Accessibility links

لبنان.. هل يدفع تزايد أعداد اللاجئين السوريين البلاد إلى الهاوية؟


لاجئون سوريون في أحد مراكز مفوضية اللاجئين

لاجئون سوريون في أحد مراكز مفوضية اللاجئين

يعاني لبنان من التزايد المضطرد في أعداد اللاجئين السوريين التي تخطت سقف المليون شخص بحسب الأمم المتحدة، ما ينعكس بشكل فادح على اقتصاد هذا البلد الصغير المتأثر بالنزاع الجاري في سورية المجاورة.

وقد حذر الوسيط العربي والدولي السابق الاخضر الابراهيمي من "صومال ثانية" في سورية ومن انفجار كامل المنطقة المحيطة بها إذا لم يتم التوصل إلى حل.

وأضاف الابراهيمي، الذي استقال في أيار/مايو الماضي من مهمته، "على الأمد البعيد هذا النزاع لا يقف عند سورية، بل إنه يزعزع أصلا استقرار لبنان".

هذا "الخطر" الذي تحدث عنه الإبراهيمي، كان قد دق ناقوسه الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان في آخر خطاب له قبل انتهاء ولايته.

وقال سليمان إن ترددات الأزمة السورية باتت تشكل "خطرا وجوديا على لبنان"، مشيرا إلى ضرورة تعزيز الذراع الأمنية للدولة اللبنانية لحلها.

واللاجئون السوريون، بحسب النائب في كتلة التغيير والإصلاح غسان مخيبر، يصلون إلى لبنان ومعهم "تناقضاتهم واختلافاتهم السياسية" التي تتأجج بسبب الظروف المأساوية التي يعيشونها، ما يشكل تحديا كبيرا على الدولة المضيفة.

في هذا الإطار، أكدت ممثلة المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة في لبنان نينيت كيلي أن وضع اللاجئين أكثر من مأساوي، مشيرة إلى أنه "عبء رهيب على لبنان" الذي يستقبل "أكبر عدد من اللاجئين في العالم بالنسبة إلى عدد سكانه".

هذا العبء الكبير انعكس تراجعا في قدرة الدولة على تأمين الأساسيات. فالخدمات الاجتماعية تتعرض لضغوط والصحة والتربية والبنى التحتية في طور الانهيار.

وأول تحد يرافق تزايد نسبة عدد السكان هو تمدد الصراع السوري إلى لبنان، قال مخيبر، خصوصا وأن عددا كبيرا من اللاجئين "شاركوا في الأعمال الحربية إن كان مع المعارضة أو مع النظام وهذا ما يجعل العديد من الأمنيين يخشون أن تنطلق الشرارة السورية إلى لبنان".
اللاجئون السوريون يصلون إلى لبنان ومعهم تناقضاتهم واختلافاتهم السياسية.. ما يشكل تحديا كبيرا على الدولة المضيفة

في موازاة ذلك، لم يعمد لبنان إلى الاستفادة من وجود اللاجئين السوريين القسري من خلال رسم سياسة مشجعة للرساميل السورية الهاربة للاستيطان في لبنان، أو وضع خطة لتشجيع رجال الاعمال السوريين على إنشاء مشاريع استثمارية كبيرة في لبنان، بحسب الكاتب السياسي ورئيس القسم السياسي في صحيفة "الجمهورية" اللبنانية أنطوان فرح.

لاجئ كل دقيقة

وتؤكد المفوضية العليا للاجئين في لبنان أنها تسجل "بشكل يومي 2500 لاجئ جديد، أي أكثر من شخص واحد كل دقيقة".

وعن انعكاس وجود هذا العدد من اللاجئين السوريين في لبنان، قال العميد الركن الطيار المتقاعد والخبير الاستراتيجي اندريه بومعشر إن له تأثيرات اجتماعية اقتصادية ديموغرافية عدا عن التهديدات الأمنية، لافتا إلى أن ارتفاع معدل الجريمة وزيادة البطالة وزيادة مشاعر الاستياء من اللاجئين خصوصا في المجتمعات الحاضنة يصب في خانة هذه التأثيرات..

لكن إلى أي مدى يشكل وجود اللاجئين ضغطا مباشرا على قدرة الدولة على بسط سلطتها وتأمين الاستقرار؟

في ظل عدم وجود إحصاءات دقيقة، أكد بومعشر أن المشكلة الاجتماعية الاقتصادية في لبنان كانت قائمة قبل وجود اللاجئين وقد تزايدت مع مجيئهم، مشيرا إلى أن تواجدهم في مناطق لا وجود فاعل للدولة فيها، وهي مناطق فقيرة ومحرومة وبحاجة للمساعدة والدعم، وتتداخل فيها الصراعات مع الحدود السورية، ما يزيد من المعضلة.

وقال إن اللافت في الأمر هو أن اللاجئ السوري يحظى بالدعم من النظام والمعارضة والمؤسسات الدولية بينما المجتمع اللبناني المضيف يستنزف موارده قائلا "لقد أصبح اللاجئون السوريون أكثر من ربع عدد سكان لبنان".

ووافقه مخيبر الرأي قائلا إن الدولة بالأصل كانت قاصرة عن تأمين الأمن والسلامة للبنانيين قبل مجيء أكثر من مليون لاجئ سوري، مضيفا "في الواقع زاد عدد السجناء والموقوفين احتياطيا في لبنان بنسبة كبيرة والعديد من هؤلاء الموقوفين هم سوريون".

