Accessibility links

لماذا يقبع أكثر من مليوني شخص في سجون أميركا؟


مدخل أحد السجون في نورث كارولاينا

مدخل أحد السجون في نورث كارولاينا

تحتل الولايات المتحدة المركز الأول عالميا من حيث عدد سكانها الذين يقضون فترات في السجون ومراكز إعادة التأهيل.

وارتفع عدد نزلاء السجون بنسبة 700 في المئة ما بين 1970 و2005، وهي نسبة تجاوزت نسبة النمو السكاني فضلا عن أن هذا الارتفاع لا يعكس التراجع الذي سجّل في معدل الجريمة في عموم البلاد.

وتشير التقارير والإحصاءات إلى أن السجون الأميركية مكتظة بنسبة 99 في المئة، وأن كثيرا من نزلائها المفرج عنهم يعودون إليها من جديد. وبحسب أرقام المركز الدولي لدراسات السجون تعود إلى عام 2012، فإن 707 أميركيا من بين كل 100 ألف يقبعون في السجون، وأن 9 في
السجون الأميركية مكتظة بنسبة 99 في المئة. 707 أميركيا من بين كل 100 ألف يقبعون في السجون
المئة منهم من النساء، و0.4 في المئة دون سن الرشد. ويبلغ عدد السجون ومؤسسات إعادة التأهيل الأميركية 4575.

لماذا هذه النسب المرتفعة؟

ويصل عدد السجناء في الولايات المتحدة اليوم إلى أكثر من 2.4 مليونا وفق ما ذكرته صحيفة واشنطن بوست في آب/أغسطس 2013، مشيرة إلى أن ذلك يعني أن النسبة زادت أربع مرات عما كانت عليه في عام 1980 وأن شخصا واحدا بين كل 100 راشد أميركي في السجن.

وبحسب الصحيفة فإن 14 في المئة من السجناء يمضون عقوباتهم في سجون فدرالية، وأشارت إلى أن العامل الأكبر الذي أدى إلى زيادة عدد نزلاء السجون الفدرالية منذ عام 1998، يتمثل في العقوبات الصارمة وأحكام السجن الطويلة ضد المدانين في قضايا المخدرات. وقالت الصحيفة إن أشد العقوبات ضد 20 في المئة من نزلاء سجون الولايات و51 في المئة من نزلاء السجون الفدرالية تتعلق بالمخدرات.

وقالت جيمي فلنر الخبيرة في مجال السجون في هيومن رايتس ووتش لموقع "راديو سوا" إن المنظمة الأميركية التي تتخذ من نيويورك مقرا لها ترى أن الكثير من الأشخاص يودعون في السجون "لجرائم من مستوى ضعيف وأن الأحكام الصادرة ضدهم لا تتناسب مع حجم الجرم الذي ارتكبوه".
الكثير من الأشخاص يودعون في السجون "لجرائم من مستوى ضعيف وأن الأحكام الصادرة ضدهم لا تتناسب مع حجم الجرم الذي ارتكبوه
وأضافت أن ارتفاع عدد السجناء "لا يرجع إلى ارتفاع نسبة الجريمة بشكل كبير بل بسبب السياسات العقابية الشديدة التي تعمل على ملء السجون بأشخاص لا ينبغي أن يكونوا هناك أصلا".

وقالت فلنر إن هيومن رايتس ووتش تؤكد على وجوب أن تكون السجون الحل الأخير لتحميل شخص ما مسؤولية أعماله، وينبغي أن تكون من أجل حماية المجتمع، لكن ليس هذا هو الوضع في الولايات المتحدة، على حد تعبيرها.

وتسعى وزارة العدل إلى إدخال تعديلات على القضاء الجنائي وأصدرت سلسلة إصلاحات خاصة بالسجون بينها إلغاء الأحكام الإجبارية ضد المدانين في قضايا المخدرات الذين لم تثبت علاقتهم بعصابات إجرامية أو جرائم عنيفة، وتحفيف الأحكام ضد المسنين والسجناء الذين لم يتورطوا في العنف فضلا عن إيجاد بدائل للسجن للمجرمين غير المتورطين في العنف.

تراجع نسبة السجناء

لكن عدد المعتقلين في السجون سجل تراجعا في عام 2012 للعام الثالث على التوالي وفق إحصاءات رسمية، ووصف خبراء القانون التطور وفق ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز، بأنه أكبر تراجع في التاريخ الحديث للبلاد ما يؤشر على توجه للتغيير بعد أربعة عقود من السجن المكثف للأفراد.

