Accessibility links

مذكرات صحافي: جولة في العاصمة الثقافية للعالم


مشهد من بوسطن. عمارة بردينشال وكنيسة سينتولوجي

مشهد من بوسطن. عمارة بردينشال وكنيسة سينتولوجي

يتحلق حول المائدة ألماني، أميركي، إيرلندية، صيني وفلسطيني. ماري لينش تعد وجبة العشاء يساعدها آندرو، زوجها. فتح آندرو وماري منزلهما الواقع في جنوب بوسطن للطلبة الأجانب. تحاول ماري أن تلعب دور الأمهات البعيدات.

تسأل كريستوفر عن يومه كيف مضى في مستشفى ماساشوستس العام، وهو أحد أهم المؤسسات الطبية البحثية في الولايات المتحدة، يقول شيئا ما عن ساعات طوال يقضيها في مكعب من الجبس، هي مكتبه هناك. لكنه راض. يضحك: "هذه ضريبة العلم".

يعتمد اقتصاد هذا المنزل الأميركي على استمرار تدفق الطلبة الأجانب على جامعات بوسطن الـ58. وهو مستقبل مضمون، فماري تتحسر لعجزها عن تلبية الطلب الكبير على الغرف المفروشة.

ويقدر معهد التعليم الدولي عدد الطلبة الأجانب في ولاية ماساشوستس بـ46.500 طالبة وطالب، يدرس أغلبهم في جامعات بوسطن وهارفادر ونورث إيسترن ومعهد ماساشوستس للتكنولوجيا وجامعة ماساشوستس.. ويساهمون بمليار و700 مليون دولار في اقتصاد الولاية.

"هذه مدينة تتنفس العلم" يقول آندي، وهو مستشار مالي متقاعد. ينظر إلى المدينة من شرفة منزله المظللة بشجرة بالغة الخضرة، وكأنها تنتقم من موات الشتاء الذي ولى حديثا.

آندي أميركي يدين باليهودية، ملامحه شرق أوسطية، لكن عائلته سكنت بوسطن لأجيال. زوجته ماري إيرلندية، هاجرت قبل 50 عاما، لتسكن هذا الشارع الصغير المقابل لشاطئ الأطلسي، والذي يسكنه إيرلنديون وإيطاليون وعائلة أردنية، قرب حي إفريقي (روكسبري-دورشيستر) شهد صعود مالكلوم إكس ومارتن لوثر كينغ.
على تلة في حي بيكون هيل تتسلق الزهور أبواب البيوت- عدسة: عبدالرحيم عبدالله

على تلة في حي بيكون هيل تتسلق الزهور أبواب البيوت- عدسة: عبدالرحيم عبدالله


لم يتغير هذا الشارع في السنوات الأربع الأخيرة. يبعث فيك شعورا بالراحة، بالثبات، بأن مرورك في العالم لم يكن عرضيا، شعور تفتقده مدن أميركية كثيرة، تغير وجهها بسرعة، لكن .. ليس بوسطن.

المباني الوقورة الهرمة، والوجوه الشابة، التي تدور على دولاب الجامعات، وتتغير لكنها تظل شابة، دائما شابة، هي أبرز ما تلاحظه عندما تجوب شوارع المدينة.
يقولون: إذا لم يعجبك الطقس في بوسطن انتظر ساعتين تشهد نقيضه

يقولون: إذا لم يعجبك الطقس في بوسطن انتظر ساعتين تشهد نقيضه


على خطى المؤسسين

على بعد أميال قليلة من هنا، حط أوائل المهاجرين مطلع القرن الـ17، وأطلقوا عام 1630 على بلدة صغيرة أسسوها في المكان اسم بوسطن.

تمشي إلى وسط المدينة، إلى حدائق بوسطن العامة "بوسطن كومنز" وهي أقدم ساحة عامة في الولايات المتحدة، اشترى أرضها المهاجرون البريطانيون عام 1634 غير بعيد عن ضفة نهر التشارلز. وعلى ضفة النهر الأخرى، في كامبريدج، أسسوا الجامعة الأقدم في الولايات المتحدة: هارفارد.
هنا جامعة هارفارد

هنا جامعة هارفارد


أمتارا قليلة تمشيها صعودا إلى تلة صغيرة، إلى حي "بيكون هيل"، حيث المنازل تظللها حدائق صغيرة، وصولا إلى مقر ولاية ماساشوستس وحاكمها، وهو أقدم مقر حكومي في الولايات المتحدة. وراء المقر، يرقد 12 ألف جثمان في مقبرة صغيرة، فيها أضرحة قادة حركة الاستقلال، و"شهداء مجزرة بوسطن" الخمسة الذين قتلهم جنود بريطانيين عام 1770 على بعد شارعين تحت شرفة منزل الحاكم البريطاني.
مقبرة غراناري مدفون فيها أكبر عدد من الموقعين على وثيقة استقلال الولايات المتحدة الأميركية

مقبرة غراناري مدفون فيها أكبر عدد من الموقعين على وثيقة استقلال الولايات المتحدة الأميركية


غذت "مجزرة بوسطن" الشعور القومي الأميركي، الذي تجسد بوضوح بعد ثلاث سنوات، وعلى بعد عدة مئات من الأمتار نزولا، في ميناء بوسطن.

