Accessibility links

logo-print
منذ بدء الاحتجاجات والمظاهرات في سورية، لم تتوقف عجلة العنف ففي كل يوم يعلن معارضون وحقوقيون عن سقوط مزيد من القتلى بسبب العمليات التي يشنها الجيش والأمن السوريان ضد عدة مدن وبلدات. أما السلطات فتؤكد أنها تلاحق مسلحين وعناصر مثيرة للشغب. تلك التطورات المتلاحقة رافقتها مواقف دولية وإقليمية بدأت بدعوات لوقف العنف ولوحت بسلاح العقوبات والحصار وتقليل التعاون الدبلوماسي إلى أن وصلت للمطالبة بشكل مباشر بتنحي الرئيس بشار الأسد.

فخرج الرئيس باراك أوباما ليعلن هذا الأمر في بيان ليأتي بعده تأكيد على نفس المطلب على لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي قالت في مؤتمر صحفي: "دعا الرئيس اوباما الاسد للتنحي واعلن سلسلة جديدة من العقوبات هي الأكثر صرامة حتى الآن ضد الحكومة السورية. هذه العقوبات تطال قطاع الطاقة، لزيادة الضغط على النظام.

لقد بدأ الانتقال نحو الديمقراطية في سورية، لذا فإن الوقت قد حان كي يتنحى الأسد".

المعارضة السورية رحبت بمواقف الأسرة الدولية الأخيرة ومنهم محمد العبد الله الناشط السياسي السوري المقيم في واشنطن. لكنه قال لراديو سوا إن تلك المواقف والتصريحات التي يطلقها مسؤولون من عواصم العالم غيرُ كافية: "بطبيعة الحال تلك التصريحات جيدة وبعضها ممتاز ويخدم المساعي التي نقوم بها من أجل الضغط سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا على النظام. لكن هذه التصريحات لا تترافق بأفعال بنفس الوتيرة والسرعة، لذلك يصاب الشعب السوري في بعض الأحيان بالإحباط نتيجة لإصدار تصريحات لا ترافقها أفعال في بعض الأحيان".

أما حسن عبد العظيم الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورية فيرى أن المواقف الدولية مفيدة. وأضاف لراديو سوا: "نحن نعتبر أن الضغط العربي والإقليمي والدولي هو ضغط سياسي يمكن أن يخفف من حدة العنف ويفيد القضية".

كما قال محمد العبد الله الناشط السياسي السوري إن تطور المواقف الدولية يعكس المكاسب السياسية التي حققتها الحركة الاحتجاجية: "في المجمل، الضغوط السياسية تتحسن. للأسف هناك خسائر بشرية عالية جدا في سورية. لكن يواجه هذه الخسائر مكاسب سياسية كبيرة جدا للثورة وخسائر سياسية كبيرة جدا لنظام الأسد".

وأشار مسعود ديلمي المحلل السياسي الجزائري المقيم في باريس إلى أن المواقف الدولية بشأن سورية مرت بثلاث مراحل. وقال لراديو سوا: "المرحلة الأولى كانت نوعا من الضغط الدبلوماسي وتصريحات وما إلى ذلك. وبعد ذلك جاء الضغط التركي. أما المرحلة الثالثة فهي الضغط السعودي".

لكن مايكل سينج مدير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى نبه إلى أن دور المجتمع الدولي يجب أن يكون أكثر فعالية. وقال سينج لراديو سوا: "يجب أن يكون هناك المزيد من الضغط المثمر. أعتقد أن المجتمع الدولي لا يتعامل مع هذه القضية كوحدة متناغمة للضغط على نظام بشار الأسد لإنهاء العنف الذي يمارسه ضد شعبه. أظن أنه يجب تشكيل مجموعة عمل دولية للتنسيق فيما بينها بشأن سياسة التعامل مع سورية ولاتخاذ إجراءات متفق عليها ضد النظام السوري".

وبعد الإعلان الأميركي بشأن تنحي الأسد، حذا الاتحاد الأوروبي حذو واشنطن ليطالب هو الآخر بتنحي رأس النظام السوري. هذه المواقف تأتي بعد أن أعربت دول مجلس التعاون الخليجي عن انزعاجها من العنف الذي تشهده سورية واستدعت السعودية والكويت سفيريهما من دمشق. وفسر سينج تلك المواقف قائلا: "أعتقد أنهم يئسوا من الرئيس الأسد. وبالتالي فإن الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها بعض تلك الدول بسحب سفرائها وتبني مواقف أكثر حزما إزاء العنف الذي تشهده سورية، تشير إلى أنها تعتقد أنها لم تعد قادرة على إقناع الأسد بتغيير أساليبه".

