Accessibility links

مليون زائر لأميركا في برامج التبادل الثقافي والتعليمي


خريجون مع مساعد وزير الخارجية الأميركي ايفان رايان

خريجون مع مساعد وزير الخارجية الأميركي ايفان رايان

واشنطن – حسين زكي

تنفق حكومة الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات سنويا على برامج التبادل الثقافي والتعليمي، إذ تستقبل آلاف الزائرين سنويا من مختلف بلدان العالم، وترسل أيضا عددا كبيرا من مواطنيها للدراسة في الخارج.

ويقول مكتب الشؤون التعليمية والثقافية التابع لوزارة الخارجية الأميركية إن الحكومة الأميركية تستقدم ما يزيد على 30 ألف زائر سنويا من 160 دولة حول العالم وترسل أيضا عدة آلاف من مواطنيها للدراسة في الخارج. والهدف الأساسي هو تنمية التفاهم بين الشعب الأميركي ومختلف شعوب العالم، والترويج لعلاقات الصداقة ونشر السلام كنوع من الدبلوماسية العامة.

فهل نجحت الولايات المتحدة في ذلك بعد سبعة عقود من بدء هذه الدبلوماسية الناعمة كما يصفها البعض؟

النتيجة الأكثر وضوحا هي أن خريجي هذه البرامج الآن يزيدون عن مليون دارس (على مدى 70 عاما) من بينهم 360 رئيس دولة ورئيس حكومة سواء حاليين أو سابقين، بالإضافة إلى ما يزيد عن 1500 دارس تقلدوا مناصب وزارية في بلدانهم.

ومن بين خريجي هذه البرامج أيضا 50 فائزا بجوائز نوبل في مختلف المجلات.
خريجوا برنامج اللغة الانجليزية من عدة دول في جامعة مونتانا

خريجوا برنامج اللغة الانجليزية من عدة دول في جامعة مونتانا

هذا النوع من الدبلوماسية يحقق نجاحا كبيرا في نشر التفاهم بين دول العالم وربما في تحقيق أهداف سياسية ليست معلنة.

وهو ما يتفق معه الدبلوماسي والمؤرخ الأميركي جورج كينان، الذي عمل سفيرا لدي الاتحاد السوفيتي خلال فترة الحرب الباردة.

يقول كينان إن " الثقافة وسيلة مهمة لتقليص المشاعر السلبية بين الدول". أما أوليغ كالوجين الجنرال السابق في جهاز المخابرات السوفيتي (كي جي بي) ورئيس عمليات الجهاز في أميركا خلال نفس الفترة، فيقول إن برامج التبادل كانت بمثابة "حصان طروادة" الذي ساهم في تآكل الاتحاد السوفيتي.

وتعود قصة برامج التبادل الدولي إلى عام 1940 عندما قام نيلسون روكيفيلر، المنسق المعين للشؤون التجارية والثقافية، بدعوة صحافيين من أميركا اللاتينية لزيارة الولايات المتحدة كأول برنامج للتبادل الدولي مع أميركا اللاتينية.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، طرح السيناتور جيه ويليام فولبرايت تشريعا لما عرف فيما بعد ببرنامج فولبرايت الذي يعتبر برنامج التبادل الدولي الأشهر على مستوى العالم.

وفي عام 1959، تم فصل برامج التبادل التابعة لوزارة الخارجية عن مكتب الشؤون العامة ليتشكل مكتب العلاقات التعليمية والثقافية. وبعد ذلك بعامين مرر الكونغرس قانون التبادل التعليمي والثقافي المتبادل الذي عرف باسم قانون فولبرايت - هايس لعام 1961، وينص على زيادة البرامج الحكومية الرامية لتحسين التفاهم المتبادل بين مواطني الولايات المتحدة والدول الأخرى.

لم يتوقف الأمر عند ذلك بل عملت الحكومات الأميركية المتعاقبة على تطوير وزيادة برامج التبادل الثقافي الدولي، ففي عام 1978 أسس الرئيس الأميركي جيمي كارتر برنامج زمالة "هيوبرت همفري" لاستقدام قيادات شابة من أكثر من 100 دولة حول العالم لقضاء عام أكاديمي للدراسة والتدريب في مجالات مختلفة.

