Accessibility links

ايران والقوى الكبرى مفاوضات حاسمة واحتمالات تسويات مماثلة


مفاوضات إيران والقوى الكبرى ومرحلة الحسم

مفاوضات إيران والقوى الكبرى ومرحلة الحسم


بدأت القوى الست وإيران مرحلة حاسمة من المساعي الدبلوماسية بشأن أنشطة إيران النووية خلال محادثات في فيينا انطلقت الأسبوع الماضي بهدف حل نزاع مستمر منذ نحو عشر سنوات.

ويستعد الطرفان للشروع في صياغة نص اتفاق نهائي خلال الشهرين المقبلين قبل حلول الحادي والعشرين من حزيران يوليو عندما ينتهي العمل باتفاق مؤقت أبرمه الجانبان في تشرين ثاني نوفمبر الماضي.

وتريد مجموعة الدول الست الكبرى من إيران أن توافق على تخفيض كثير من أنشطتها النووية التي تخشى أن تـُستخدم لانتاج أسلحة فينما تريد إيران من القوى الغربية إلغاء العقوبات الاقتصادية الطاحنة.

النص المكتوب ذروة التفاوض

وأتاحت ثلاث جلسات عـقدت في العاصمة النمساوية فيينا تبديد بعض الخلافات مثل تلك المتعلقة بمفاعل آراك الذي يعمل بالمياه الثقيلة، فهذه المنشأة الواقعة على بعد مائتين واربعين كيلومترا جنوب غربي طهران قد توفر لإيران نظريا مادة البلوتونيوم التي يمكن أن تكون بديلا من أجل صنع قنبلة ذرية .

وقالت كيلسي دافنبورت Kelsey Davenport عضو الاتحاد الدولي للسيطرة على السلاح، والتي حضرت جلسات التفاوض، قالت إن المفاوضات صعبة لأنها تعمد إلى كتابة نص واضح للإتفاق وبتقديم الجانبين اقتراحاتهما بشكل رسمي تبين وجود فجوات ما زالت قائمة بينهما. لكنّ التزام الطرفين بضرورة مواصلة العمل على انجاز أمر إيجابي بحسب دافنبورت التي عبرت عن اعتقادها أن هناك فرصة جيدة للتوصل الى اتفاق شامل بحلول العشرين من تموز يوليو .

واذ تقول كيلسي إنها لمست استعدادا كبيرا لدى الطرفين من أجل التوصل الى اتفاق، توضح أن ثمة نقاطا عالقة تحتاج من أحدهما التنازل لأجل الأخر. فالولايات المتحدة وشركاؤها في التفاوض يريدون أن يفي برنامج التخصيب النووي الايراني المسوح به باحتياجات ايران المدنية كما هي حاليا تقريبا...وهذا ما سيجعله محدودا. أما طهران فتريد أن تتمكن من تخصيب اليورانيوم لتشغيل مولدات لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، ما يتطلب توسيع برنامجها النووي عشرة أضعاف خلال السنوات العشر المقبلة وهذا مبعث قلق لدى المجتمع الدولي اذ يقرّب ايران من امكانية تطوير سلاح نووي. فالتوصل الى حل وسط لهذه المسألة سيكون من أكثر الأمور تعقيدا.

ضغوط على الطرفين لعدم التنازل

وبالتزامن مع المفاوضات شهد البرلمان الإيراني مطلع الأسبوع المنصرم حضور أعضاء الفريقين السابق والحالي في المفاوضات النووية عشية انطلاق الجولة الرابعة من المفاوضات بين إيران والقوى الكبرى بشأن الملف النووي الإيراني.

وأدلى عدد من النواب بتصريحات تنتقد أداء الفريق النووي الحالي. وأفادت وكالات الأنباء الإيرانية بأن عددا من النواب المحسوبين على التيار المتشدد والمؤيدين طالبوا بإجراء مناظرة بين الفريقين النوويين، غير أن طلبهم قوبل بالرفض من قبل وزير الخارجية محمد جواد ظريف.

ويقول محمد صادقيان مدير مركز الدراسات العربية الايرانية في طهران، إن البرلمان الايراني يضغط على الوفد المفاوض من أجل التأكد من حفظ حق ايران في بنود مسودة الاتفاق.

ويشير صادقيان إلى رغبة حكومة طهران في ألا ينعكس الخلاف الداخلي على مسار المفاوضات، ويقول إن منطق التفاوض مبني على أن يربح الجميع.

وتواجه الولايات المتحدة هي الأخرى ضغوطا من اسرائيل كي يخرج الاتفاق المزمع مع طهران بشأن برنامجها النووي بنص صريح على أنها لن تمتلك مستقبلا التكنولوجيا التي تمكنها من تطوير سلاح نووي، وفي اليوم نفسه الذي استأنفت فيه القوى الكبرى وإيران المحادثات في فيينا، قال رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إيران سمحت لكوريا الشمالية بالاستفادة من التكنولوجيا النووية التي لديها.

