Accessibility links

بعد ستة أشهر من الكر والفر والمعارك الضارية، دخل مقاتلو المعارضة في ليبيا العاصمة وسيطروا على بيت العزيزية مقر إقامة العقيد معمر القذافي الذي اختفى في مكان غير معلوم. لكن صوته لم يتلاشي بل ظل يحث من وصفهم بالجحافل المسلحة على القتال.

تلك الدعوات لم تمنع المجلس الوطني الانتقالي والمجتمع الدولي من البدء في التحرك لإعادة إعمار البلاد وترتيب البيت بعد أن تتوقف آلة الحرب عن الدوران في ظل وجود جيوب للمقاومة في أنحاء متفرقة من طرابلس ومناطق أخرى.

فخرج محمود جبريل رئيس اللجنة التنفيذية للمجلس الوطني الانتقالي الليبي بعد اجتماع مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ليعلن أولويات المرحلة المقبلة. وقال جبريل في مؤتمر صحفي في باريس: "أمامنا في المجلس الوطني الانتقالي كما اتفق زملائي داخل هذا المجلس وداخل المكتب التنفيذي أو الحكومة المؤقتة، مهام صعبة أساسها أمن واستقرار كأولوية مطلقة في المرحلة الأولى وأساسها البدء في إرساء دعائم العدل حتى يعرف الليبيون أن ليبيا القادمة هي لكي ذي حق أن يأخذ حقه عن طريق القانون".

كما حدد جبريل آليات العملية السياسية في المرحلة المقبلة لإعداد دستور للبلاد وإجراء انتخابات بالقول: "يقوم هذا المؤتمر الوطني باختيار لجنة لوضع مسودة الدستور. كما يقوم بتشكيل الحكومة الانتقالية التي ستشرف على الانتخابات البرلمانية والانتخابات الرئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة. عندما يُستفتى على الدستور في المدة المحددة كما كان مقررا في مؤتمر الدوحة بإجراء الانتخابات بعد إقرار الدستور في مدة لا تتجاوز أربعة أشهر، ثم بعد إجراء هذه الانتخابات من المفروض أن يصبح رئيس البرلمان الجديد هو الرئيس المؤقت للبلاد حتى تجرى الانتخابات الرئاسية. وعند انتخاب البرلمان يُحَل المؤتمر الوطني ويصبح البرلمان المنتخب هو الجهة السيادية إلى أن تجرى الانتخابات الرئاسية وتُشكَل حكومة منتخبة وعندها تُحَل الحكومة الانتقالية".

وأوضح إبراهيم الدباشي نائب مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة أن الحكومة الانتقالية ستكون لديها خطة للنهوض بليبيا في المرحلة القادمة. وقال لراديو سوا: "سيتم تشكيل حكومة انتقالية سيكون لديها خطة لإعادة البناء وتتضمن كل ما هو ضروري بعد سقوط نظام معمر القذافي فيما يتعلق بإعادة البناء وإقامة المؤسسات والمسار الديمقراطي". وقال الدباشي إن مقر المجلس سينتقل إلى طرابلس عندما تسنح الفرصة: "الآن الثوار بصدد تأمين مقر للمجلس الوطني الانتقالي. وحالما يتم ذلك سيتم نقل المجلس إلى مدينة طرابلس".

ومن ناحيته، شدد دانيال سيروار الأستاذ بكلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن على ضرورة تطبيق خارطة الطريق التي حددها المجلس الانتقالي في أسرع وقت ممكن. وأضاف سيروار لراديو سوا: "أعتقد أن أفضل طريق يجب أن يسلكه الليبيون هو الدرب الذي يختارونه بأنفسهم. وأعتقد أن المجلس الوطني الانتقالي وضع ما يسميه خارطة طريق. وكلما عجـّلوا في البدء بتطبيق تلك الخارطة كلما كان ذلك أفضل للبلاد. تلك الخطة ترسي قواعد صياغة الدستور وإجراء الانتخابات. من وجهة نظري أعتقد أن إتمام العملية الانتقالية برمتها في غضون عام فيه شيء من التعجل. أظن أن الأمر قد يستغرق وقتا أطول".

