Accessibility links

إسرائيليون من أصل مغربي: نريد زيارة المغرب كمواطنين لا سياح


يهود مغاربة يحتفلون بقداس ديني لأحد أوليائهم الصالحين في المغرب

يهود مغاربة يحتفلون بقداس ديني لأحد أوليائهم الصالحين في المغرب

حملت بين يديها الدف، اتخذت مجلسها بين صويحباتها، وبدأت في الغناء بالأمازيغية، استرجعت في أغانيها طفولتها وشبابها في قريتها "تنغير"، تلك القرية النائية التائهة في جبال أطلس المغرب، والشاهدة لعقود على تعايش اليهود والمسلمين في المغرب قبل سنة 1948.

تتوقف حنا شمويان عن الغناء، تمسح دموعها، ثم تواصل الغناء، هذه المرة تسرد في أغانيها ألم الفراق، وعذاب اللقاء بوطن لا يعرفونه ويجهلهم، وطن أصبح اسمه إسرائيل بعد أن عاشوا لقرون على أرض اسمها المغرب.

هو واحد من المشاهد الأليمة التي حاول المخرج المغربي كمال هاشكار تجسيدها في شريطه الوثائقي "من تنغير إلى القدس...أصداء الملاح"، أول عمل فني يحاول مد جسور التواصل بين المغرب ومواطنيه اليهود الذين رحلوا ذات يوم إلى إسرائيل.

في الفيلم، تتحدث حنا عن حلمها بالعودة للمغرب، والتلحف بسماء هذا البلد الذي لا تزال تعتبره وطنها الأم، لكن الموت كان أسرع من تحقيق ما تسميه "حلم العودة"... حلم يصر عليه مغاربة يهود هاجروا إلى إسرائيل، رغم أن بعضهم هاجر إليها منذ 66 عاما.

ألم الرحيل
وفق إحصاء قامت به حكومة فيشي الفرنسية، فقد بلغ عدد اليهود فيما كان يسمى شمال إفريقيا الفرنسية والتي كانت تضم المغرب والجزائر وتونس 400 ألف، نصفهم كان يقيم بالمغرب.

في 1948، تاريخ قيام دولة إسرائيل، سيبدأ يهود المغرب في الرحيل عن وطنهم الأم فيما يعرف بـ"الهجرة الكبرى"، بعضهم اختار التوجه إلى كندا وفرنسا، في حين لم يجد الآخرون إلا إسرائيل وطنا بديلا.

تختلف الروايات عن أسباب رحيل اليهود عن المغرب، حيث كانوا يحظون بحماية السلطان، لكن الروايات تكاد تتفق على أنهم لم يتعرضوا للعنف أو لاعتداءات تجبرهم على الرحيل.

أبارحيل روفين، أحد أعضاء حركة الفهود السود التي تبنت قضايا اليهود الشرقيين في إسرائيل، رحل صغيرا مع والديه إلى إسرائيل، ورغم تجاوزه اليوم الـ70 من عمره، لا يزال يؤمن أن المغرب هو وطنه حيث يجب أن يكون.

يقول روفين في حديث لموقع"راديو سوا" عن بدايات الهجرة "لقد رحلنا بإرادتنا، لم يجبرنا أحد على الرحيل، لم نتعرض للاعتداء كما حدث مع باقي يهود العالم، نحن كنا مواطنين مغاربة وكان المغرب وطننا".

حنا شمويان، أيضا تقول في فيلم "من تنغير إلى القدس...أصداء الملاح"، إنهم لم يجبروا على الرحيل، لكن لم يكن بد من المغادرة.

حنا شمويان في فيلم"من تنغير إلى القدس...أصداء الملاح":

تقول شمويان "قبل سنة 1948 لم يكن في قريتي تنغير فرق بين مسلم ويهودي، كنا نتشارك الفرح والحزن، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت مواصلة الحياة المشتركة أمرا صعبا".

تضيف"نساء القرية قاطعننا، حتى تحية الصباح أو السلام لم يعدن يلقينها علينا نحن يهوديات القرية، لم تعد تنغير كما كانت، لذلك رحلنا، لكن أؤكد أن لا أحد اعتدى علينا أو مارس علينا العنف".

أمل العودة
بدارجة مغربية لم تخل من كلمات عبرية، وحتى بضع كلمات مشرقية تحدث أبارحيل روفين لموقع "راديو سوا" عن "الحلم الأمل"... العودة إلى المغرب بجواز سفر مغربي.