وقال مخيبر "لا يمكن أن نطلب من دولة هشة إلى هذا الحد وليس لديها إمكانيات لإدارة شؤونها بما فيها الشؤون القضائية أن تستوعب أعداد اللاجئين مثل غيرها من الدول".
انعكاس وجود هذا العدد من اللاجئين السوريين في لبنان له تأثيرات اجتماعية اقتصادية ديموغرافية عدا عن التهديدات الأمنية

في المقابل، لفت فرح إلى أن إجراء "جرد لسلبيات وإيجابيات وجود اللاجئين السوريين في لبنان، نرى أن كفة السلبيات راجحة بشكل واضح"... لكن التعمق في الوضع يرسم بعض الانعكاسات الإيجابية.

وقال فرح إن العديد من الصناعات المحلية لاسيما صناعات الغذائية استفادت من وجود حوالى مليون ونصف لاجئ سوري "وزاد حجم أعمالها 25 في المئة خلال السنتين الماضيتين"، مضيفا أن الفنادق والشقق المفروشة التي عانت في الأساس من تداعيات الأزمة السورية، استفادت من وجود اللاجئين وخصوصا "النازحين الميسورين ومن الطبقة الوسطى".
وفي حين أدى توفر اليد العاملة السورية إلى رفع نسبة البطالة لدى اللبنانيين، إلا أن اليد العاملة السورية الرخيصة ساعدت العديد من المؤسسات على خفض كلفتها وبالتالي منع إفلاسها.

"لا يمكن ترك لبنان وحيدا"

في هذا الإطار، شدد المفوض الأعلى للاجئين أنتونيو غوتيريس على أن اللبنانيين يظهرون سخاء ملفتا لكنهم "يكافحون" من أجل مواجهة الوضع، وقال "لا يمكننا أن ندع لبنان يتحمل هذا العبء وحيدا".

واعتبر رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم، بدوره، أن الدعم المقدم حتى الآن إلى لبنان للتجاوب مع أزمة اللاجئين السوريين "مخيب للآمال"، داعيا المجتمع الدولي للتحرك وتقديم المزيد.

هذا شريط فيديو يدعو فيه رئيس البنك الدولي إلى مساعدة لبنان

وكان رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم أكد أن النزاع في سورية كلف لبنان 7.5 مليار دولار حتى صيف 2013.

توقد زار وزير الخارجية الأميركي جون كيري لبنان حيث أعلن عن مساعدة إضافية بأكثر من 290 مليون دولار لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية التي تعمل مع حوالي ثلاثة ملايين لاجئ سوري في لبنان والأردن وتركيا والعراق ومصر.

وستذهب 51 مليون دولار من تلك الأموال، وهي أكبر حصة من المساعدة، لدعم لبنان.

وعلى عكس جيران سورية الآخرين، لا توجد في لبنان مخيمات لاجئين رسمية مما يدفع كثيرا من العائلات للبحث عن ملجأ وسط مجتمعات مضيفة.

من هنا فإن تطور العنف الأهلي، يقول بومعشر، يبدأ بمناكفات بسيطة ليصل إلى مواجهات مسلحة، مشيرا إلى أن عدد القوى الأمنية لا يتناسب مع التزايد الديموغرافي خصوصا في المناطق التي تشهد اضطرابات كالبقاع والشمال.
خوف اللبنانيين من تداعيات النزوح جعلهم يعبّرون عنه بنوع من العدائية ما دفع الميسورين من السوريين إلى المغادرة لتجنّب هذه الأجواء

في حين، قال مخيبر إن "الدولة كانت مثل النعامة تنتظر أن تحل المشكلة مع الوقت"، وأكد أن "لبنان يحتاج إلى استراتيجية لا تزال غير قائمة ولا واضحة ومحددة. ولو افترضنا جدلا أن الاستراتيجية أنجزت لكن الدولة اللبنانية لا تملك إمكانات مالية لتنفيذها".

أما فرح، فقال إن لبنان فوت عليه تشجيع المتمولين السوريين على الإقامة فيه، مشيرا إلى أن خوف اللبنانيين من تداعيات النزوح جعلهم يعبّرون عبر إعلامهم عن نوع من العدائية حيال السوريين، الأمر الذي دفع الميسورين منهم إلى المغادرة، لتجنّب هذه الاجواء.

غير أن بومعشر أبدى خشيته من "أن نصل إلى نقطة لا يعود لبنان، كما نعرفه، موجودا"، مشيرا إلى وجود 120 ألف عسكري سوري "لاجئ" يمكن تحريكهم "والأمور مفتوحة على انعكاسات كارثية".

وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد حذرت في تحقيق صحافي، بعنوان "الجيش اللبناني مرهق من ترددات النزاع السوري عبر الحدود"، من أن الجمود الحكومي في لبنان يضيف مزيدا من الضغط على الجيش الوطني للحفاظ على الاستقرار في أكثر بلدان الشرق الأوسط هشاشة.

وقال الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن آرام نركيزيان "إن القوات المسلحة اللبنانية وصلت إلى مفترق طرق"، وأن تحديات ترددات النزاع السوري غير مسبوقة على صعيد الأمن القومي اللبناني.
  • 16x9 Image

    أمل شموني



    حائزة على ماجستير في الصحافة الإلكترونية والإعلام والعلاقات العامة من الجامعة الأميركية في واشنطن، وليسانس في الصحافة ووكالات الأنباء من الجامعة اللبنانية. عملت الكاتبة في صحيفة الأنوار ومجلتي الصياد وفيروز، وصحافية مستقلة في أسبوعية الوسط وصحيفة الحياة. وقامت بتغطية العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط والولايات المتحدة. التحقت بموقع راديو سوا منذ عام 2003.

XS
SM
MD
LG