وتراجع عدد نزلاء السجون التابعة لحكومات الولايات والسجون التابعة للحكومة الفدرالية بنسبة 1.7 في المئة ليصل العدد إلى 1571013 سجينا في عام 2012 مقارنة بـ1598783 في
عدد نزلاء السجون ارتفع بنسبة 700 في المئة ما بين 1970 و2005
عام 2011 وفق أرقام كشف عنها مكتب الإحصاءات التابع لوزارة العدل.

وكانت ولاية كاليفورنيا أكثر الولايات التي شهدت تراجعا في نسبة الأشخاص الذين فرضت عليهم عقوبة السجن، تلتها ثماني ولايات أخرى شملت نيويورك وفلوريدا وفرجينيا ونورث كارولاينا. وفي الفترة ذاتها شهدت السجون الفدرالية زيادة في عدد نزلائها لكن النسبة تبقى قليلة مقارنة بالسنوات السابقة، بحسب نيويورك تايمز.

ومنذ بداية سبعينيات القرن الماضي ونسبة السجناء في الولايات المتحدة في تصاعد سريع. وذكرت الصحيفة أن عدد نزلاء سجون الولايات والسجون الفدرالية وصل في عام 1978 إلى 307276، ثم ارتفع ليبلغ 1615487 سجينا في عام 2009.

الأسباب

وفي السنوات الأخيرة، ساهم تقليص ميزانيات الولايات وتراجع نسبة الجريمة، فضلا عن إدخال تغييرات على قوانين الأحكام القضائية وتحول في الرأي العام إزاء الموضوع، في قلب تصاعد
وفي السنوات الأخيرة ساهم تقليص ميزانيات الولايات وتراجع نسبة الجريمة، وإدخال تغييرات على قوانين الأحكام القضائية في قلب تصاعد عدد السجناء إلى تراجع
عدد السجناء إلى تراجع. ويرى الخبراء في سياسة السجون أن استمرار التراجع يبدو أنه أكثر من مجرد تقلبات عشوائية.

وأشار موقع Pew Charitable Trusts في بيان صحافي إلى أن تراجع نسبة السجناء في عموم البلاد لا يرجع إلى الأزمة المالية وما ترتب عنها من تقليص ميزانيات الولايات فحسب، بل إنه نتيجة إصلاحات يرجح أن يواصل المشرعون دعمها حتى عندما يتبدد الضيق المالي الذي ألقى بظلاله على ميزانيات السجون.

ونسبت نيويورك تايمز إلى مارك ماور المدير التنفيذي لـSentencing Project، وهي مجموعة بحث لا تبغي الربح مقرها واشنطن، قوله "عندما يسجل التراجع في عام أو حتى عامين لا ينبغي الإسراع في إصدار استنتاجات، لكن عندما يسجل التراجع لثلاثة أعوام على التوالي هنا يمكن القول إن هناك ميلا أو تحولا في الأمر". لكنه أردف قائلا إن نسبة السجناء في الولايات المتحدة ما زالت "أعلى بشكل كبير" مقارنة بدول أخرى وأن التغييرات حتى الآن "متواضعة مقارنة بحجم المشكلة".

ويرى كثير من المراقبين أن الأزمة المالية كان لها دور في تراجع عدد السجناء. وبحسب تقرير للمجموعة فإن 17 ولاية قررت في عامي 2011 و2012 إغلاق أو النظر في إغلاق سجون لأسباب مالية مقلصة عدد الأسرّة إلى 28525 سريرا. لكن خبراء في المجال أرجعوا التراجع إلى تغيير الأحكام القضائية الصارمة المفروضة على مخالفات قد لا تكون خطيرة أو عنيفة.

وبالنسبة للرأي العام، فإن استطلاعات الرأي تظهر رغبة غالبية الأميركيين في استخدام أموال دافعي الضرائب في مجال التعليم والرعاية الصحية بدلا من بناء سجون.

وقالت فلنر إن السجون في الولايات المتحدة تكلف ما بين 40 إلى 50 مليار دولار سنويا. وبحسب واشنطن بوست فإن الكلفة المتوسطة لسجين في سجن فدرالي يخضع لأدنى الإجراءات الأمنية، تصل إلى 21 ألف دولار في العام، فيما تصل الكلفة المتوسطة لسجين في
إذا كنت أسود أو من أصل لاتيني أو مهاجر وانتهكت القانون فإنك في ورطة كبيرة لأن ليس هناك أي صوت سياسي لحفظ حقوقك
سجن فدرالي يخضع لأقصى الدرجات الأمنية إلى 33 ألف دولار في العام.

