Accessibility links

logo-print
وبدأت المحاكمة التاريخية، جملة ترددت كثيرا في وسائل الإعلام على مدار الأيام الماضية بعد ظهور الرئيس المصري السابق حسني مبارك في قفص الاتهام برفقه ولديه وعدد من معاونيه أمام محكمة مدنية، حيث وُجِهت له اتهامات بالتسبب في قتل متظاهرين والتربح بصورة غير مشروعة.

المحاكمة تأجلت لكنها تظل علامة فارقة في طريق المصريين نحو بناء ديمقراطيتهم الجديدة. كما أنها تشكل نقطة تحول في تاريخ المنطقة العربية.

ورغم اكتمال إجراءات الجلسة الأولى في تلك المحاكمة التي بثت عبر شاشات التلفزيون وتابعها الملايين في كل مكان، إلا أن البعض يرى أنها كانت معيبة ومنهم أسعد هيكل أحد المحامين الذين يمثلون أسر ضحايا الثورة المصرية وعضو المكتب التنفيذي للجنة الحريات بنقابة المحامين. وقال هيكل لراديو سوا: "لنا كثير من التحفظات على الجلسة الأولى. فكل من تابع تلك المحاكمة يجد أن القاضي رئيس المحكمة كان إلى حد ما متحاملا على محاميي أهالى الشهداء والمصابين. فلم يُمَّكِن محاميي أهالي الشهداء من اثبات حضورهم كما هو متبع، بينما أعطى الفرصة كاملة لمحاميي المتهمين. هذا الأمر أصاب المدعين بالحق المدني بالتوتر وأظهرهم بالصورة السلبية التي بدوا عليها. أضف إلى ذلك أن عددا كبيرا من المحامين لم يتمكن من دخول قاعة المحكمة".

وفي المقابل، انتقد يسري عبد الرازق رئيس هيئة المحامين المتطوعين للدفاع عن الرئيس السابق وجود عدد كبير من المحامين الذين يمثلون أسر الضحايا الذين يُعرَفون باسم المدعين بالحق المدني. وقال عبد الرازق لراديو سوا: "لا مبرر لوجود عدد كبير من المدعين بالحق المدني. فمن حضر بادعاء أنه يحمل توكيلا، عمن تحديدا يحمل هذا التوكيل؟ وما الذي يثبت أن موكله كان شهيدا؟ يمكن أن يكون أحد السجناء الهاربين أو البلطجية الذين اقتحموا مراكز الشرطة. ولم يصدر حتى الآن بيان رسمي يوضح عدد الشهداء ومن هم وكيف استشهدوا".

أما محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة الأسبق فأكد أن المحاكمة تسير بشكل عادي رغم أهميتها. وأضاف الجمل لراديو سوا: "يجب أن نقول إنه تم في هذه المحاكمة استخدام القواعد العادية للمحاكمات حيث أنها ليست محاكمة عسكرية أو استثنائية. هي محاكمة عادية أمام محكمة الجنايات وطبقا للقانون العادي وقانون العقوبات".

وتقدم محامو الجانبين بعدد هائل من الطلبات وهو ما ربطه الجمل بالطبيعة الاستثنائية لتلك المحاكمة: "المحاكمة لها طبيعة هامة جدا وبالتالي فإن الطلبات أخذت منحٍ غير عادي في بعض جوانبها ومنها طلب سماع شهادة كل الشهود وعددهم يتجاوز ألفا وثمانمائة شاهد. كل هذه الطلبات تخضع لتقدير المحكمةـ لأنها يجب أن تكون منتجة في الدعوى ولها صلة بالاتهام سواء اثباتا أو نفيا".

ورأى يسري عبد الرازق رئيس هيئة المحامين المتطوعين للدفاع عن الرئيس السابق أنه لا توجد أدلة كافية تدين مبارك. وأضاف عبد الرازق: "هل توجد حجج قانونية تثبت إدانة الرئيس. فهذه المحاكمة تمت تحت ضغط شعبي، ولذا فبعد اطلاعنا على القضية نرى أن كل هذه ادعاءات بسيطة".

أما أسعد هيكل أحد أفراد المحامين الممثلين لأسر ضحايا الثورة فأشار إلى أن الحقوق الممنوحة لهيئة الدفاع في قضية كهذه تجعل الفصل فيها أمرا صعبا: "الفصل في هذه القضية بحكم نهائي لن يكون بالأمر السهل بل سيستغرق وقتا طويلا تتخلله جلسات عديدة يستعرض فيها المحامون كافة الجوانب خاصة دفاع المتهمين. وقانون الإجراءات الجنائية يعطي الحق لدفاع المتهمين بأن يناقشوا شهود الاثبات في هذه القضية وأن يبحثوا عن أي طلبات أو دفوع تحقق مطالبهم".

