Accessibility links

logo-print
انتهت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان من وضع كتيب يحدد آليات حماية المدافعين عن حقوق الإنسان وتوفير الظروف المواتية لهم لأداء مهمتهم سواء كانوا أفرادا أو منظمات. الوثيقة الجديدة حملت اسم "تفسير للإعلان بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان" وتعرج في عدد من أبوابها على عدد من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها المدافعون عن حقوق الإنسان بما في ذلك حق الحماية والاجتماع والتعبير والاتصال بالمنظمات الدولية.

وقال أحمد سميح مدير مركز الأندلس لدراسات حقوق الإنسان في مصر إن تلك الوثيقة تأتي لتذكير الحكومات بتلك الحقوق في وقت قد يكون البعض تناساها. وأضاف سميح لراديو سوا: "المنظمة الدولية أصدرت إعلانا تؤكد فيه حق المدافعين عن حقوق الإنسان في العديد من القضايا لتعيد تذكير الدول أن العاملين في هذا المجال لهم حقوق أساسية. كما تعيد التذكير بحقوق أساسية أخرى مثل حرية التظاهر وإنشاء جمعيات والرأي والتعبير. من الواضح أن العديد من دول العالم أصبحت تتناسى تلك الحقوق كمفاهيم أساسية لحقوق الإنسان".

ويخرج هذا الدليل الجديد إلى النور في وقت تموج منطقة الشرق الأوسط بتقلبات هائلة سواء لصالح المطالبين بالحريات أو الأنظمة التي أحكمت قبضتها أكثر ردا على احتجاجات هنا أو مظاهرات هناك. ويضع كل هذا تحديات جمة أمام المدافعين عن حقوق الإنسان في المنطقة كما أوضح سميح: "أبرز المشكلات التي تواجههنا في عملنا هو كيف تتعامل الدولة مع حقوق الإنسان سواء كانوا أفرادا أو منظمات. الدول العربية تتعامل معنا على اعتبار أننا تهديد للأمن الوطني لهذه البلاد. بعض الدول تتهم النشطاء الحقوقيين بأنهم أداة في يد الغرب أو أنهم عملاء للغرب. كما تنظر بعض الدول بكثير من الشك والريبة للتقارير التي تصدرها المنظمات الحقوقية المختلفة".

كما قال محمد قاسم نعمان رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان إن الحكومات تنظر إليهم وكأنهم حزب معارض. وأضاف لراديو سوا: "الحكومات مع الأسف تتعامل مع المنظمات الحقوقية كتعاملها مع الأحزاب السياسية المعارضة. فهي تعتبر هذه المنظمات كيانات معارضة لها". ووافق أنور الرشيد الناشط الحقوقي الكويتي

على أن المدافعين عن حقوق الإنسان العرب يواجهون مصاعب جمة قائلا لراديو سوا: "مع الأسف الشديد المشاكل التي تواجه المدافعين عن حقوق الإنسان في المنطقة العربية بشكل عام هي مشاكل ومعوقات كثيرة. فيتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان إلى مضايقات جمة في الدول العربية التي تقع بها انتهاكات لحقوق الإنسان بشكل دائم". ووصفت أمينة بوعياش رئيسة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان مجال الدفاع عن حقوق الإنسان بأنه محدود للغاية. واستطرت قائلة لراديو سوا: "الدفاع عن حقوق الإنسان يواجه عوائق سياسية بحكم المحدودية التي يعاني منها هذا المجال في العمل. كما يواجه المشتغلون في هذا المجال تضييقا في تنظيم اجتماعاتهم وتظاهراتهم".

وتختلف طبيعة العوائق من بيئة لأخرى وبلد لآخر ففي دولة كالسودان وضعت الصراعات التي تشهدها البلاد هناك تحديات كبرى أمام المنظمات والأفراد المعنيين بحقوق الإنسان كما أفاد صالح محمود عثمان الباحث والناشط الحقوقي السوداني لراديو سوا: "الحرب الطويلة في جنوب السودان أفرزت واقعا مؤلما فيما يتعلق بحقوق الإنسان، هذا علاوة على الحرب الدائرة في دارفور. كل هذا أدى إلى وقوع الكثير من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. كذلك مصادرة الحريات في الجزء الشمالي من السودان مما أدى إلى التضييق في الحريات العامة".

كما تطرق عثمان إلى صعوبة أخرى تتمثل في صعوبة ملاحقة بعض مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان: "يعاني النشطاء في مناطق النزاعات الأمرين. فهناك صعوبة في الوصول إلى مؤسسات العدالة لأنه هناك قوانين تمنع ذلك خاصة إذا كان المتهمون ينتسبون إلى جهات حكومية. هناك ترسانة من القوانين تمنح هؤلاء الأفراد حصانات مطلقة".