ويقول جيم والش Jim Walish، استاذ الأمن الدولي في جامعة MIT إن التوصل الى إتفاق مكتوب سيخفف من حدة الانتقادات الاسرائيلية لتفاوض الولايات المتحدة مع طهران ويشير إلى أنه لو كان هناك نص مكتوب فسيساعد كثيرا على تغيير العلاقة وسيعطي ثقة بأن ايران لن تمتلك سلاحا نوويا أبدا، لهذا أعتقد أن الاتفاق مهم للولايات المتحدة ولايران، ولو عادت ايران من المفاوضات بخـُفيّ حـُنين سيكون الأمر سيئا بالنسبة للرئيس روحاني في الداخل، بدائل التوصل الى اتفاق تبدو سيئة. وبحسب والش فإن الأمر لا يعدو كونه مجرد حديث عن السلاح النووي فحسب وإنما ممتد للحديث عن أمور اخرى متعلقة بالأمن الإقليمي والصواريخ الايرانية المحلية الصنع وهي امور تعني اسرائيل وتصعب المهمة برأيه .


النزاعات الإقليمية وأوراق التفاوض

وتمتد مفاوضات البرنامج النووي الايراني الى قضايا اخرى تتصل بالنزاعات القائمة في الشرق الأوسط، اذ يدور الحديث عن تسوية اقليمية شاملة لقضايا اخرى تمتلك طهران حضورا قويا فيها كالنزاع السوري. لكن كيلسي دافنبورت Kelsey Davenport عضو الاتحاد الدولي للسيطرة على السلاح، والتي حضرت جلسات التفاوض تقول إن الطرفين حرصا على عدم مناقشة قضايا اخرى غير البرنامج النووي الإيراني.

الثقة التي تتحدث عنها كيلسي هي ذاتها التي يقول محمد صادقيان مدير مركز الدراسات العربية الايرانية في طهران إنها ستفتح الباب لتسوية أكثر عملية لقضايا اخرى عالقة بين طهران والقوى الكبرى وإن كان ذلك سيستغرق وقتا برأيه.

أمن الخليج الحاضر الغائب

وجاء مشهد التفاوض الحاسم بين ايران والدول الست الكبرى في فيينا والشروع في كتابة نص الاتفاق النهائي متزامنا مع مشاهد اخرى ليست بعيدة: أولها وزير الدفاع الأميركي تشاك هاجل توسط نظراءه الخليجيين في اجتماع تشاوري طمأنهم فيه الى أن المفاوضات مع إيران لن تؤثر على اهتمام الولايات المتحدة بأمن الخليج. وثانيها تطور مفاجئ وجهت فيه السعودية دعوة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لزيارتها، هذه الدعوة سرعان ما قوبلت بالترحيب من طهران على أن يتحدد الموعد لاحقا.

فهل يفضي التقدم المتواصل نحو اتفاق نهائي بشأن برنامج ايران النووي إلى ذوبان تدريجي في متاعب علاقة ايران مع السعودية خاصة ودول الخليج عامة؟ سؤال يجيب عنه عضو مجلس الشورى السعودي الدكتور خليل الخليل بقوله إن دعوة السعودية بمثابة تقارب ينتظر تحركا جديا من ايران .

لكن ما الذي يعنيه هذا "التقارب" الذي تتحدث عنه السعودية؟ أهو ثمة تهدئة نوعية بين طرفين متضادين في المصالح الإقليمية أم أنه قد يرقى لتفاهم معلن من أجل تسوية نزاعات يلعب كل من الطرفين فيها دورا حيويا ومؤثرا على النزاع وبخاصة السوري؟ فيما تتحدث صحف سعودية عن اقتراح ايراني بتشكيل حكومة انتقالية قوامها من المعارضة السورية مع تقليص صلاحيات الرئيس السوري بشار الأسد.

عضو مجلس الشورى السعودي الدكتور خليل الخليل ينفي أن تحدث تسويات للأزمة السورية بين السعودية وايران فحسب قوله فإن كل المبادرات المطروحة ممكنة نظريا لكنها عمليا صعبة بالنظر لتفاقم النزاع على الأرض .

لكن ماذا عن طهران؟ هل يشي قبول طهران السريع دعوة السعودية لزيارة دبلوماسية بأن عقدا من الخلاف بينهما يتجه للأفول أم أن تسوية الملف النووي الايراني ستقلل من حدة التخوف الخليجي من التهديد الايراني ومن ثم تمد طهران يدها لتسوية سريعة لملفات عالقة اخرى كالأزمة السورية؟ محمد صادقيان مدير مركز الدراسات العربية الايرانية في طهران يرى ان ذلك ممكنا لكنه يحتاج

وينبه عضو مجلس الشورى السعودي الدكتور خليل الخليل إلى ضرورة أن تحظى دول مجلس التعاون الخليجي بذات الاهتمام الايراني للتقارب مع الغرب بالنظر إلى امكانية اقامة علاقات اقتصادية بينهما.

هذا التقارب الايراني السعودي المزمع ينظر إليه جيم والش Jim Walish، استاذ الأمن الدولي في جامعة MIT ، بشئ من الحذر في التفاؤل أو على الأقل هو لا يرى أنه سيفتح الباب لتسويات اقليمية عاجلة لنزاعات محتدمة كالنزاع السوري.

مرحلة حاسمة في مفاوضات ايران مع الغرب، وهو الحسم ذاته الذي تتجه نحوه نزاعات اقليمية اخرى، فهل تنتقل عدوى تسوية ملف ايران النووي المزمعة إلى ملفات اخرى وإن كانت طهران هي الحاضر الغائب فيها؟ وما حدود هذه التسوية الممكنة، وهل تقبل طهران التخلي عن مواقع حضورها في الإقليم الذي يواجه في الأساس اعادة تشكيل لميزان القوى فيما يحاول الجميع أن يضمن مصالحه فيه؟!
XS
SM
MD
LG