإدارة المرحلة الانتقالية في مصر وأعني هنا المجلس العسكري. والسؤال الآن هل هناك أي مؤشرات بأن المواطنين قد يخرجون في مظاهرات شعبية ضد المجلس العسكري؟ الإجابة هي لا. ومن هذا المنطلق يجب أن تكون الحلول واقعية. إذاً الحل العملي هو تحديد مدة زمنية لتولي هيئة مدنية للرئاسة وتحديد جدول زمني لانتخابات مجلس الشعب".

ومن ناحيته، نفى اللواء محمد العصار عضو المجلس العسكري ورئيس هيئة التسليح بالجيش في تصريحات أدلى بها من واشنطن نية المجلس الاستئثار بالسلطة: "لسنا بديلا عن السلطة الشرعية. سندير الفترة الانتقالية لإعداد البلاد لتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة وديمقراطية وصياغة دستور جديد."

وأضاف العصار أن المجلس يسعى لتسليم السلطة بشكل ناجح:"نحن في فترة انتقالية. نريد أن نسلم السلطة بصورة ناجحة. ونسعى لتلبية مطالب الشعب كلما أمكن وبما تسمح به التحديات التي نواجهها."

ولعل ما بث القلق أكثر في نفوس المواطنين، تلك الاشتباكات التي وقعت في منطقة العباسية الحيوية بالقاهرة بين متظاهرين وآخرين قيل إنهم من أهالي المنطقة وقيل أيضا إنهم مأجورون. تلك الواقعة كانت شرارتها اتهامات أطلقها أحد أعضاء المجلس العسكري ضد حركة السادس من أبريل التي تعد ضمن قوى سياسية أخرى أطلقت شرارة الثورة.

ورجح حسين منصور القيادي في حزب الوفد أن يكون بعض من وصفهم بالبلطجية المأجورين من قبل فلول النظام السابق قد استغل تلك الأحداث: "هناك فصائل أخرى لا ترغب في استمرار الاعتصامات، وانضم إليها بقايا من فلول النظام البائد. وجدوا أنها فرصة للتنكيل بالمتظاهرين في ميدان العباسية. فتم تجميع البلطجية في منطقة العباسية".

كما قال طارق عباس الكاتب الصحفي والمحلل السياسي إن تلك الأحداث تأتي في إطار محاولات النظام السابق إحداث شرخ بين المواطنين: "هناك نظام كان من المفترض أن يتم اسقاطه لكنه لم يسقط. فبدأ يحارب ويستخدم كل قوته للحفاظ على مصالحه. ورأينا ما حدث في محاولة افتعال الفتن بين المسلمين والمسيحيين في حي إمبابة. كما شاهدنا محاولة تحويل الصراع إلى اشتباكات في الأحياء المصرية. وهذا ما حدث في التحرير والعباسية وميدان روكسي بمصر الجديدة". أما جمال الغيطاني الروائي المصري فرأى أن تلك التصريحات ما كان يجب أن تصدر من أحد المسؤولين في المجلس العسكري. وقال الغيطاني لراديو سوا: "هناك أشياء مريبة تحدث في مصر. ومن جهة أخرى كنت أتمنى ألا يخرج بعض القادة الكبار بحديث يوجهون فيه اتهامات مرسلة وبدون دليل. فإذا كان هناك اتهام وأدلة تدين طرفا من الأطراف، عليهم التقدم بها إلى القضاء. لكن الدخول في مهاترات بين المسؤولين الكبار والشباب الثائر الذي أبرئه من تهمة الخيانة, هو أمر محزن ومؤسف". محاكمة الرئيس السابق أيضا تظل مثارا للكثير من التجاذبات وهو ما دفع الغيطاني للتشديد على ضرورة الإسراع بمحاكمة رأس النظام السابق: "يجب محاكمة رأس النظام السابق علنيا. فأوامر القتل التي صدرت ضد الشباب أكبر من وزير الداخلية نفسه. وأرجو أن أذكر بما قاله قادة القوات المسلحة بعد أن انضموا للثورة، إنه صدرت إليهم أوامر بقتل المتظاهرين ورفضوا. من الذي يأمر القوات المسلحة آنذاك؟ إذاً لابد من محاكمة مبارك ونقله من شرم الشيخ إلى القاهرة". وأوضح حسين منصور القيادي في حزب الوفد أسباب بطء المحاكمات: "نشأ هذا البطء من التردد الذي يشوب طبيعة هذه المحاكمات. فلا يوجد قانون للمحاكمة السياسية لمن أفسد الحياة السياسية على مدى الثلاثين عاما الماضية. فهنا ينشأ نوع من الخلاف بشأن من يحاكَم؟ الذين نهبوا ثروات الوطن متعددون على مدى ثلاثين عاما. وهذا يثير الخلافات". وما بين المطالبات والانشقاقات تظهر بين الحين والآخر إعلانات عن تحالفات بين قوى سياسية تختلف في مرجعياتها وتتفق على أولوياتها. عاصم نصير من لجنة العلاقات الدولية والخارجية بحزب الحرية والعدالة أثنى على تلك المحاولات التوافقية بالقول: "يتعين على طوائف الشعب كلها أن تتوافق. وهذا يخدم مصالح مصر لأن أعداء الثورة ومصر من مصلحتهم تشتيت هذه الجهود. فإذا تكاتفت جهود القوى السياسية والتجمعات ومؤسسات المجتمع المدني واجتمعت على قلب رجل واحد فبالتأكيد أنه ستقدم مصلحة البلاد على أي مصلحة أخرى".