وقال هيكل إنهم عاقدو العزم على تطوير أدائهم بشكل أفضل في القضية من خلال سلسلة من الإجراءات: "نحن الآن بصدد عقد اجتماعات مستمرة وورش عمل. كما أن هناك غرفة عمليات تتولى دراسة القضية. هناك عدة لجان نوعية تتولى البحث والتدقيق والفحص والطلبات وأشكال المرافعة. نحن لدينا عزم وإصرار في المرحلة القادمة أن نؤدي أداءً أفضل مما سبق".

وفي المقابل، أوضح يسري عبد الرازق رئيس هيئة المحامين المتطوعين للدفاع عن الرئيس السابق أنهم سيحركون دعاوى أخرى لصالح مبارك: "سيكون لنا أكثر من دور في المرحلة القادمة. فنناقش مثلا ما عرضه النائب العام بشأن عدم امتلاك الرئيس السابق للثروات الباهظة التي تحدثت عنها وسائل الإعلام. وسيكون دورنا هو مقاضاة من ادعوا هذه الادعاءات الكاذبة".

ووسط هذه التجاذبات توقع محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة الأسبق أن يستغرق النظر في القضية نحو شهرين: "يمكن أن تستغرق المحاكمة مع كثرة الطلبات والمستندات الخاصة بالتحقيقات ما لا يقل عن شهرين".

وعن الأحكام التي قد تصدر بحق الرئيس السابق ومعاونيه في حالة إدانتهم، قال الجمل: "بالنسبة لقضية قتل المتظاهرين فهي تتوقف على اثبات أن الرئيس السابق ووزير داخليته السابق ومعاونيه قد أصدروا الأمر باطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، أو أنهم علموا بما يجري ولم يتخذوا أي إجراء لمنع العدوان على المتظاهرين. وهذه الجريمة عقوبتها الإعدام أو الأشغال الشاقة والسجن المؤبد. قضايا التربح لها عقوبة خاصة وهي الأشغال الشاقة أو السجن".

وأعرب عدد من شباب الثورة عن رضاهم إزاء مثول الرئيس السابق أمام المحكمة، لكن بعضهم لا يحبذ تضخيم الأمر بحيث يطغى على مسائل مهمة أخرى. وقال محمد دياب أحد أعضاء ائتلاف شباب الثورة لراديو سوا في هذا الشأن: "الزخم الذي تحظى به المحاكمات هو أمر أكثر من اللازم. فأي ثورة يكون لها أكثر من وجه فتبدأ بالهدم ثم البناء والمحاسبة قد تأتي في الأخير. لكن ما أراه الآن هو أخر شيء يتم النظر إليه هو البناء. لا أقول أنه لا يجب أن تكون هناك محاسبة، لكن يجب أن يأخذ كل شيء حجمه الطبيعي".

كن دياب أقر بأن القضية ترمز إلى محاكمة نظام كامل: "تحولت هذه المحاكمة من مجرد محاكمة لمبارك إلى محاكمة لنظام بأسره طوال الثلاثين عاما الماضية. إذاً فالإدانة سوف تعني إدانة هذا النظام قانونيا. أما التبرئة فقد تعني أن هذه الثورة لم تقم على أسس سليمة".

وقال دياب إنه إذا لم تتم إدانة مبارك فسيكون لذلك انعكاسات خطيرة: "الشارع يتمنى إدانة الرئيس. وإذا لم يتم ذلك فلسوف تقع مشكلة كبرى. لكنا إذا وثقنا في القضاء فإننا سنقبل أي حكم أيا كان".

بيد أن أسعد هيكل عضو الهيئة التنفيذية للجنة الحريات بنقابة المحامين قال إن المحاكمة تلقي بظلال إيجابية على المشهد السياسي في البلاد: "محاكمة مبارك بثت نوعا من الإيجابية لهذه الثورة وجعلتنا نشعر أن الثورة تسير على الطريق الصحيح لاسيما عند رؤية مبارك داخل قفص الاتهام وهو كسر تلك القدسية التي كان تضفى على هذه الرجل طوال السنوات الماضية. أعتقد أنها جعلت الشعب يدرك أن ما حدث في الماضي لن يتكرر وأن الأمور تسير إلى الأمام".

لكن يحيى قلاش الكاتب الصحفي المصري نبه إلى غياب تهمة مهمة عن تلك القضية وهي الفساد السياسي. وقال قلاش لراديو سوا: "أتصور أنه رغم المحاكمة، فإن الكثير من المصريين يعتقدون أن تلك المحاكمة لن تكون ناجحة لأن هناك اتهامات بالفساد السياسي وهو الأساس في الموضوع لكنه غائب عن المشهد في محاكمات كبار المسؤولين وفي مقدمتهم مبارك. وأعتقد أن هذا هو الشرط الوحيد الذي يعكس مصداقية التعامل مع المستقبل".

