Accessibility links

هل يرسم اليمين المحافظ أجندة الكونغرس في الولايات المتحدة؟


المرشح الجمهوري الفائز ديفيد برات

المرشح الجمهوري الفائز ديفيد برات

تقوم الديمقراطية الأميركية على تعددية حزبية، تشبه، إلى حد بعيد، مكونات الولايات المتحدة الغنية والمتنوعة. إلا أن الحزبين الأساسيين فيها، الديمقراطي (الذي ينتمي إليه الرئيس أوباما)، والجمهوري، يتمتعان بشعبية واسعة، تسمح لهما بتقاسم السلطة في معظم الولايات الأميركية، سواء على مستوى انتخابات الكونغرس، أو الانتخابات الرئاسية.
المواقف، لا الأموال، هي التي تصنع النصر.

يعرف الحزب الديمقراطي بتوجهاته التقدمية، المنفتحة، في حين عرف الحزب الجمهوري بتوجهاته المحافظة، وقد انبثق عنه جناح متشدد يعرف بحزب الشاي.

ومؤخرا حصلت ضجة كبيرة في وسائل الإعلام الأميركية، والسبب كان سقوط "إريك كانتور" زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب في الانتخابات التمهيدية.

ولكن، في ظل ديمقراطية نشطة كالولايات المتحدة، من الطبيعي أن يتغير الأشخاص ويتوالون على المراكز، فلماذا هذا الضجيج إذن؟

لعدة أسباب، أولها أن أريك كانتور هو الرجل الثاني في مجلس النواب الأميركي، أي أحد أكثر الأشخاص نفوذا في الولايات المتحدة، وهو أحد أبرز شخصيات الحزب الجمهوري الأميركي.

ثانيا، لأن كانتور السياسي المخضرم، والذي كان على قاب قوسين أو أدنى من أن يخلف الرئيس الحالي لمجلس النواب جون بينر، انهزم أمام مرشح حزب "الشاي" مغمور، يعمل أستاذا لمادة الاقتصاد في احدى جامعات فرجينيا ويدعى ديفيد برات بفارق كبير بلغ حوالي 7000 صوت، من أصل حوالي 64 ألف صوت ناخب.

برات: نجاحي معجزة من الله

وفي مؤتمر صحافي، قال برات إنه يركز تماما على قضايا جمهورية بحتة، وأن على الجمهوريين أن يقوموا بجهد أكبر فيها وعندها ستخرج البلاد من الورطة، ونسب النجاح إلى الله، مشيرا إلى أن الناس مستعدون لتغييرات كبيرة في البلاد، واصفا الأمر بأنه "معجزة لا تصدق".

وأضاف برات أن فوزه هو، الذي جمع فقط حوالي 169 ألف دولار في حملته الإنتخابية، مقابل منافسه الذي جمع حوالي خمسة ملايين دولار، يشير إلى أن المواقف، لا الأموال، هي التي تصنع النصر.

كيف حصل ذلك؟ مع أن الإنتخابات العامة ستكون في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر؟

القصة هي أن كانتور خسر المقعد النيابي في انتخابات داخلية. ففي الولايات المتحدة تختلف إجراءات الترشح للكونغرس والبرلمان عن نظيرتها في معظم الأنظمة الديمقراطية الأخرى في العالم، فهي تستخدم ما يعرف بالانتخابات الأولية، أو الانتخابات التمهيدية.

والانتخابات التمهيدية هي عبارة عن عملية اقتراع حزبية داخلية تجرى لاختيار مرشح (أو مرشحين) من حزب سياسي للمشاركة في الانتخابات العامة.

مؤسس التجمع العربي في الحزب الديمقراطي المحلل السياسي سابا شامي شرح في حديث لموقع "راديو سوا" آلية الإنتخابات التمهيدية، فذكر أنها العملية التي يتم من خلالها اختيار المرشحين من قبل الناخبين، وليس قادة الأحزاب.

وقال إن كلا من الحزبين يقومان بهذه الانتخابات لتحديد مرشحهم.

إستمع إلى مداخلة مؤسس التجمع العربي في الحزب الديمقراطي الأميركي سابا شامي إلى راديو سوا:


وشرح شامي أن شكل الانتخابات يختلف بحسب الولايات الاتحادية، فأحيانا، تجري الانتخابات الأولية على أساس مفتوح، أي يحق لكل من تسجل كناخب المشاركة فيها، في حين تجري أحيانا بشكل مغلق، بحيث يحق فقط للمنتسبين للحزب الاقتراع لمرشح هذا الحزب.

وقد جرت الانتخابات التمهيدية الأولى عام 1899 في ولاية مينيسوتا، بعد أن كان اختيار المرشحين يتم بطريقة المؤتمرات الحزبية.

يذكر أن الانتخابات الأولية لدى الحزبين الجمهوري والديمقراطي في ولاية فرجينيا قد جرت منذ يومين، في كل مقاطعة من المقاطعات، ففاز في المنطقة الثامنة المرشح الديمقراطي دون بايير، بعد منافسة شديدة مع المرشح الشاب باتريك هوب لخلافة عضو الكونغرس جيم موران الذي تقاعد بعد سنوات عديدة من الخدمة في الكونغرس.

ملصق لباتريك هوب على صفحته على الفايسبوك، يشكر فيه ناخبيه، ويدعوهم للتصويت لمنافسه الفائز دون بايير، ويقول أنه قد اتصل به مهنئا إياه بالفوز:


إلا أن النتيجة المدوية التي هزت الحزب الجمهوري طغت على ما عداها من نتائج، خاصة أنه من المرجح أن تلقي بظلال قاتمة على مستوى الإدارة الأميركية، فقد ذكرت صحيفة الواشنطن بوست في أحد عناوينها هذا الأسبوع أنه ستكون هناك عواقب بمثابة "زلزال" لهذا السقوط.