وأوضح وحيد حمزة هاشم استاذ العلوم السياسية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة أن الأمر قد لا يتوقف عند هذا الحد. وقال لراديو سوا: "استدعاء السفير السعودي رسالة واضحة قد تتلوها خطوات أخرى. على سبيل المثال، قد يكون هناك طرد للسفير السوري أو تقليل لحجم البعثة الدبلوماسية السورية، وضغوط اقتصادية بوقف المساعدات والمعونات وأي شكل من أشكال التعاون".

وقال حسن أبو طالب نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة إن الموقف السعودي كسر الصمت العربي إزاء سوريا. وأضاف لراديو سوا: "الموقف الخليجي والموقف السعودي تحديدا نستطيع أن نصفه بأنه كسر الصمت العربي الذي التزمت به كل الدول العربية وبما في ذلك الجامعة العربية إزاء ما يحدث في سوريا. وهذا الصمت كانت له أسبابه، فقد كان بمثابة إعطاء مهلة للقيادة السورية لكي تعالج الأوضاع وتثبت أنها قادرة على ضبط الأوضاع الأمنية وإجراء الإصلاحات المطلوبة".

بيد أن وحيد حمزة هاشم استاذ العلوم السياسية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة نبّه إلى أن الدول العربية تظل في تعاملها مع الأزمة السورية أمام معضلة كبرى: "هي معضلة سياسية واجتماعية وأمنية في العالم العربي تعكس ما يسمى بمعضلة شرعية الحكم في الدول العربية كافة. المواقف العربية تتراوح وتتباين من دولة لدولة والأسباب مختلفة، إما للعلاقات الثنائية بين تلك الدول والنظام السوري أو لوجود أعراف عربية سياسية تجمع ما بين القيادات السياسية".

وقال هاشم إن مجمل المواقف العربية يظل أقل من المتوقع: "من الواضح أن معظم ردود الفعل العربية لم تكن بالمواقف الفاعلة التي يمكن أن تساهم في إيقاف العنف".

ويبقى الموقف التركي هو الأبرز سواء بسبب التصريحات المتبادلة بين دمشق وأنقرة، أو عند النظر لطبيعة التقارب السياسي والجغرافي بين البلدين. وتوقع إسلام أوسكان المحلل السياسي التركي أن تشهد الفترة القادمة مزيدا من التصعيد التركي ضد النظام السوري. وقال لراديو سوا: "في المرحلة الأولى من اللقاءات مع بشار الأسد كانت هناك بعض الشروط، أولها انسحاب الدبابات السورية من حماة. صحيح أن الدبابات انسحبت من مدينة حماة لكنها دخلت مدنا أخرى. بعد ذلك جاء المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية أحمد داوود أوغلو الذي قال بشكل واضح جدا إن هذه التحذيرات هي الأخيرة، فإذا واصلت السلطات السورية سياستها القمعية تجاه المدنيين العزل فإن تركيا ستتعامل مع النظام السوري بشكل مختلف. وبالتالي سيكون هناك تصعيد في المرحلة المقبلة".

كما تحدث أوسكان عن الدور التركي في دعم المعارضة السورية: "منذ البداية قدمت تركيا تسهيلات كثيرة جدا للمعارضة السورية. فعقد اجتماع في أنطاليا للمعارضة ولقاءان في استنبول. وهناك تقديم دعم من قِبَّل الحكومة التركية للمعارضة السورية وهناك علاقة لا بأس بها مع المعارضة السورية. أعتقد أن تركيا ستواصل علاقتها هذه مع المعارضة".

وأثنى محمد العبد الله الناشط السوري المعارض المقيم في واشنطن على أهمية الدور التركي في هذه المرحلة: "بدون شك الدور التركي أساسي كونها دولة حدودية، كما أنها تستضيف عددا كبيرا من اللاجئين. والأهم من ذلك أن تركيا تستطيع أن تساعد في العقوبات الاقتصادية. فتركيا قطعت علاقات تجارية كبيرة مع شخصيات في النظام لأنها شخصيات فاسدة وتشارك في عمليات القمع أو في تمويل تلك العمليات".

