Accessibility links

مذكرات صحافي: عندما زرت #مصر.. مشاهد من المحروسة


مشهد من الزحام المروري في القاهرة

مشهد من الزحام المروري في القاهرة

بعد حوالي أربع سنوات قضيتها في أميركا، حصلت مؤخرا على أطول إجازة لي من العمل منذ عشر سنوات، وكانت فرصة للتعرف على مصر من جديد، ليس في ميادين التظاهر ولكن بين الناس العاديين، فهل تغيرت مصر؟ وهل تغيرت طبائع المصريين كما يتهمون هم أنفسهم أم أن المسافر إلى بلاد الأحلام قد يبالغ في تقييم الوضع داخل بلده؟

ثلاثة أشهر كاملة، كانت فرصة تاريخية ليس فقط لالتقاط الصور مع الأصدقاء وزيارة الأهل، ولكن للتعرف على الواقع الاجتماعي مع الابتعاد عن السياسة، أو فقط الاستماع إلى وجهات نظر سياسية متناقضة دون الانخراط في النقاش، بسبب ريبة المصريين من شخص يعيش في الغرب مثلي، وربما أيضا بسبب حيادي كصحافي يبحث فقط عن الحقيقة.

تلك الحقيقة غائبة اليوم وسط الاستقطاب الشديد الذي يطغى على المصريين جميعا، كبيرهم وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم بدون استثناء.

من أهم ما يميز المصريين: الحركة المستمرة والدائمة. ليس فقط في "ثورة، أو ثورتين أو انقلاب أو مد ثوري أو موجة ثورية"، ولكن أيضا في العاصمة، في أبواق السيارات وأصوات الباعة، وفي وسائل المواصلات، في المحال التجارية، وفي عربات مترو الأنفاق..

حرب الغرافيتي

في طريق عودتي من مطار القاهرة، غمرتني مشاعر متناقضة يجمع بينها الحنين والشوق للبلد وأهله.. لم ينتشلني من مشاعري سوى ذلك الكم الهائل من رسومات الغرافيتي المناهضة للسيسي: "السيسي خائن..السياسي عميل..السيسي قاتل" وأحيانا تم اختصار اسم السيسي بـCC وكأنها كتبت على عجل خشية الوقوع في قبضة الأمن.

أحد الحوائط وقد كتب عليها عبارة"السيسي خائن"

أحد الحوائط وقد كتب عليها عبارة"السيسي خائن"

​تنتشر هذه الكتابات على الحوائط والبنايات والطرقات وحتى على المباني الحكومية والعسكرية. ومع كثرتها زادت صعوبة طمس معالمها، لكن على أحد المنازل كتب معارضو السيسي " CC قاتل" قبل أن يوضع حرف الميم قبل كلمة قاتل لتصبح "مقاتل". إنها حرب من نوع جديد.

زادت شعبية فن الغرافيتي منذ بدايات ثورة كانون الثاني/يناير 2011 وأحداث محمد محمود التي سقط خلالها عدد كبير من الشباب الثائر. وشهدت المحاكم المصرية معارك قضائية ضد قيام الحكومة المصرية بمسح هذه الرسومات، التي أصبحت وجهة سياحية وساحة للتنافس بين مبدعي الثورة.

"منك لله يا مرسي"

اعتاد المصريون أن يدعون الله للانتقام من الرئيس المصري السابق محمد مرسي، كلما انقطع التيار الكهربائي عنهم لأنه هو وجماعته "منعوا الوقود عن المصريين وفضلوا تزويد حركة حماس في غزة به"، لكن المصريين من فئات مختلفة وممن يطلق عليهم حزب "الكنبة"، وهم قطاع عريض من الشعب لم يشارك في يناير، وعزف عن ممارسة أي دور سياسي وقتها، خرجوا في يونيو/حزيران 2013 لتأييد تحرك الفريق أول وقتها، عبد الفتاح السيسي تجاه عزل مرسي.