يقول رؤوفين إن حلم العودة ليس وليد اللحظة، بل إنه يساور يهود إسرائيل من اأصول مغربية منذ أن حطوا بأرض غير تلك التي ألفوها وألفتهم.

يحكي روفين أن المهاجرين المغاربة صدموا مما اعتبروه عنصرية تجاههم هم يهود الشرق أو من يعرفون بـ"السفارديم" في مقابل تعامل جيد مع يهود الغرب المعروفين بـ"الأشكيناز".

يقول روفين "كنا في بلدنا المغرب معززين مكرمين، كنا مرتاحين بمنازلنا، بتجارتنا، بألفة جيراننا، وأصحابنا، وأتينا إلى إسرائيل حيث ووجهنا بالتمييز في العمل والسكن بل وصل الأمر حتى الاعتداء علينا واعتقالنا حين كنا نحتج".

تلخص حنا شمويان التمييز الذي قابلتهم به إسرائيل، في قصيدتها التي قالت في فيلم كمال هاشكار إنها ألفتها في البداية بالمغربية لأنها لم تكن تتقن العبرية.

تقول القصيدة:

ذهبت إلى مركز التشغيل
سألوني من أين أتيت
أخبرتهم أنا من المغرب
فقالوا لي اذهبي خارجا
ذهبت إلى مركز التشغيل
سألوني من أين أتيت
أخبرتهم أني من بولندا
فطلبوا مني التفضل بالجلوس

يتذكر روفين بدوره ألم الرحيل، وأمل العودة، يقول في حديثه لموقع "راديو سوا" إن يهوديا مغربيا يدعى ديفيد حمل سنة 1959 علم المغرب وصورة الملك الحسن الثاني وخرج في شوارع إسرائيل محتجا، طالبا العودة إلى بلده المغرب.

يقول روفين "العودة لم تكن بالأمر اليسير، لقد أخذ منا الإسرائيليون كل أوراقنا حين رحلنا عن المغرب... لقد دخلنا إسرائيل من دون هوية، وحين رغبنا بالعودة منعتنا سلطات البلاد من تحقيق حلمنا".

تحديات العودة
ما الذي يمنع يهود المغرب من تحقيق حلمهم في العودة للوطن؟
لا يوجد تمثيل دبلوماسي رسمي حاليا بين المغرب وإسرائيل، لكن يهود إسرائيل المغاربة كما الحال مع باقي يهود المغرب المنتشرين في أنحاء العالم بإمكانهم زيارة وطنهم الأم في أي وقت وحتى بالجواز الإسرائيلي الذي يعتبر مرفوضا الدخول به في عدد من الدول العربية.

هذا يحيلنا على تساؤل آخر: عن أية عودة يتحدث يهود إسرائيل المغاربة؟
ذا يحيلنا على تساؤل آخر: عن أية عودة يتحدث يهود إسرائيل المغاربة؟
يجيب روفين "لا نتحدث عن تلك العودة التي يذهب فيها اليهود لزيارة أضرحة أوليائنا هناك في
المغرب".

ويضيف "نتحدث عن دخول المغرب بجواز سفر مغربي وليس إسرائيلي، عن بطاقة هوية مغربية، لا نريد أن نزور المغرب كسياح بل نريد أن ندخله كمواطنين". يهود مغاربة يحتفلون بقداس ديني لأحد أوليائهم الصالحين في المغرب

يهود مغاربة يحتفلون بقداس ديني لأحد أوليائهم الصالحين في المغرب



​ لكن تشارلز دحان ممثل الجالية المغربية اليهودية في أميركا، يقول إن الإدارة المغربية تساعد اليهود المغاربة على الحصول على أوراقهم الثبوتية واستكمال مواطنتهم.

ويحكي دحان عن حالته وحالة أخته، وهي مواطنة أميركية، إذ يقول في حديثه لموقع"راديو سوا" إنه ذهب إلى دوائر مدينة مكناس حيث ولد هو وأخته، وهناك ساعدوهما على استخراج شهادة الميلاد وبعدها الحصول على جواز سفر.

لكن روفين، وهو من مواليد الرباط، لم يوفق كما وفق تشارلز وأخته، إذ يحكي أنه ذهب إلى دوائر العاصمة وهناك أخبروه أن لا إثبات لديه بأنه يهودي مغربي، أو أنه ولد في المغرب.