أنواع السجون

وتوجد في الولايات المتحدة سجون ذات اختصاصات مختلفة، بينها السجون الفدرالية والسجون التابعة للولايات وتلك الخاضعة لأقصى التدابير الأمنية أو الخاضعة لأدنى التدابير الأمنية. ويطلق على السجون التي تكون فيها الإقامة قصيرة اسم jails أما المعدة لقضاء الأحكام الطويلة فتسمى prisons.

والسجون الفدرالية تتم إدارتها ضمن اختصاص الحكومة الفدرالية، ويودع فيها أشخاص ارتكبوا جرائم تنتهك قوانين الحكومة الفدرالية وليس قوانين الولاية. وفي بعض الحالات يتم احتجاز متهمين في قضايا الهجرة والجمارك ينتظرون محاكمتهم في السجون الفدرالية التي يديرها المكتب الفدرالي للسجون التابع لوزارة العدل، وأحيانا توكل المهمة إلى شركات خاصة.

من هم السجناء

وبحسب موقع Sentencing Project، فإن أكثر من 60 في المئة من السجناء ينتمون إلى أقليات عرقية وأثنية. وبالنسبة للرجال من أصول إفريقية البالغين 30 عاما، فإن واحدا من بين 10 يحتجز في أحد السجون في أي يوم.

أما النساء فوصل عددهن في عام 2012 إلى 108866 سجينة متراجعا عن 112797 التي سجلت في 2010. وثلث النساء في السجون حبسن بسبب المخدرات، ويزيد عددهن بنسبة تصل إلى الضعف مقارنة بالرجال وفق الموقع ذاته. وكثيرا ما تعاني هذه النساء من تاريخ مليء بالعنف الجسدي والجنسي، ونسب مرتفعة من الإصابات بفيروس نقص المناعة المكتسبة فضلا عن تعاطي المخدرات.

وقالت فلنر إن من السهل في بلد ديموقراطي أن "تسحق الأغلبية حقوق الأقليات خصوصا الأقليات غير المفضلة"، وأضافت أن "الأقليات غير المفضلة في الولايات المتحدة تتمثل في السود والأشخاص من أصول لاتينية والمهاجرين، فإذا كنت أسود أو من أصل لاتيني أو مهاجر وانتهكت القانون فإنك في ورطة كبيرة لأن ليس هناك أي صوت سياسي لحفظ حقوقك"، على حد تعبيرها.

الاضطرابات العقلية والسجون
حوالي 356268 شخصا من المصابين باضطرابات عقلية يمضون فترات سجن مقارنة بـ35 ألفا آخرين ممن يرقدون في مستشفيات تابعة للدولة
وبحسب تقرير أصدره مركز Treatment Advocacy Center فإن سجنا واحدا على الأقل في 44 ولاية إلى جانب العاصمة واشنطن، يحتضن عددا أكبر من الأشخاص الذين يعانون من مشاكل عقلية خطيرة، من أكبر مستشفى للاضطرابات العقلية على مستوى الولاية. وقد تفوق نسبة المصابين باضطرابات عقلية في السجون نسبة الراقدين في مراكز العلاج عشر مرات.

وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن حوالي 356268 شخصا من المصابين باضطرابات عقلية بما فيها شيزوفرينيا، يمضون فترات سجن مقارنة بـ35 ألفا آخرين ممن يرقدون في مستشفيات تابعة للدولة.

وانتقد التقرير الوضع الراهن الذي قال معدوه إنه شبيه بما كان عليه نظام الصحة العقلية عام 1830 قبل الجهود التي قادتها دروثيا ديكس وآخرون من أجل إخراج المصابين باضطرابات عقلية من السجون وتخصيص مراكز ومستشفيات لرعايتهم.
  • 16x9 Image

    بديعة منصوري

    التحقت بموقع راديو سوا منذ أيامه الأولى في مارس/آذار 2003، حيث عملت علىا لترجمة وتحرير الأخبار وإجراء المقابلات، وساهمت في تغطية عدد من الأحداث المهمة في الولايات المتحدة، كما أنها تتابع دراسة الإعلام في جامعة جورج ميسون الأميركية.

XS
SM
MD
LG