قال راكب ساخرا "منك لله يا مرسي لسه بتقطع عننا الكهربا حتى وأنت في السجن"
في إحدى الحافلات العامة أثناء سفري لزيارة أهلي وسط الدلتا، جلس سبعة أشخاص في صمت حتى لاح في الأفق ظلام المدينة الدامس فقال راكب ساخرا "منك لله يا مرسي لسه بتقطع عننا الكهربا حتى وأنت في السجن". رد آخر غاضبا "هو إنت كمان بتقول عليه بيقطع الكهرباء حتى وهو في السجن". إنها حالة غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي في مصر.

في طريقي لأحد المختبرات الطبية لاستلام نتيجة تحليل، انقطع التيار الكهربائي مجددا، وارتفع ضجيج المولدات الكهربائية في المحال التجارية. ما إن صعدت الدرجات الأولى من سلم البناية التي يقع المعمل الطبي في طابقها الثالث، حتى استقبلني ظلام حالك. فاتني في ذلك الوقت تحميل تطبيق "الكشاف" على هاتفي المحمول وهو تطبيق له شعبية بالغة بين أصحاب الهواتف الذكية في مصر، بسبب تكرار انقطاع التيار الكهربائي.

اضطررت إلى الصعود في ذلك الظلام الحالك متحسسا طريقي، فسمعت أحد زبائن المختبر يصيح بموظف الاستقبال "انتوا ازاي معندكوش مولّد؟ أنا جاي من بلد بعيدة عشان آخد النتيجة". طلب مني موظف آخر انتظار عودة التيار كي يتمكن من طباعة النتيجة، واضطررت أنا وبضعة أشخاص آخرين الانتظار لأكثر من 90 دقيقة مرت كأنها ساعات.

تذكرت في ذلك الوقت أزمة انقطاع التيار الكهربائي في الساحل الشرقي للولايات المتحدة أثناء إعصار ساندي، وتعطل البنوك وماكينات الصرافة وإشارات المرور.. هنا أدركت لماذا يتذمر المصريون من انقطاع التيار لأنه انقطاع يومي، بل ربع يومي ونصف يومي، ويستمر لساعات طويلة.

الزحام ضعفان

انتقلت من الدلتا عام 2003 لأبدأ رحلة العمل في القاهرة. سكنت في مستهل هذه الرحلة بفندق قديم بمنطقة العتبة التاريخية، وهي معروفة بتكدس شوارعها بالبائعة الجائلين الذين يبيعون الأقمشة والملابس الرخيصة. كنت أمر كل يوم على هؤلاء أثناء توجهي لركوب حافلة العمل. أتذكر الآن وقوف هؤلاء الباعة على الأرصفة.
حي العتبة وسط القاهرة

حي العتبة وسط القاهرة

تكرر المشهد عام 2014 قصدت نفس المكان زائرا. لم يكن هناك حيز كاف لمرور السيارات، إلا شريط ضيق للغاية تمر من خلاله الحافلة، وكأنه آخر ما تركه الباعة للعامة بعد احتلالهم كل شيء..

ليست فقط العتبة المكان الوحيد الذي تغير، ففي مدينة مصر شرق العاصمة، مركز الأثرياء، ارتفعت الأبنية واصطفت السيارات على جانبي الطريق، واحتل الباعة الجائلون بعض الأماكن.

زحام وقهر على الطريق

تشير الدراسات إلى وفاة أكثر من 10 آلاف شخص في مصر سنويا جراء حوادث الطرق. ولطالما تساءلت لماذا لا يغضب الركاب من سائقي الحافلات الذين لا يتبعون القانون ولا يراعون ضميرهم؟ ولماذا لا تفرض الحكومة قوانين المرور فرضا؟

جلست أنا وزوجتي إلى جوار سائق الحافلة من منطقة رمسيس وسط القاهرة إلى عبود شمالا. أراد السائق توفير الوقت وتجنب الزحام بالسير عكس الاتجاه وبالتالي اضطر إلى مصارعة السيارات القادمة. لم يمكن حتى أن أتخيل أن بإمكان شخص ما قيادة سيارته هكذا في الولايات المتحدة.