وأقر سيروار بصعوبة المضي في العملية الانتقالية في ظل الأوضاع التي تعيشها ليبيا: "التنفيذ هو أمر صعب في تلك الأجواء العنيفة والفوضوية، لذا يتعين عليهم التركيز على التطبيق والأداء. لكنني أعتقد أنهم يستطيعون إجراء العملية الانتقالية بالشكل الصحيح بشيء من الدعم".

كما رجح زياد عقل خبير الشؤون الليبية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن يعاني المجلس الانتقالي من صعوبات جمة في المرحلة القادمة. وقال عقل لراديو سوا: "أعتقد أن السيطرة الأمنية على الحيز الجغرافي الشاسع لليبيا لن تكون سهلة ولن تكون سريعة بل ستأخذ بعضا من الوقت. وسنشهد في هذا الوقت عددا من الأعمال العنيفة التي ستحدث داخل ليبيا".

كما توقع عقل أن يشهد المجلس انشقاقات بشأن تطبيق العملية السياسية: "بعض الانشقاقات داخل المجلس الانتقالي بالطبع متوقعة. أنا أعتقد أنها لن تكون على أسس أيديولوجية عميقة وإنما ستكون على أسس إدارة العملية السياسية في المرحلة القادمة". وهو ما دفع دانيال سيروار الأستاذ بكلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة بواشنطن للدعوة إلى أن يكون التمثيل في أي سلطة مستقبلية أوسع نطاقا: "لا يمثل المجلس جميع الأطياف، وهو ليس مجلسا جامعا. فالمجلس يضم القليل من طرابلس وهم من فروا من طرابلس وليس من بقوا هناك. وبالتالي يتعين عليهم أن يحرصوا على أن تكون أي سلطة انتقالية جديدة ذات تمثيل أوسع نطاقا من أنحاء البلاد". وقال محمد العجلاني أستاذ العلاقات الدولية في باريس إن المجلس بقوامه الحالي يظل كيانا انتقاليا يتمحور دروه في تمهيد الطريق أمام من سيقودون البلاد نحو البناء الديمقراطي. وأضاف العجلاني لراديو سوا: "المجلس الانتقالي لن يكون صاحب المبادرة. فهو عبارة عن تجمع يضم تيارات قبلية ودينية وليبرالية وعلمانية واتفقوا على الإطاحة بالقذافي. الآن هل سيتفقون على مرحلة تعمير وبناء ما بعد القذافي؟ هذا هو السؤال. لذا يجب تهيئة الأجواء لانتخاب حكومة ليبية وإجراء انتخابات تشريعية لكي تضمن هذه الحكومة عملية البناء. المجلس الانتقالي بحكم تكوينه الحالي ووضعه الحالي وبحكم وجود أشخاص عملوا مع النظام السابق، يجب عليه توفير حالة من الاستقرار لتشكيل حكومة ليبية وإجراء الانتخابات".

لكن زياد عقل خبيرَ الشؤون الليبية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية عاد وأكد أن الشرعية التي يتمتع بها المجلس الانتقالي تمنحه القدرة على التماسك: "العامل المطمئن الوحيد في هذه المعادلة هو حجم الشرعية التي استطاع المجلس الوطني الانتقالي أن يحصل عليها سواء داخل المجتمع الليبي أو في الخارج والتي ستساعده في البقاء ككيان سواء انشق أفراده وتم استبدالهم بأفراد آخرين أو ظل كما هو. فهذا الكيان تمتع بشرعية منذ إنشاؤه في فبراير الماضي وحتى الآن، ولا أعتقد أن هناك تنظيما سياسيا في ليبيا قادر على منافسة هذه الشرعية".

ومع اتجاه المعارضة الليبية نحو تقرير مصير البلاد والبدء في عملية بناء ديمقراطية بعد سنوات طويلة من حكم الفرد الواحد، توقع إبراهيم الدباشي نائب مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة أن تتمخض المرحلة القادمة عن بزوغ أحزاب جديدة لكنها لن تكون ناجمة عن خلافات أيديولوجية: "في الوقت الحالي لا توجد قوى سياسية كبيرة في ليبيا. ربما هناك قوة واحدة أو قوتان واضحة المعالم. ولكن نتوقع إنشاء عدد كبير من الأحزاب في المرحلة الراهنة. ولكن بغض النظر عن عدد هذه الأحزاب، فإن الشعب الليبي شعب متجانس. وهذه الأحزاب ستكون ناجمة عن رغبة شخصية من بعض الأفراد بأن يكون لهم دور في الحياة السياسية في ليبيا، ولكن هذه الأحزاب لن تنشأ بسبب وجود خلاف أيديولوجي كبير".