ففي ليلة شتوية من عام 1773، تخفى مجموعة من "أبناء الحرية"، وهم ناشطون استقلاليون، في أزياء الأميركيين الأصليين واعتلوا سفينة بريطانية محملة بالشاي، وألقوا حمولتها في البحر. كانت "حفلة الشاي" نشاطا احتجاجيا على ضريبة فرضها الحاكم البريطاني على الشاي، لكنها أشعلت شرارة الاحتجاجات والمواجهات لم تنطفئ إلا بعد سنوات ثلاث، عام 1776، باستقلال الولايات المتحدة الأميركية.
مقر الحاكم البريطاني، موقع مجزرة بوسطن

مقر الحاكم البريطاني، موقع مجزرة بوسطن


وفي ظهيرة ربيعية، كان هناك أطفال يركضون ويغنون "إرموا الشاي في البحر" Dump the tea in the sea وهو مشهد يتكرر في الرابع من تموز/يوليو من كل عام، في الاحتفالات الصاخبة بعيد الاستقلال التي يشارك فيها مئات الآلاف على ضفتي نهر تشارلز، وتحييه كبرى الفرق الغنائية وتطلق آلاف الطلقات من الألعاب النارية.
مقر حاكم ولاية ماساشوستس في قلب بوسطن

مقر حاكم ولاية ماساشوستس في قلب بوسطن


واليوم، تمشي على "ممر الحرية"، بين الميناء وقاعة فاناوي، ثم إلى بيت الحاكم القديم، إلى مقبرة غراناري الصغيرة المزدحمة بالجثث والأسماء الكبيرة، إلى الحدائق العامة، وفيها ملعب الأطفال، الذي انتصبت على أرضه في يوم من الأيام مشنقة للمختلفين في الدين والمذهب، وتقف فيه اليوم سيدة محجبة مع أطفالها، وحولهم أطفال بملامح شقراء وإفريقية وآسيوية وعربية، وتتأمل: لعل في هذا المكان عبرة لأمة أخرى وراء المحيط.
ملعب الأطفال هذا كان ساحة إعدام في أيام بوسطن الأولى

ملعب الأطفال هذا كان ساحة إعدام في أيام بوسطن الأولى


في المترو لزيارة جبران

تركب المترو، وهو الأقدم في الولايات المتحدة بالمناسبة، إلى كوبلي سكوير، أهم ميادين المدينة. وفي بالك أن ترى النصب التذكاري للاسم الأشهر بين العرب الأميركيين، الأديب اللبناني جبران خليل جبران، أو حسب اسم الشهرة الإنكليزي خليل جبران، الذي عاش في بوسطن وكتب فيها مؤلفه الأشهر "النبي"، قبل حوالي مئة عام.

يقدم جبران الصورة الأجمل عن عرب بوسطن، ويبلغ عددهم اليوم 10 آلاف من بين 65 ألفا يعيشون في ولاية ماساشوستس. ولا يشمل هذا العدد الطلبة القادمين من دول عربية، وهم عدة آلاف (من السعودية وحدها يدرس 1400 طالب في بوسطن).

ونصب جبران في كوبلي سكوير، أنتجه نحات آخر اسمه خليل جبران، وهو الابن بالمعمودية للأديب اللبناني الشهير، واختار له موقعا مركزيا أمام مكتبة بوسطن العامة، حيث كتب جبران.
صرح لذكرى جبران خليل جبران في كوبلي سكوير ببوسطن

صرح لذكرى جبران خليل جبران في كوبلي سكوير ببوسطن



وملامح مكتبة بوسطن العامة هي ملامح بوسطن ذاتها. عمارة باذخة، غنى معرفي (22 مليون مطبوعة ورقية ورقمية)، واستعارة مدهشة لثقافات العالم، معماريا، وفي المطبوعات المعروضة.
قاعة مطالعة في مكتبة بوسطن العامة

قاعة مطالعة في مكتبة بوسطن العامة


تركب المترو مجددا وتقطع نهر التشارلز إلى كامبريدج. يتدافع آلاف المراهقين والشبان العشرينيين. تلحظ وجوها من كل الأعراق وأزياء عصرية معولمة: فتاة إفريقية ترتدي سروالا مصمما على نمط الكوفية الفلسطينية، شابا أشقر يرتدي قميصا بتطريز ياباني، هوسا بالرياضة والرشاقة، وألسنا تتداخل فيها إنجليزية "نيو إنجلند" بلغات الأرض.

"جاشوا" أحد هؤلاء. يرتدي زي المهاجرين الأوائل المؤسسين للولايات المتحدة، ويحكي تفاصيل مثيرة عن دسائسهم السياسية وقصصهم الشخصية وكأنهم يعيشون بيننا، لكن دردشة سريعة تكشف لك أنكما قصدتما الجامعة ذاتها، ودرسكما الأساتذة نفسهم، أنت أيها القادم من وراء المحيط.

شاهد جاشوا يتحدث عن تراث العرب الأميركيين في بوسطن:
  • 16x9 Image

    عبد الرحيم عبد الله

    يعمل عبدالرحيم عبدالله صحفيا في القسم الرقمي التابع لشبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN والذي يشرف على موقعي "راديو سوا" وقناة "الحرة". درس عبدالله الصحافة في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية وفي أميرسون كوليدج بالولايات المتحدة الأميركية، وعمل منذ 2003 محررا في صحيفة الحياة الجديدة الفلسطينية، ومستشارا ومدربا إعلاميا في عدد من المؤسسات والمشاريع الإعلامية الدولية والفلسطينية.

XS
SM
MD
LG