إلا أن تشارلز يرد على روفين قائلا "إنهم يعرفون اليهودي المغربي من اسمه، ومن طريقة حديثه". وينفي أن تكون الإدارات المغربية تشترط امتلاك اليهود المغاربة أوراقا ثبوتية قديمة لكي تمنحهم جوازات سفر.

ومع ذلك يصر رؤوفين على أن العائق أمام تحقيق حلمه في العودة هو عائق سياسي أولا، إذ يقول "الإدارة المغربية تعيق عودتنا للوطن".

روفين، الذي يبدو أن ذاكرته ترفض ترك المغرب الذي رحل عنه طفلا، لا يزال ينادي العاهل المغربي محمد السادس بلقب السلطان بدل الملك، ويقول في حديثه لموقع "راديو سوا": "من منبركم الإعلامي أوجه ندائي لسلطان المغرب وللبرلمان المغربي أن ينظروا في قضيتنا وأن يساعدونا في دخول المغرب كمواطنين مغاربة وليس كسياح إسرائيليين".

لكن تشارلز، له رأي آخر، فهو يقول إن ما يقارب المليون يهودي مغربي مقيمون في إسرائيل، يرى المغرب فيهم وفي باقي اليهود المغاربة المقيمين في باقي بلدان العالم ليس مواطنين كاملي المواطنة فقط بل سفراء دائمين له أيضا.

يقول تشارلز "يهود المغرب المقيمون بالخارج هم ماكينة دعاية وترويج للمغرب، للسياحة فيه، للدفاع عن قضاياه، وللحفاظ على استقراره".

ويضيف تشارلز "نحن يهود المغرب نريد أن يكون هذا البلد نموذجا في المنطقة للتعايش بين المسلمين واليهود على أرض واحدة".

جدل العلاقة مع إسرائيل

أثار فيلم "تنغير أصداء الملاح" الجدل في المغرب، واتهم البعض مخرجه كمال هاشكار بـ"التطبيع" مع إسرائيل بسبب تصوير مشاهد كثيرة منه هناك.

هذه الاتهامات تطرح السؤال: كيف يستقبل المغرب مواطنيه اليهود المهاجرين؟ هل سيقابلون بالترحاب في مجتمع ينقسم أبناؤه بين دفاعهم عن القضية الفلسطينية وواجب المواطنة الذي يجمعهم باليهود المغاربة؟

بدو هاشكار غير قادر على انتظار مفاجآت القدر، ويصر على أن يساهم في تسيير عودة اليهود المغاربة من إسرائيل إلى المغرب.. ولو فنيا. كمال هاشكار

كمال هاشكار



يقول هاشكار في حديثه لموقع"راديو سوا" إن فيلمه الوثائقي الأول، ورغم الاحتجاج الذي قوبل به، عرف أيضا إقبالا واستحسانا ودعما من اليهود المغاربة التواقين لربط جسور التواصل بين إسرائيل والمغرب.





ويضيف أن هذا النجاح شجعه على العمل على جزء ثان لما بدأه في فيلمه الأول، هذه المرة سيتحدث عن عودة الجيل الجديد من اليهود المغاربة المولودين في إسرائيل والذين يعودون للمغرب لاستكشاف هويتهم وهوية أجدادهم.

بطلة فيلم هاشكار المقبل، ستكون نيتا الكيام، مغنية شابة تبلغ من العمر 33 سنة، ولدت في إسرائيل لأبوين يهوديين مغربيين، ستلتقي في الفيلم بمغنية مغربية مسلمة، وستغنيان معا من التراث اليهودي المغربي.

"أنا أومن بالسينما وبدورها في التأثير على الرأي العام وأومن أني بهذه الطريقة يمكن أن أمد جسر التواصل بين يهود المغرب في إسرائيل ووطنهم الأم"، يقول هاشكار في ختام حديثه لموقع"راديو سوا"، ويضيف "التعايش في المكان ذاته في إطار السلم والأمن ليس حلما مستحيلا".

وفي انتظار تحقق أمنية كمال هاشكار، لا يزال أبارحيل روفين ذو الـ70 سنة متشبثا بحلمه في دخول المغرب بجواز سفر مغربي، ولا يزال يتمنى عودة ذاك الزمن الذي كانت فيه مائدة واحدة تجمع الجار اليهودي بجاره المسلم دونما أي خوف.
XS
SM
MD
LG