Accessibility links

logo-print

أن تكون امرأة سورية في #لبنان.. جوع إلى الخبز والكرامة


لاجئات سوريات يحملن أمتعتهن على رؤوسهن

لاجئات سوريات يحملن أمتعتهن على رؤوسهن

"بليها واشربي ميّتها".

"... قالها لي مسؤول مكتب الهندسة الذي تقدمت إليه بطلب للتوظيف حينما أخبرته أني أحمل إجازة في الهندسة أنفقت في دراستها خمس سنوات من عمري، وخضعت معها للكثير من الدورات في الرسم الهندسي وغيره.

... في تلك اللحظة، تمنيت لو أن الأرض تنشق وتبتلعني، وتبتلع معي شقائي وبؤسي".

هكذا وصفت المهندسة أليس (28 عاما) إحدى وقائع بحثها عن عمل.

أليس فتاة سورية نزحت إلى لبنان "هرباً من الموت، وما هو أفظع من الموت، الاغتصاب"، كما تقول عن الوضع في بلادها التي ترزح تحت وطأة حرب أهلية طاحنة منذ ثلاث سنوات.

أليس واحدة من عشرات آلاف السوريات اللواتي هربن من قبضة الحرب في سورية إلى حياة من الفقر والبطالة الإجبارية في لبنان... حياة يحاولن تحسين ظروفها بما استطعن وقدر ما استطعن.

من مهندسة إلى مساعدة في مكتبة

​تفاجأت أليس بأن شهادتها لا قيمة لها في لبنان نظرا لعدم حصولها على إذن مزاولة مهنة الهندسة. وهو إذن تصفه بـ"المتعذر" لأنها لم تدرس في لبنان.

تعمل أليس الآن مساعدة في مكتبة، حيث تقوم بتصوير المستندات للطلاب. تقول "أعيش مع أمي وأخواتي الثلاث في بيروت، ونحن بحاجة إلى أي وظيفة كي نجني بعض المال، نحن مضطرون لدفع إيجار المنزل، وإلا سترمى عائلتي في الشارع".

حالة أليس لا تنطبق على غيرها من اللاجئات السوريات. والمشاهدات من العاصمة اللبنانية متنوعة، خاصة مع استقبال لبنان النسبة الأعلى من اللاجئين، من بين دول الجوار السوري، التي تشمله إلى جانب العراق وتركيا والأردن.

كبة سماقية... ومحشي برغل

عدد من اللاجئات السوريات لجأن إلى الخياطة والأشغال الحرفية واليدوية، وإلى العمل الزراعي، خاصة في مناطق البقاع والجنوب اللبناني، خاصة أن جمعيات أهلية ونسائية ومؤسسات خاصة قدمت مبادرات تشغيل للاجئات.

تقول مارلين يوحنا، (من مدينة الحسكة السورية) إنها خضعت لدورة في مطعم "طاولة سوق الطيب" اللبناني علها تجد فرصة عمل.

وتضيف في مقابلة أجرتها معها وكالة الصحافة الفرنسية "لقد تعلمت في هذه الدورة كيف أعد المحشي برغل، وهو من الأطباق التقليدية في إدلب، والكبة السماقية التي يعدها أهل حلب".
الفتيات يحضرن الأطباق السورية التقليدية

الفتيات يحضرن الأطباق السورية التقليدية

​التدريب الذي تلقته يوحنا على إعداد الأطباق السورية التقليدية جزء من مشروع مولته المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ومؤسسة "كاريتاس".

وتقول جيهان شهلا، وهي إحدى المشرفات على المشروع، إن الهدف هو منح اللاجئات حس المبادرة لإعداد وبيع الطعام في المناسبات والأعراس.


"نقاية" وخياطة وعاملة تنظيف

بالمقابل، يعمل العديد من اللاجئات في الزراعة، خاصة جني البطاطا في البقاع اللبناني، وحصاد التبغ وتوضيبه في الجنوب. إلا أن الأجر الزهيد الذي يتقاضينه لا يسد الحاجة في بلد تبلغ فيه نسبة التضخم حوالي تسعة في المئة.
لاجئات سوريات يعملن في الزراعة

لاجئات سوريات يعملن في الزراعة

لكن هذا العمل يثير غضب العاملات والعاملين اللبنانيين في الحقل الزراعي الذين يشتكون من منافسة اليد العاملة السورية الرخيصة.

جاءت السورية مريم "53 عاماً" إلى منطقة الشوف مع بناتها الأربع وطفلها الصغير بعد أن قتل زوجها بقذيفة.

تقول مريم "وجدت وظيفة في المدرسة المجاورة، عرض علي المدير أن أنظف المدرسة كل يوم بعد الدوام، وفي نهاية الأسبوع". تتقاضى مريم 300 ألف ليرة لبنانية (200 دولار أميركي) مقابل ذلك.

ابنتها فاطمة، (30 سنة) تقول إنها تعمل "نقاية" (تساعد في جني محاصيل الزيتون والثمار)، وتتقاضى 10 آلاف ليرة (أكثر قليلا من ست دولارات) عن كل يوم عمل.

ابنتها الأخرى أسماء نجحت في الحصول على عمل في أحد محلات الخياطة (تتقاضى 250 دولارا في الشهر).

أما لمياء، فهي عاطلة عن العمل، وهيفاء ومحمد التوأم (ثماني سنوات) يذهبان إلى المدرسة.