كما أوضح دانيال سيروار الأستاذ بكلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة بواشنطن أن التنوع هو أمر جيد لكن يجب التركيز في المرحلة الراهنة على توحيد الأهداف: "إن الخلافات القبلية والسياسية حيوية للديمقراطية. إننا نمر بمرحلة انتقالية الآن، لذا فهم يحتاجون في هذه المرحلة للاتحاد لا للانقسام. لكن عندما يفرغون من صياغة الدستور ويخوضون الانتخابات، فستكون هناك منافسة على الأصوات. وهنا سينافس البعض على أسس قبلية، بينما سينافس البعض الآخر وفقا للانتماء الجغرافي فيما سينافس آخرون على أساس الأفكار السياسية. وكل هذا هو جزء من أي نظام ديمقراطي".

كما قال محمد الورفلي الناشط السياسي الليبي إن التنوع هو أمر محمود. واستطرد قائلا لراديو سوا: "هل يريدون أن يكون الشعب الليبي طيفا واحدا. هذا ما أراده القذافي طوال اثنين وأربعين عاما. التنوع يدل على أن القذافي لم يستطع القضاء على كل الأفكار في ليبيا. نعم نحن لدينا يساريون وعروبيون وليبراليون وناصريون وإسلاميون بأنواعهم وإلى ما هنالك من التيارات الأخرى. هذا التنوع في إطار الوطن الواحد وفي إطار توافق بشأن إقامة دولة مؤسسات".

ولكن بعد انتهاء المعارك ما هو مصير مقاتلي المعارضة؟ إبراهيم الدباشي نائب مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة قال إن هؤلاء المقاتلين سيتم تسريحهم فور انتهاء المعارك. كما أفاد بأن الشرطة والجيش سيعودان لبسط الأمن في البلاد: "أعتقد أن جهازي الشرطة والجيش سيعودان. صحيح الشرطة تحتاج إلى إصلاح ولكن ليست هناك ملاحظات تذكر على جهاز الشرطة في ليبيا. فهو الجهاز الذي سيتولى حفظ الأمن في ليبيا. نتوقع أن تعود الشرطة من جديد لإدارة أمن البلاد في غضون شهر".

واقترح زياد عقل خبير الشؤون الليبية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن يتم الاستفادة بهؤلاء المقاتلين بشكل أكثر تنظيما: "أعتقد أنه يجب أن يُفتَح باب التطوع للخدمات الشرطية والأمنية داخل ليبيا. لن يستطيع المجلس الوطني الانتقالي السيطرة على ليبيا بما كان موجودا في مرحلة القذافي. فيجب أن تتم عملية تنقية لهذه القوات. يجب الاستعانة بعدد من المقاتلين الذين خاضوا حربا واكتسبوا خبرات. وفي النهاية يعد هذا التطور في الحقيقة هاما جدا لأنه قد يشكل حلا لمشكلة البطالة في ليبيا".

وتتزامن التطورات على الأرض في ليبيا مع جهود دبلوماسية دولية مكثفة لتحديد حجم المساعدات التي تحتاجها البلاد وطبيعتها. محمد العجلاني أستاذ العلاقات الدولية أكد أن ليبيا تحتاج إلى الكثير من الدعم قائلا: "يجب أن يكون هناك دعم لتهيئة البنية التحتية وتقديم الخبرات الكافية لإعادة بناء ما دمرته تلك الحرب وإصلاح ما كان غير صالح في عهد القذافي. أعرف أن هناك قطاعا صحيا ومصرفيا وتعليميا متأخر، فما بالك اليوم بعد أن دُمِرت البنى التحتية الأخرى. ليبيا بحاجة إلى خبرة دولية لإعادة بنائها وفقا للأصول الحديثة".