ونبه محمد قاسم نعمان رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان إلى ضرورة توعية المواطن بحقوقه قبل الحديث عن مدى استجابة الحكومات والمجتمعات لتلك القضية: "نقوم بعملية نشر التوعية بالحقوق السياسية، كما نركز على الحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وبالتالي فإن توعية المواطنين تأتي في مقدمة عملنا ومن ثم يتاح للناس فرصة المطالبة بحقوقهم بعد أن يعرفوا ما هي تلك الحقوق. لكننا لا نستطيع أن نتحدث عن قضية الدفاع عن حقوق الإنسان والمواطنون لا يعلمون عن تلك الحقوق شيئا".

لكن أمينة بو عياش رئيسة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أشارت إلى عدم وجود وعي ثقافي واجتماعي بمصطلح حقوق الإنسان وهو ما يصعب من عمل المدافعين عن تلك الحقوق: "هناك عائق ثقافي بحكم أن هناك اعتقادا بأن كل ما هو يتعلق بحقوق الإنسان هو غربي ولا صلة له بمجتمعاتنا العربية الإسلامية. كما أن هناك عائقا اجتماعيا لأن مفهوم حقوق الإنسان هو مفهوم جديد في منطقتنا العربية يتطور يوما بعد يوم".

بيد أن أنور رشيد الناشط الحقوقي الكويتي قال إن هناك تطورا في الوعي العربي بشأن مسألة حقوق الإنسان: "غياب المعرفة بمسألة حقوق الإنسان هي أمر نسبي من بلد عربي لآخر. اليوم تجد كلمات حقوق الإنسان ومنظمة حقوق الإنسان وجمعية حقوق الإنسان دارجة في الفضاء العربي بشكل عام لو قارنتها بعشر سنوات مضت. اليوم ازداد الوعي بمسألة حقوق الإنسان".

التشكيك في نوايا المدافعين عن حقوق الإنسان والجهات التي تقف وراءهم هي أحد التحديات والاتهامات أيضا التي تواجههم والتي قد تسبب شرخا بين هؤلاء والمواطنين. وهو ما وصفه محمد قاسم نعمان رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان بأنه حيلة قديمة: "فيما يتعلق بمقولة إن هذه المنظمات تُدَعم من قبل منظمات دولية وإلى أخره، هذا أصبح إدعاءً قديما لا يمكن الوقوف عنده".

كما نفى أحمد سميح رئيس مركز الأندلس لدراسات حقوق الإنسان وجود تباعد بين الناشط الحقوقي والمواطن: "في الواقع العملي وبعيدا عن الواقع الإعلامي الشرخ لا يحدث بالمرة لأن المواطن العادي يكتشف أن الذين يقفون بجواره هم النشطاء الحقوقيون. وعندما يلجأ المواطنون للمؤسسات الحقوقية يكتشفون أنها بعيدة عن كل الإدعاءات التي يسمعونها عبر وسائل الإعلام المختلفة أو التي تروجها الأجهزة الأمنية المختلفة، لأن الناشط الحقوقي يعمل دون النظر إلى حسابات سياسية أو مادية".

وقال صالح محمود عثمان الناشط الحقوقي السوداني إن المواطنين يتعاملون معهم بشكل طبيعي رغم وجود قضايا منظورة في المحاكم بشأن تخوين عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان: "هذا المفهوم في السودان غير موجود إلى حد كبير. فالنشطاء هم أناس عاديون يعملون بشكل طبيعي في مناطق مختلفة في السودان. لكن هناك بلاغات قيد النظر في المحاكم تشكك في تلك المنظمات".

وأوضحت أمينة بوعياش رئيسة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن النشطاء الحقوقيين يستطيعون التأثير على الرأي العام إذا ابتعدوا عن الاستقطابات السياسية. وأضافت بوعياش: "تلك القوة التي يمكن أن يولدها عدم التصاقهم بالآراء السياسية تمنحهم الفرصة لتكوين رأي عام يدافع عن فكرة حقوق الإنسان وعن ضحايا حقوق الإنسان ويدفع نحو مراجعة عميقة للقوانين المتعلقة بمسألة حقوق الإنسان". ولفتت بوعياش إلى أنهم نجحوا في الدفع نحو أن تكون حقوق الإنسان

هي مرجعية الإصلاح: "نحن نجحنا في أن تكون حقوق الإنسان هي المرجعية للإصلاح والمرجعية لإعادة النظر في تدبير الشأن العام وتغيير السياسات وأن يكون للمواطن صوت في الشأن العام".