وتشير مريم إلى أنها لا تعلم شيئاً عن أختها التي تعيش لاجئة في منطقة عرسال، "لديها ستة أولاد يعيشون على المساعدات. وتضيف "ما بإيدي أعملها شي، استشهد زوجها وزوجي في شهر واحد".

عملياً، تشير إحصائيات منظمة العمل الدولية إلى أن ثلثي اللاجئات السوريات (68 بالمئة) عاطلات عن العمل، وأن معدل الدخل الشهري للنساء السوريات هو 248 ألف ليرة لبنانية (حوالي 287 دولاراً أميركياً)، وأن 92 بالمئة من العمال يعملون من دون عقد عمل، وأن 88 بالمئة يعملون في وظائف غير متناسبة مع مؤهلاتهم.

تسول.. و"خدمات خاصة" لاجئة تتسول وحولها أطفالها

لاجئة تتسول وحولها أطفالها



هناك من اللاجئات من لم تجد عملاً في الزراعة أو غيرها، فتعمد إلى الوقوف على إشارات المرور، ومد اليد بالتسول، أو بيع العلكة. وأحيانا يتجاوز الأمر التسول، إلى عرض "خدمات خاصة".

يقول فراس ز. (24 عاماً) وهو طالب جامعي "أثناء عودتي من الجامعة ومروري بموقف الباصات، في حدود الثامنة مساءً، فوجئت بفتاة صغيرة، لا أعتقد أنها تتجاوز الـ15 عاما تسألني باللهجة السورية: يا إستاز يا إستاز، لوين رايح، ممكن تاخدني معك؟"

يضيف "نظرت إليها باستغراب، فتابعت: بترجاك، بعملك كل اللي بدك ياه، لكن بس عطيني مصاري". يتابع فراس "أدرت وجهي ومشيت، إلا أنها تعلقت بي باكية وقائلة إن والدها سيضربها إذا عادت إلى البيت من دون مال".

عندها، يقول فراس إنه أعطاها خمسة آلاف ليرة (حوالي 3 دولارات) وطلب منها العودة لبيتها، وكان جوابها هو تقبيل يديه والدعاء له بطول العمر.

أبيع جسدي ليأكل أطفالي

غيداء (اسم مستعار) نقلت نشاطها من دمشق، حيث كانت تقدم خدمات جنسية إلى أغنياء العاصمة السورية، إلى بيروت.

وهناك العديد من الحالات الموثقة التي تجبر فيها النساء على العمل في الدعارة جبراً، وبذلك تبدو حالة غيداء مختلفة، فهي تحرص على العناية بجسدها وتقدم نفسها كـ"محترفة".

أما حنان (اسم مستعار) فتقول إنها "تبيع جسدها" ليأكل أطفالها. تضيف "أصبحت أكره نفسي، لكن ماذا أفعل؟ زوجي طلب مني أن أفعل ذلك، إذ لا يزال يبحث عن عمل منذ ستة أشهر ولم يجد".
لا أريد أن أتزوج، أريد أن أتعلم وأعمل وأعيش

لا أريد أن أتزوج، أريد أن أتعلم وأعمل وأعيش

وأشار مصدر أمني لبناني إلى "تقدم ملموس" حققته قوى الأمن الداخلي في مجال مكافحة استغلال اللاجئات، خاصة بعد تطويع المزيد من العناصر النسائية اللواتي يتقن التعاطي مع النساء بشكل أفضل.

لكن المصدر الأمني الذي رفض الكشف عن هويته، يشتكي من "تضخم عدد اللاجئين الذي يجعل من الصعب على القوى الأمنية معالجة كل المشاكل"، ويسمي حالات قبض عليها متلبسة بجرم السرقة التي كان دافعها الجوع.

تقول رشا أبو علي، مسؤولة المتطوعين في المنتدى العالمي للأديان والإنسانية إن مشكلة اللاجئات مرشحة للتفاقم أكثر، خاصة مع تضخم عدد النازحين، ونفاد الأموال التي حملوها معهم، واضطرارهن إلى العمل والرضى بأي عمل من أجل البقاء.

وتشير أبو علي إلى أن لجوء الأطراف المتنازعة في سورية إلى سلاح الاغتصاب المتبادل يفاقم نسبة النازحات الإناث، البالغ حوالي 60 بالمئة من اللاجئين.

إدمان.. انتحار.. وعدوانية

من ناحية أخرى، تقول رودينا المهتار، المتخصصة في علم النفس العيادي، إن اللاجئ قد يقبل بوظائف لا يرضى بها في وطنه، وهذا يشعره بالنقص والدونية، وقد يرمي به في الإدمان أو الانتحار، أو يجعله عدوانيا تجاه المجتمع.

وهكذا، يظل وضع اللاجئات السوريات في لبنان معلقا بين وطن معاق بالحرب، وملجأ يعز فيه الخبز، وتعز فيه الكرامة، حتى يعدن.
  • 16x9 Image

    غسان بو دياب

    انضم غسان بو دياب إلى MBN digital في مارس 2014، بعد أن كتب على مدار ثلاث سنوات عمودا يوميا بعنوان "بالعربي"، و"كلام في الأديان" في جريدة الديار، وغيرها من الصحف اللبنانية والمواقع الإلكترونية. درس الدكتوراه في علوم الأديان في جامعة القديس يوسف في بيروت، وحاز على الماجستير في الحوار الإسلامي المسيحي.

XS
SM
MD
LG