وعلى ضوء تلك المواقف رأى مسعود ديلمي المحلل السياسي المقيم في فرنسا أن هناك تنسيقا ثلاثيا في المرحلة القادمة بشأن سوريا: "نلاحظ الآن أن هناك تنسيقا دوليا بين تركيا والسعودية والولايات المتحدة. ويبدو لي أن هناك نوعا من التحضير لرأي أو ضغط جماعي يدفع جميع الدول لأخذ مواقف تقترب من بعضها البعض وبالتالي بلورة رأي موحد ضد ما يحدث في سورية الآن". لكن مايكل سينج مدير معهد واشنطن لدراسات ال

شرق الأدنى استبعد تكرار نفس المنهج الذي تبناه المجتمع الدولي بشأن ليبيا، في التعامل مع الأزمة السورية: "في ليبيا يجب أن تتذكر أنه كان هناك بالفعل حركة مسلحة ضد العقيد القذافي. لكن عندما ينظر أعضاء المجتمع الدولي لسوريا فإنهم يشعرون بالقلق من تبني أي عملية صعبة لا نهاية لها. كما انهم غير متأكدين مما إذا كان الشعب السوري يريد تدخلا دوليا".

كما أضاف سينج أن ذلك يجعل خيار التدخل العسكري مستبعدا في الوقت الراهن. واستطرد قائلا: "أعتقد أنه من المبكر الحديث عن هذا الأمر. فتركيا كانت الأكثر حزما في رد فعلها إزاء ما يحدث في سورية. وقال وزير الخارجية أحمد داوود أغلو إن دعوة بلاده الأخيرة لإنهاء العنف كانت الفرصة الأخيرة أمام نظام الرئيس الأسد، وحذر من عواقب لم يحددها. ورجح المتابعون آنذاك أن تركيا ستتدخل في سوريا لإقامة منطقة عسكرية عازلة على الحدود بين البلدين. أعتقد أن الجرأة لم تتوفر حتى الآن لدى المجتمع الدولي للتدخل في سورية".

لكن وحيد حمزة هاشم أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة شدد على أهمية التدخل لإنهاء الأزمة السورية: "لا بد أن يكون للولايات المتحدة الاميركية موقف أكثر حزما وشدة في ليبيا وأيضا في سورية. لا يمكن أن تنتهي العمليات العسكرية السورية والعمليات الأمنية ضد الشعب السوري إلا إذا كان هناك تدخل أجنبي خارجي أو غير خارجي سواء مباشر أو غير مباشر".

وفي المقابل، رفض حسن عبد العظيم الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي أي تدخل عسكري: "نكتفي بالتضامن والضغط السياسي ولفت نظر النظام إلى ان هذا التصعيد وهذا العنف المستشري سيعرضه إلى مسؤوليات دولية. لكن لا نقبل بأي تدخل عسكري لأنه ليس حلا للأزمة. ولا نقبل أيضا بأي حصار اقتصادي يضر بالشعب السوري نفسه".

وهو ما أكده محمد العبد الله الناشط السوري المعارض بالقول: "التدخل العسكري شبه مستبعد في هذه الحالة. أولا لصعوبة تطبيقه في سورية، ثانيا لإجماع المعارضة على رفضه".

لكن العبد الله ألمح إلى أن السوريين قد يقبلون بتدخل تركي: "تركيا هي الدولة الأكثر ترجيحا في حالة إصدار قرار دولي بالتدخل كونها أكثر قبولا في الشارع السوري من أي تدخل آخر. نتحدث هنا عن منطقة عازلة عسكرية تكون تحت حماية الجيش التركي.

هذا الأمر مازال خاضعا للنقاش ولم يحصل حتى الآن. لكن إذا حصل فإن الشعب السوري سيقبل دورا تركيا بهذا الحجم من دور آخر سواء كان أميركي أو أوروبي أو حتى أممي".