لكن ما حدث في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة شيء مختلف.

فعلى الرغم من نجاح هذه الدبلوماسية، بدأت أميركا في تقليص تمويل برامج التبادل حيث انخفض عدد الدارسين الذين تستقدمهم الولايات المتحدة من 45 ألفا إلى 30 ألفا تقريبا نتيجة النقص في التمويل.

وهو الأمر الذي انتقده تقرير بناء الدبلوماسية الأميركية الذي أعدته اللجنة الاستشارية للدبلوماسية العامة عام 2002. وقال التقرير إنه في الوقت الذي بلغ فيه الإنفاق على الدبلوماسية التقليدية 25 مليار دولار أميركي عام 2002 ووصل الإنفاق على أعمال الاستخبارات 30 مليار دولار أميركي في العام نفسه، بلغ الإنفاق على برامج التبادل 232 مليون دولار أميركي، انخفاضا من 349 مليون دولار أميركي أنفقت عام 1993.

لكن الإدارة الأميركية بدأت تدرك مجددا أهمية برامج التبادل عقب أحداث 11 سبتمبر .

وهو ما يشير إليه إدوارد دجيرجان في كتابه بعنوان "تغيير العقول لتحقيق السلام". فيقول "إن تقارير ودراسات أجريت في أعقاب هجمات سبتمبر 2011 دعت إلى زيادة تمويل برامج الدبلوماسية العامة في دول العالم الإسلامي، وكانت النتيجة أنه في عام 2003 كانت نسبة 25 في المئة من التمويل الحكومي المخصصة لبرامج التبادل الثقافي تستهدف الدول العربية والإسلامية، رغم اقتطاع التمويل منذ التسعينيات".

ويقول جاري ويفير أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية بواشنطن لموقع "راديو سوا" إن اتجاه الحكومة الأميركية لتخفيض برامج التبادل الدولي يعتبر "كارثيا"، فهذه البرامج اثبتت نجاحا كبيرا، كما أنها أفضل بكثير من الدبلوماسية العسكرية، فما يُنفق على صناعة طائرة واحدة يكفي لتمويل العديد من البرامج.

برامج التبادل الدولي ساهمت بالفعل في نشر التفاهم بين شعب الولايات المتحدة وشعوب العالم ولكن نتائج أخرى ربما لم تكن في ذهن من دشنوا هذه السياسة قد برزت لاحقا نتيجة السمعة التي اكتسبتها أميركا كأول وأكبر دولة تستقبل دارسين من كل أنحاء العالم. طلاب يشاركون في انشطة بنك الطعام في مونتانا

طلاب يشاركون في انشطة بنك الطعام في مونتانا



وهو ما يؤكده ويفير بقوله "إن العديد من طلبة البرامج الدولية أيضا يساهمون في ميزانية الجامعات التي يدرسون فيها ويُعتبرون موردا هاما من مصادر التمويل لهذه الجامعات".

أما مكتب الشؤون التعليمية والثقافية فيكشف عن مفاجأة عندما يؤكد أن برامج التبادل الدولي ساهمت بما يقدر بـ22,7 مليار دولار في اقتصاد الولايات المتحدة في العام المالي 2011/2012. وتأتي ولاية كاليفورنيا التي تضم كبري شركات التكنولوجيا مثل عملاق البحث "غوغل" في المرتبة الأولي من حيث عدد الطلاب أو الأساتذة المسجلين في جامعاتها.

وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية إلى أن الطلاب الدوليين في ولاية كاليفورنيا وأغلبهم من دول آسيوية ساهموا بما يزيد عن ثلاثة مليارات دولار في اقتصاد الولاية في العام المالي 2011/2012. وفي ولايات ألاباما وكولورادو، ومقاطعة كولومبيا، وكونيتيكت، وأركانسو، وأريزونا، تعتبر السعودية مع الصين واليابان أكثر الدول التي لها طلاب مسجلون في الجامعات.
XS
SM
MD
LG