أما حسين منصور القيادي في حزب الوفد فشدد على أهمية تكاتف القوى السياسية في مواجهة الاحتقان الذي ينجم عن الاستقطاب الديني: "من المفيد أن يحدث توافق بين القوى السياسية المصرية لأننا شاهدنا يوم 19 مارس آذار وهو يوم الاستفتاء أن التيار الديني السياسي استغل الوضع وأطلق أشاعة أن المادة الثانية من الدستور سيتم إلغاؤها وتحول الأمر إلى حرب بين مؤمنين وكفار، بين مسلمين ومسيحيين. ومن ثم فإن الوصول إلى حالة من التوافق بين القوى السياسية، اليمين واليسار والتيار الديني السياسي والاتفاق على وثيقة مبادئ حاكمة لتعامل الجميع مع مصر الجديدة هو أمر جيد لأنه يؤدي إلى تهدئة هذا الاحتقان".

ويعتقد البعض أن القوى الإسلامية وعلى رأسها الإخوان الأقرب للفوز بالأغلبية في أي انتخابات. لكن طارق عباس المحلل السياسي له رأي آخر: "الرهان في الفترة القادمة سيكون على من يستطيع الوصول للناس في الشارع. من يتخيل أن الجماعات الإسلامية والإخوان تحديدا قادرون على الاستئثار بالفترة القادمة فهو لا يستوعب الأمر جيدا. أنا أرى أن ما يحدث الآن في مصر هو فرز لإظهار الوجوه الحقيقية لتلك التيارات وما تضمره. هذه التيارات كُشِفت الآن، ولا أعتقد أن لها قبولا في الشارع".

وفي التحرير تظل خيام ومنصات الاعتصام منصوبة ويتمسك المعتصمون بالبقاء مؤكدين أن رحيلهم عن الميدان لن يتم إلا بعد مجموعة من الخطوات كما أكد كل من محمد ناجي من شباب الثورة: "سيرحل من في التحرير عندما تتحقق مطالب الثورة وتوضع خطة واضحة لتحقيق تلك المطالب، وحينما تطلق يد الحكومة المدنية في إدارة البلاد ولا ينفرد المجلس العسكري بإصدار كل القوانين التي تحكم الفترة الانتقالية ويبدأ حوار مجتمعيا واسعا لوضع القوانين المتعلقة بمجلسي الشعب والشورى".
XS
SM
MD
LG