وفي المقابل، قال إسلام أوسكان إن أنقرة لا تضع الخيار العسكري ضمن سياستها في التعامل مع سوريا: "الحكومة التركية أعلنت أنها لن تتدخل ولن تقدم أي دعم لأي تدخل عسكري في سورية. ولكن ستكون مع العقوبات. فالتدخل العسكري ليس من مصلحة تركيا, فتجربة حلف شمال الأطلسي في ليبيا أثبتت أن التدخل العسكري لا يجدي نفعا بل يؤدي إلى نتائج أسوأ". وقال مسعود ديلمي المحلل السياسي الجزائري في باريس إن التدخل العسكري قد يكون ممكنا على المدى البعيد: "لا أحد يتمنى التدخل العسكري ولا يرغب في ذلك بالنسبة للمعارضة السورية في مجملها. كما أن الدول الغربية نظرا لما يحدث في عدد من دول العالم فإن هذا الخيار يبدو غير ممكن في المدى القريب. ربما على المدى البعيد إذا تطورت الأمور في سورية قد يكون هذا ممكنا".

كما أشار حسن أبو طالب الخبير الاستراتيجي المصري إلى أن استمرار الأزمة قد يطرح احتمال اتخاذ إجراءات أكثر صرامة: "إذا استمر تعنت الإدارة السورية فأتصور أنه في ظل هذه الضغوط فربما يتم التفكير في شيء أكثر قوة وردعا لعل الرئيس بشار يدرك أن ما يفعله هو الخطر بعينه على نفسه ونظامه وشعبه والمنطقة بأسرها".

وتوقع مايكل سينج مدير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن يقتصر الأمر على الحصار الاقتصادي في الوقت الراهن: "أتوقع أن نرى مزيدا من العقوبات ومزيدا من العزلة ومزيدا من الإجراءات الصارمة التي تـُتخذ حاليا ضد نظام الأسد".

وحدد حسن أبو طالب نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية مجموعة من الإجراءات التي مكن اتخاذها في المرحلة القادمة للضغط على النظام السوري: "هناك وسائل أخرى للضغط على النظام السوري بتطبيق مزيد من العزلة ومنع تصدير الأسلحة وعقوبات اقتصادية مكثفة وإصابة المفاصل الرئيسية للاقتصاد السوري وهو اقتصاد اساسا ضعيف. كما أن هناك نوعا من الضغوط الدعائية التي يمكن أن تمارسها جامعة الدول العربية والعديد من البلدان العربية".

وعدَّد إسلام أوسكان المحلل السياسي التركي الإجراءات التي يمكن أن تتخذها أنقرة ضد نظام الأسد: "ربما سيسحب الطرف التركي سفيره من دمشق، كما يمكن أن يدفع المستوى الدبلوماسي بين البلدين نحو أدنى مستوياته. وقد تنهي الحكومة التركية علاقاتها الاقتصادية المميزة مع سورية. تركيا ستكون مع العقوبات التي سيفرضها حلف شمال الأطلسي أو أي جهة غربية".

وقال وحيد حمزة هاشم أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة إن أي إجراءات تظل مرهونة بدور روسيا والصين: "لا يمكن لهذه الدول جميعا أن تؤثر في النظام السوري مثلما يمكن أن تؤثر روسيا والصين وليس الولايات المتحدة بسبب العلاقات الثنائية التي تجمع بينهم".

وحذر مسعود ديلمي المحلل السياسي في باريس من أن تحوّل موقف هاتين الدولتين يضع النظام السوري في مأزق كبير: "لا يمكن رؤية هذا إلا من خلال معرفة رؤية روسيا والصين والدول المعروف أنها صديقة لسورية كالبرازيل وجنوب أفريقيا. إذا تحولت هذه الدول نحو الموقف الأميركي فربما يكون النظام السوري في مأزق كبير جدا".

وأفاد حسن أبو طالب الخبير الاستراتيجي بأن تغيير موقف كل من الصين وروسيا هو مسألة وقت: "عودتنا روسيا والصين أنها يمكن أن تتنازل عن مواقفها التي تتبناها بشأن قضايا الشرق الأوسط إذا ما سوت بعض الأمور الثنائية مع الولايات المتحدة والغرب. والولايات المتحدة تدرك ذلك جيدا وتدرك أن هناك بعض الأمور التي يمكن أن يتم فيها الانتظار حتى ينضج الموقفين الروسي والصيني. والمسألة هي مسألة وقت".
XS
SM
MD
LG