كما أشار إلى أن محاكمة مبارك قد لا تكون كافية في ظل تزايد حالة من غياب الثقة بين من يديرون شؤون البلاد والثوار: "رغم أن مشهد محاكمة مبارك انجاز كبير لكنه لا يكفي لامتصاص حالة الغضب بين الثوار وأهالي الشهداء، لأنه لا نستطيع أن ننزع مشهد المحاكمة عن الاحساس بعدم الثقة الذي ساد طوال الشهور الماضية بين الثوار ومن يديرون البلاد. فهناك فجوة بين الثوار وصناع القرار".

ووسط كل هذه التجاذبات والتوقعات، ما هي توقعات رجل الشارع بشأن ما ستؤول إليه تلك المحاكمة؟ مايكروفون راديو سوا استطلع آراء عدد من المواطنين. وقال هذا المواطن: " أعتقد أنهم سيتلاعبون بنا ولن تتم محاكمة مبارك. أعتقد أنه قد يموت قبل إصدار الحكم".

أما هذا المواطن فشدد على ضرورة إدانة مبارك: "يجب أن يصدر حكما ضد مبارك. لقد عذبنا طوال السنوات الماضية".

وكان لهذه السيدة رأي آخر: "أعتقد أن حكما مخففا سيصدر ضده".

كما توقعت سيدة أخرى أن يحصل على حكما بالبراءة: "أعتقد أن الجيش لن يتخلى عنه فهو واحد منه، لذا سيرأف بحاله وسيحصل على حكم بالبراءة".

إيريك تريجير المحلل السياسي بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى قال إن كل تلك المعطيات تدفع نحو انتهاء المحاكمة بقرار إدانة لمبارك ومعاونيه. وأضاف لراديو سوا: "أتوقع أن تتم إدانته لسببين. السبب الأول كما أطلعني أحد الناشطين السياسيين الذين تحدثت إليهم هو أن مبارك كان رئيسا لنظام مغرق في الفساد وعليه فيجب أن تكون هناك أدلة على وقوع فساد مالي وسياسي. السبب الثاني هو أنني أعتقد على الصعيد السياسي أنه سيكون من الصعب على القيادة العسكرية التي تحكم البلاد الآن أن تترك مبارك يفلت من العقاب وألا تتم إدانته، فهذا سيقوض من شرعية تلك القيادة".

ورأى تريجير أن إدانة مبارك تجعل أي محاولات لتعبئة مظاهرات حاشدة في المرحلة القادمة على غرار ما حدث في يوليو تموز الماضي، أمرا صعبا: "نفد صبر أغلب المصريين من مبارك. والآن وبعد أن رحل ويخضع للمحاكمة التي قد تفضي إلى إدانته فإنه سيكون من الصعب على نفس النشطاء الشبان النزول إلى الشارع مجددا. فالشيء الوحيد الذي اتفق عليه المصريون جميعا هو أن مبارك زعيم سيء وكان يتعين عليه أن يرحل وما كان يجب السماح له بتوريث ديكتاتوريته لابنه".

وألمح المحلل السياسي بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى بعد آخر وهو الانقسامات بين القوى السياسية الفاعلة على الساحة: "بالنسبة للقضايا الأخرى المتعلقة بمستقبل مصر فإن هناك انقسامات كبيرة. فمن الصعب الدفع نحو رؤية واضحة للتغيير في ظل وجود تباينات في رؤى التغيير بين المصريين".

لكن أسعد هيكل عضو الهيئة التنفيذية للجنة الحريات بنقابة المحامين توقع أن يتبدد التباطؤ وتتحرك الأمور نحو الأفضل: "قد يكون التباطؤ الذي شهدته الفترة السابقة هو ما بث الشعور بالقلق في نفوس البعض. لكن في ظل الإجراءات التي تمت مؤخرا وعلى رأسها تحديد موعد الانتخابات البرلمانية القادمة بالإضافة إلى انتخابات رئيس الجمهورية، أعتقد أن الأمور ستتحدد بشكل افضل وستتجه نحو الاستقرار. ونأمل في الأيام المقبلة أن تتحقق جميع مطالب الثورة". وقال محمد دياب عضو ائتلاف شباب الثورة إن التركيز الآن يجب أن ينصب على البناء بعد أن تنفضّ كل المظاهر التي تشهدها المرحلة الراهنة بما في ذلك المحاكمات: "كان هناك اجتماع مؤخرا مع مجموعة من الشباب، كما نعقد كل فترة اجتماعات مماثلة نحاول من خلالها أن نصيغ مبادرات ومقترحات يشعر بها رجل الشارع ومنها مشاريع تنموية كثيرة وحملات توعية بما في ذلك حملة لتنشيط قطاع السياحة في مصر. نحاول أن يكون البناء هو التوجه العام لمصر بعد أن تتوقف كل الأمور التي قد تشتت أذهاننا بما في ذلك المحاكمات".

XS
SM
MD
LG