Accessibility links

logo-print

كيف للولايات المتحدة أن تنشر الديموقراطية في المنطقة العربية؟


الشرطة المصرية تلقي القبض على احد مؤيدي الإخوان

الشرطة المصرية تلقي القبض على احد مؤيدي الإخوان

تنفق الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات سنويا في إطار مساعيها لـ"نشر الديموقراطية" في سائر دول العالم التي لا تزال ترزح تحت ظل أنظمة ديكتاتورية واستبدادية، وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فهل أتت تلك المساعي بنتيجة؟

ألم يحن الوقت لتغير واشنطن سياساتها في نشر تلك المبادئ لتكون أكثر فاعلية مما هي عليه اليوم؟ هذا هو السؤال المركزي الذي حاول مقال نشرته صحيفة "بوسطن غلوب" الإجابة عليه بالاعتماد على دراسة تسلط الضوء على الدعم الأميركي الذي سبق ثورات "الربيع العربي".

"نشر الديموقراطية" في تلك الدول كان وما زال هدفا تسعى إليه معظم دول الغرب، فهي تعطي الأموال منذ خمسينيات القرن الماضي على الأقل، لمؤسسات حقوقية وقانونية ومالية غير ربحية، تنشط في تلك البلدان. تعد تلك المؤسسات، وعلى سبيل المثال الوقفية الوطنية للديموقراطية والمؤسسة الدولية لأنظمة الانتخابات، برامج تمول منظمات المجتمع المدني المحلية وبعض الأحزاب السياسية الساعية للتغيير في بيئتها والمؤسسات الحكومية الضرورية في أي مجتمع مدني.

أيديولوجية العمل التطوعي

لا شك أن الأمر مغر لتلك الحكومات، فدعم من هذا النوع يعطي الانطباع بأن أي طارئ يقلب معادلة الحكم في بلد ما، سيأتي بالانتقال الديموقراطي سريعا، فيهب من تلقى دعما من تلك المنظمات ويقف معه آخرون بهدف التغيير.

لكن، ليس هذا ما يحصل عادة بعد الثورات الشعبية، خذ الربيع العربي مثالا.

تستند أيديولوجية الحكومات الغربية لنشر الديموقراطية في العالم على فكرة العمل التطوعي، فهي تستغل رغبة بعض قطاعات الشعب في التغيير وتدعمها وصولا إلى الهدف المشترك.

هذه الأيديولوجية متفائلة جدا، فهي تؤمن بقوة القرارات الفردية في تغيير مسار أمة ما، وأن بالإمكان رعاية وبناء أسس الديموقراطية عبر إعطاء النشطاء وقادة المستقبل المهارات المطلوبة.

ففي ظل النظام الديكتاتوري، يخفي الجميع مواقفهم، لكن حين يعبر بعض "الشجعان" عن تلك المواقف علانية، قد يفاجأون بموجة من الداعمين الذين أعطاهم موقف أولئك الشجعان الدفع المطلوب للتحرك، حسبما يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة ديوك الأميركية تيمور كوران.

مصر خير مثال

في عالم السياسة، يترجم هذا الدعم عبر وضع مليارات الدولارات تحت تصرف برامج تعكف على تدريب "كل شيء" من الصحافي الشاب إلى العامل وصولا إلى عضو البرلمان.

وجاء ما يسمى بالربيع العربي، بعد سنين طويلة من جهود "نشر الديموقراطية" في المنطقة، فرجح الجميع أن التغيير قادم.

وكانت المفاجأة أن الثورات لم تأت بنتائج تذكر. فجميع الدول العربية التي وقفت ضد حكامها وأطاحتهم، أصبحت اليوم أقل ديموقراطية، باستثناء تونس.. ربما.

مصر، حيث أطاحت ثورة شعبية حكم الرئيس حسني مبارك عام 2011، أصبح النظام العسكري فيها اليوم أكثر قمعا للشعب، حسب دراسة أميركية.

يقول الخبير السياسي في جامعة هارفرد طارق مسعود، إن الدول الساعية لنشر الديمقراطية، ينبغي أن تكون أكثر تواضعا في طموحاتها حول التغيير في تلك الدول.

فقد توصل مسعود في دراسة أعدها بالاشتراك مع خبراء آخرين، إلى محصلة مفادها أن الأنظمة العربية "الاستبدادية" كانت تتمتع بهيكل حكم مستقر، لا يمكن لأي دعم غربي لمبادئ الديموقراطية، مهما كان حجمه، أن يحدث تغييرا.

نظرية التحضر

فمسعود الذي كان مؤمنا بالأيديولوجية الحالية، أصبح من المعارضين لها. فهو يرى أنه من الأفضل توجيه تلك الأموال الطائلة لدعم وتحسين أوجه الحياة التي تساعد الديموقراطية على الازدهار، كقطاعات التعليم والصحة، بالإضافة إلى التنمية الاقتصادية.

فقد أظهرت الدراسة أن استمرار الأنظمة الاستبدادية لم يكن له علاقة بمنظمات المجتمع المدني أو قادة المظاهرات أو حتى تفاصيل النظام السياسي القائم. بل أن المعادلة كانت بسيطة للغاية، فكلما كان النظام يمتلك المال وقوات الأمن الموالية له، كلما كانت فرصه كبيرة في التصدي لضغوط التغيير.

وهنا تأتي فكرة "التحضر"، التي تستند إلى فكرة أن ازدهار الديمقراطية يتطلب وجود ظروف ملائمة، أبرزها التنمية الاقتصادية ودعم قطاع التعليم.

ففي مصر على سبيل المثال، كانت نسبة الأمية عند الإطاحة بحكم مبارك عام 2011 شبيه بتلك في بريطانيا عام 1850، وأن معدل دخل الفرد السنوي يقارن بمعدل دخل الفرد في الأرجنتين عام 1970 قبل أن تتحول إلى دولة ديموقراطية.

ورغم أن الدراسة تخرج بنظرية مفادها أن ضعف الهيكل التنظيمي للمؤسسات في تلك الدول، كان سببا في فشل ثوراتها ومسارها نحو الديمقراطية، يظل الدعم الغربي لوسائل نشر الديموقراطية عاملا مهما في التحول الديموقراطي، وقد تكون تونس وقبلها أندونيسيا ومنغوليا خير مثال على النتائج الإيجابية لهذا الدعم.
XS
SM
MD
LG