وترجع مصادر سياسية خسارة كانتور، وهو آخر يهودي في الحزب الجمهوري، إلى الجناح المتشدد في الحزب: "حزب الشاي"، وتتهمه بأنه "متراخ ومساوم في قضايا مصيرية"، كقضية إصلاح قانون الهجرة، في حين يتهمه المعتدلون بأنه متشدد، فخسر أصوات كليهما.

آخر تغريدة لإريك كانتور قبل الخسارة وهو يقول إن الولايات المتحدة ستحتضن أبطالها عندما يعودون الى الوطن من ساحات القتال:

وفي تصريحات للناخبين لوسائل الإعلام الأميركية، قال بعضهم إن السبب يعود إلى كون كانتور كان قويا جدا على مستوى الولايات المتحدة ككل، لكنه نسي ناخبيه ومنطقته، وبالتالي أصبح غير مبال بقضاياهم، وأصبح يمثل صوت الحزب الجمهوري، دون أن يلتفت إلى ما يهم ناخبيه أصلا.

ورجح محللون أن تؤدي خسارة كانتور إلى وقف النظر في مشروع إعادة إصلاح قانون الهجرة، وإلى تجميد النشاط التشريعي، بحيث أن كل الأعضاء الجمهوريين سيتوقفون عن البحث في أي مشروع لا يعكس مزاج ناخبيهم، كي لا يسقطوا في الانتخابات الأولية.

شاهد فيديو باللغة الإنكليزية: لماذا خسر كانتور الإنتخابات؟

كما توقع البعض أن يكون هذا انهيارا لفورة "استعادة القرار" التي قام بها الأعضاء المعتدلون في الحزب الجمهوري، فبفوز مرشح "حزب الشاي" الصريح، على أبرز رموز الجمهوريين، دليل على عدم صحة هذه المقولة، ومن المرجح أن يؤدي إلى "فوضى سياسية"، بحيث سيعارض الجمهوريون كل القرارات المعتدلة، مما قد يؤدي إلى "Government Shutdown" أو لإقفال الدوائر الحكومية الفيدرالية مجددا، كما حصل في وقت سابق من هذا العام، بسبب الإختلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين على رفع سقف الدين العام.

ومن المتوقع، ودائما حسب الواشنطن بوست، أن يفتح الباب واسعا للسباق على خلافة جون بينر، خصوصا مع تصاعد الشكوك في إمكانية بقائه في منصبه، في ظل صعود نجم تيار المحافظين داخل الحزب الجمهوري.

وثمة سيناريوهات متعددة محتملة حول نتيجة الإنتخابات العامة القادمة، الأول يقوم على نظرية أن هذا الفوز سيدفع شقي الحزب "الشاي والجمهوري" للتوحد إلى اليمين، وبالتالي يندفع الجمهوريون إلى المزيد من القرارات المتشددة، ويدفعون بالمزيد من التعطيل للتشريع، ورفض التحدث في إصلاحات قانون الهجرة.

وقد يخلق هذا بيئة معادية لهم، ويتم وصفهم بـ"المتشددين ضد الهجرة"، خاصة لدى الكتلة الناخبة الناطقة بالإسبانية، التي تعتبر إحدى الكتل الوازنة، والتي، بحكم الجغرافيا السياسية، تشكل أكثر الفئات المعنية بتعديل قوانين الهجرة، كونها الأكثر مواجهة لمشاكل الهجرة غير الشرعية.

والسيناريو الآخر يعتبر أن كانتور خسر لأنه مرشح ضعيف، وبالتالي فالخسارة لا تعني شيئا، ولن ينال حزب الشاي شيئا أكثر مما قد ناله عام 2012.

وهذا التوجه يتبناه جمهوريون قدماء، من أمثال المرشح الرئاسي الجمهوري السابق ميت رومني، الذي قال إن خسارة كانتور لا تعني بالضرورة أن حزب الشاي سيطر على الحزب الجمهوري، مشيرا بالمقابل إلى فوز السيناتور ليندسي غراهام على عدد من منافسيه من حزب الشاي الأسبوع الماضي.

يذكر أنه في ظل نظام صحي للانتخابات، وتداول السلطة، بإمكان الناخب أن يقول إنه لا صوت يعلو فوق صوت الصندوق الإنتخابي.

فالشعب ينتخب من يشاء لإدارة شؤونه، وهذا وارد في مقدمة دستور الولايات المتحدة، الذي ينص صراحة على أن الشعب مصدر كل السلطات، WE THE PEOPLE OF THE UNITED STATES، فهل سيأتي يوم، تتمكن فيه الشعوب العربية من عزل أي مسؤول، مهما علا شأنه، يخالف إرادة ناخبيه، ولو بنسبة ضئيلة؟

المصدر: راديو سوا ووسائل إعلام أميركية
  • 16x9 Image

    غسان بو دياب

    انضم غسان بو دياب إلى MBN digital في مارس 2014، بعد أن كتب على مدار ثلاث سنوات عمودا يوميا بعنوان "بالعربي"، و"كلام في الأديان" في جريدة الديار، وغيرها من الصحف اللبنانية والمواقع الإلكترونية. درس الدكتوراه في علوم الأديان في جامعة القديس يوسف في بيروت، وحاز على الماجستير في الحوار الإسلامي المسيحي.

XS
SM
MD
LG