كاد السائق أن يدهس أحد المواطنين، وبعد أن لاحظ خوفي واستهجاني، قال لي ساخرا "إيه يعني لو مات.. اعتبره مات في الثورة"!

وكأن شيئا لم يكن. واصل السائق رحلته دون مبالاة بحياة المارة الآخرين. تذكرت وقتها مداخلة تليفونية في إحدى البرامج التلفزيونية لأحد أعضاء النيابة قال فيها إن قضايا القتل الخطأ تظل لسنوات وسنوات في أروقة المحاكم ولا تنتهي بعقوبات رادعة.

سألت صديقي المهندس الذي يقطن حي الرحاب الراقي، وهي منطقة اختير أن تقع بعيدا عن زحام القاهرة، "ماذا يحدث لو قتلت شخصا عن طريق الخطأ وماذا يحدث لو تعرضت سيارتك لحادث؟ قال "لا شيء. عوضك على الله".

"ربنا يخليلك الهانم"

جلست أنا وزوجتي على ضفاف النيل للاستراحة من عناء السير. اقتربت سيدة ترتدي الجلباب المصري الأسود المعروف، ومدت يدها لتبيع لنا زهرة صناعية حمراء. قالت "ربنا يخليك الهانم يابيه.. اشتري مني واحدة". لا تستطيع في مصر أن ترفض هذه النوعية من العروض بسهولة، ولكل طريقته في طلب الحاجة، فهناك بائعو المناديل الورقية والعصائر والمثلجات وغيرهم.. لم تفلح محاولاتي الهرب من إلحاح السيدة التي أصرت بشدة أن أشتري الزهرة الحمراء، وإلا فأنا "لا أحبها" (زوجتي).
لا تستطيع في مصر رفض هذه النوعية من العروض بسهولة، ولكل طريقته في طلب الحاجة، فهناك بائعو المناديل الورقية والعصائر والمثلجات وغيرها
اعتدت في الصغر على نموذج واحد للشحاذ: هو رجل مسن لا يعتني بنظافته وملبسه، لديه عاهة مستديمة، حقيقية كانت أو مزورة، يجلس على الأرصفة.. الآن تغير الوضع. قال لي أحد الأصدقاء "لا تتعجب من تصرف بائعة الزهور فهناك بشر في مصر يعيشون على أقل من دولار يوميا، ولا يكفي ذلك لسد جوعهم".

حيلة أخرى لكسب المال في الأماكن الراقية. قصدت أنا وأسرتي مطعما معروفا بمأكولاته الطيبة وخدمته الراقية.. ما إن جلست على طاولة الطعام حتى التف حولي أربعة من طاقم المطعم. أبوا أن يتركونا وتذمرت أسرتي.. أدركنا أن هذا التصرف هو خطة الأربعة للاستيلاء جميعا على البقشيش.. أنهينا طعاما لم نستمتع به، وطاردوني للحصول على "ما فيه النصيب" بل إن شخصا خامسا لم يخدم الطاولة التي تناولنا عليها طعامنا طالب بنصيبه أيضا.

حتي في مطعم البيتزا العالمي المعروف، ظننت أن 10 دولارات تكفيني لشراء قطعة متوسطة الحجم كما أفعل في أميركا.. دفعت أكثر بكثير مقابل خدمة سيئة ومطاردات أخرى من أجل البقشيش..

لكن ورغم ذلك كله، لا يفقد المصريون الأمل في المستقبل.. يضحكون في أسوأ ظروفهم، ويبحثون عن "اللقمة الحلال" بأي طريقة ممكنة، ويقف صغيرهم لكبيرهم ليشغل مكانه في وسائل المواصلات..

بل وغنوا "هابي" على الطريقة المصرية أيضا:
  • 16x9 Image

    هاني فؤاد الفراش

    تخرج عام 2002 ثم التحق للعمل مباشرة بوزارة الإعلام المصرية كمحرر، قبل أن يعمل كمحرر للموقع الالكتروني لبوابة مصراوي. عمل في مراكز للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة

XS
SM
MD
LG