كما أشار أحمد سميح الناشط الحقوقي المصري إلى أن كراهية الأنظمة للحقوقيين تعني أنهم نجحوا في مهمتهم: "كلما كرهتنا الحكومات والأنظمة العربية، كلما أثبتنا للآخرين أننا كنا ناجحين. لأننا لو كنا نتمتع بحرية تامة ونعمل في أجواء مريحة، فسيتنافى هذا مع عملنا بشكل أساسي".

ويواجه المدافعون عن حقوق الإنسان مشكلة من نوع آخر وهي المنظمات الحقوقية الحكومية. وقال أنور الرشيد الناشط الحقوقي الكويتي في هذا الشأن: "هناك إشكالية أخرى وهي أن معظم الأنظمة العربية أنشأت منظمات للدفاع عن حقوق الإنسان تحت مسميات مختلفة. وتدعم الأنظمة هذه المنظمات كي تصدر تقارير مخالفة للتقارير التي تصدرها الجمعيات غير الحكومية الجادة في الدفاع عن حقوق الإنسان، وترفع تقاريرها أيضا للمنظمات الدولية".

كما قال محمد قاسم نعمان الناشط الحقوقي اليمني إن تلك المنظمات لا تخدم حقوق الإنسان على الإطلاق: "السلطة حرصت على أن تخلق العديد من المنظمات تحت هذا المسمى. لكن أهدافها غير معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان بقدر ما كان أهدافها تمييع المطالب المتعلقة بحقوق الإنسان".

وطالب نعمان بوجود قوانين واضحة تنظم عمل منظمات حقوق الإنسان: "من الأهمية بمكان أن تكون هناك قوانين تتولى حماية المدافعين عن حقوق الإنسان. هذا أمر طبيعي ومشروع". لكن أحمد سميح مدير مركز الأندلس لدراسات حقوق الإنسان ألمح إلى أن التعاون الحقيقي أهم من أي قوانين: "التعاون مع الحكومات لتحقيق الغرض الأهم لدى المنظمات الحقوقية وهو حدث تشبع حقوقي كامل في المجتمع، هو أمر مهم. وأعتقد أنه أكثر أهمية من أي تشريعات أو قوانين".

ونبه أنور الرشيد الناشط الحقوقي الكويتي إلى القوانين تظل بلا طائل إذا كانت الأنظمة قادرة على التحايل عليها: "من الصعوبة لدى الأنظمة الاستبدادية أن تسن قوانين تشجع وتؤيد حقوق الإنسان. وبالتالي فإن العبرة ليست بصدور القانون وإنما قد تكون العبرة بتطبيق هذا القانون. نحن ندرك المراوغات التي تستخدمها الأنظمة العربية للتحايل على هذه القوانين".

وهو ما اتفق معه صالح محمود عثمان الناشط الحقوقي السوداني الذي ضرب مثلا ببلاده: "تكمن المشكلة في طبيعة نظام الحكم. أعتقد أن السودان الذي يتميز بالتعدد العرقي والثقافي والديني، وبالتالي فإن نظام الدولة المدنية الذي يحترم حقوق الإنسان ويسود فيه حكم القانون هو الأفضل للسودان. لكن أي نظام يستند على فكر أحادي فإنه لن يفيد السودان في ظل هذا التنوع، ومن ثم تكمن المشكلة أمام الدفاع عن حقوق الإنسان في غياب المؤسسات الديمقراطية".

وتطرق محمد قاسم نعمان إلى مسألة عدد المنظمات والمدافعين عن حقوق الإنسان مشيرا إلى أن تطوير أداء الناشطين الحقوقيين هو الأهم الآن: "إذا كنا نتحدث عن الأعداد فإنها كبيرة. لكننا لا نركز على العدد بل النوع. فلهذا نحن نقول إننا بحاجة ماسة لتوسيع الحضور النوعي للمدافعين عن حقوق الإنسان وهذا لن يتحقق إلا بتطبيق برنامج واسع في المنطقة العربية من أجل تعزيز دور المنظمات والمدافعين عن حقوق الإنسان من أجل تشجيع هذه المنظمات وتمكينها من تأدية دورها".

وحدد أنور الرشيد الناشط الحقوقي الكويتي مجموعة من الخطوات لتعزيز دور الحقوقيين: "العمل في هذا المجال يجب أن يستمر على كافة المستويات من خلال ورش عمل أو محاضرات أو مؤتمرات تعطي المتلقي فكرة عن كيفية محافظته على حقوقه الإنسانية".
XS
SM
MD
LG