كما أكد زياد عقل الخبير الاستراتيجي المصري أن الدور الاقتصادي والتنموي أهم من أي دور عسكري قامت به الدول الغربية، مع التركيز على قطاع النفط: "إذا كانت القوى الغربية تتساءل عن الدور الذي يمكن أن تلعبه بعد رحيل القذافي، ففي الواقع الدور الاقتصادي والتنموي أهم بكثير من الأدوار العسكرية في المرحلة المقبلة. يجب أن تكون هناك مساعدات كبيرة وسريعة لإعادة ضبط قطاع النفط الذي إن لم يضبط وإن لم يعد للعمل لن تستطيع ليبيا أن تمضي قدما في تطبيق خريطة الطريق السياسية لأنه لن يكون لديها اقتصاد يسمح لها بتسيير شؤون البلاد بشكل إنساني".

وقال إبراهيم الدباشي الدبلوماسي الليبي إن بلاده ستعتمد على مواردها، لكنها تحتاج إلى رفع التجميد المفروض على الأصول الليبية في الخارج: "نحن سنعتمد بالدرجة الأولى على قدراتنا الذاتية لأن لدينا الكثير من الأموال المجمدة في الخارج. وإذا نجحنا في إعادة تصدير النفط خلال أسابيع فإننا قد لا نحتاج إلى مساعدات اقتصادية. قد نحتاج إلى خبرات تقنية وإدارية وبعض الاستشارات من بعض الدول الأخرى".

يأتي هذا بينما أعلن جوش إيرنست أن الإدارة الأميركية تدرس رفع الحظر عن الأصول الليبية التي تم تجميدها بموجب العقوبات التي طبقتها الولايات المتحدة منذ أشهر. وقال إيرنست في مؤتمر صحفي: "إنهم يعملون من أجل توفير مليار وخمسمئة مليون دولار من هذه الأموال والأصول لتوفير مساعدات إغاثية وتقديم الدعم للمجلس الانتقالي الوطني."

كما دعا دانيال سيروار الأستاذ بكلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة بواشنطن إلى إصدار قرار دولي يحدد الإطار العام للتعامل مع مرحلة ما بعد القذافي: "أعتقد أن أول شيء مطلوب هو قرار من مجلس الأمن يرسي الأهداف التي يرغب الليبيون في تحقيقها. ويلزم المجتمع الدولي بدعم ليبيا".

وحدد سيروار الدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة ودول الغرب: "الولايات المتحدة يمكن أن تقدم الدعم للجيش وأجهزة المخابرات. أما الأوروبيون فيتعين عليهم تقديم الدعم لقطاع الطاقة. كما يمكنهم المساعدة في دعم الشرطة أيضا".

وتوقع محمد العجلاني أستاذ العلاقات الدولية في باريس أن تلعب فرنسا دورا كبيرا في ليبيا: "أعتقد أن الرئيس ساركوزي سينتهز الفرصة السانحة الآن لفرنسا. فمنذ الأزل كانت تحب أن يكون لها وصاية على ليبيا بدلا من الوصاية الإيطالية. وفرنسا كدولة متوسطية ترى أن ليبيا لها نافذة واسعة على البحر المتوسط. أعتقد أن ساركوزي سيحاول الدخول من بوابة دعمه للثوار ومن البوابة الأميركية من بوابة المصالح بالطبع لأن فرنسا لعبت دورا كبيرا في تلك المنطقة. أعتقد أن الأوراق الآن متاحة للدخول على الساحة الليبية".

وما بين هذا وذاك، ما هو موقف الجامعة العربية التي دعمت في بادئ الأمر قرار فرض منطقة الحظر الجوي فوق ليبيا؟ أحمد بن حلي نائب الأمين العام للجامعة قال لراديو سوا إن ما يهم الآن هو تحقيق الاستقرار في ليبيا: "ما يهمنا الآن هو حقن الدماء التي تسيل في ليبيا. ما يهمنا هو أن تأتي سلطة تحقق المطالب والتطلعات التي عبر عنها الشعب الليبي. ما يهمنا هو استقرار ليبيا والتزام الجميع بوحدة ليبيا".
XS
SM
MD
LG