Accessibility links

مذكرات صحافية: حكاياتي مع سائقي التاكسي في #أميركا


تاكسي أميركي

تاكسي أميركي

يقال إنه إن أردت أن تعرف جيدا بلدا ما فتحدث إلى سائقي التاكسي فيه، وهكذا الحال حتى في أميركا..

أتصل بمكتب خدمات التاكسي، تجيبني سيدة أصبح صوتها معتادا لي دون أن أفكر إن كانت هي نفسها من تحدثت إليها آخر مرة، أطلب منها أن تبعث لي تاكسي إلى حيث أتواجد، تخبرني أن سائقا سيأتي إلي خلال بضع دقائق، تمر البضع دقائق وتعاود الاتصال لتخبرني أنه قد وصل...

أخرج إليه، أفتح الباب الخلفي للسيارة، ألقي التحية بالإنكليزية، أمده بالعنوان الذي أقصده، يقوم بإدخاله في جهاز الجي بي إس، أتأمله محاولة معرفة موطنه الأصلي قبل أن تصبح أميركا وطنه، يبدأ الحديث عفويا، وينتهي حين وصولي إلى مقصدي بحكاية سائق التاكسي مع أميركا.

عبد القدوس الأفغاني

عبد القدوس، هكذا كان اسمه، أخبرني وسيارته تطوي الطريق إلى بيتي أنه أفغاني، لا أعرف لم صمـتُّ حينها، ظننته إيرانيا، كان وسيما بلحيته السوداء وشعره الأملس، وكأن ما جمعته ذاكرتي عن أفغانستان طالبان لم تتخيل أن يكون الرجل الأفغاني وسيما وجنتلمانا أيضا.

يبدو عبد القدوس في منتصف الثلاثينات، هاجر إلى أميركا منذ خمسة عشر سنة، لا يزال مرتبطا ببلده أفغانستان، يزوره بين الحين والآخر، بدا هادئا وهو يتحدث، لم أتصور أن يكون رجال أفغانستان هادئين.

تذكرتُ أول أفغاني التقيت به في أميركا، حين سألته عن بلده قال لي "أنا من بلد جميل اسمه أفغانستان"، لم أتخيل أن يكون بلد نهشته الحروب والنزاعات بلدا جميلا، لكن عبد القدوس أيضا يصف أفغانستان بـ"البلد الجميل"، قال لي "البلدان الجميلة كالنساء الجميلات يكن أكثر عرضة للعنف".

أخبرني عبد القدوس أنه مسلم متدين، وأن أكثر ما يعجبه في أميركا أنه يستطيع ممارسة عقيدته دون خوف أو إجبار على ممارستها بطريقة معينة.

وصلتُ إلى منزلي، وحين كنت أهم بالنزول، استدار إلي عبد القدوس يتأملني قبل أن يقول "أتعرفين؟ أميركا بلاد الله، لأن الله موجود أينما وجدت الحرية".

أبو بلين

صعدتُ التاكسي من أمام باب منزلي، وحين التفتَ إلي وجدته يحييني بحرارة، لا يزال يذكر أنه سبق وأقلني من مكان عملي، وتذكرته أنا بصورة ابنته التي يلصقها بالمرآة المتواجدة داخل السيارة.

اسمه كيبلر، واسم ابنته بلين، وأثناء حديثي معه كنت أمازحه فأناديه بـ"أبو بلين"، أخبرني أن بلين تعني بلغة موطنه اثيوبيا "بؤبؤ العين".

يبدو كيبلر في بداية عقده الرابع، لم أره في لقاءاتي المتكررة به يبتسم، كانت ملامحه حزينة وإن بدا حديثه ودودا، حكى لي أن والدته أرسلته مع خاله إلى أميركا وهو في سن الـ16، قال لي إنها كانت تسعى إلى تأمين مستقبلي، وأنا كنت أنتظر تحقيق حلمي الأميركي بأن أصبح مهندسا.

حظ كيبلر العاثر أوقعه مع خال شاب لم يكن بحجم مسؤولية رعاية فتى في سن المراهقة.

تشاجر كيبلر مع خاله فطرده الأخير من منزله، ولم يجد أمامه سوى العمل بنصف دوام من أجل دفع مصاريفه.

ثابر كيبلر ليكمل دراسته الثانوية، لكنه عجز عن تحقيق حلمه بأن يصبح مهندسا في أميركا، فلم يجد أمامه سوى أن يمتهن سياقة التاكسي.

قال لي إنه يشعر بالحزن لما تعرض له صغيرا، لكنه يعتقد أنه أفضل حالا من أقرانه الذين بقوا في إثيوبيا في فترة النزاع، أخبرني أنه ينسى أحزانه، ويشعر بالسعادة كلما رفع نظره إلى صورة ابنته المعلقة بالمرآة داخل السيارة، لذلك "أسميتها بلين، بؤبؤ العين" يقول كيبلر والابتسامة تنير وجهه الأسمر.

أميركي و.. مغربي

كان يوما مثلجا، وكان يوم عيد ميلادي، فتحت باب التاكسي، كنت أضع في المقعد الخلفي ما بيدي قبل أن أصعد، فالتفت إلي يحييني بدفء لا يتناسب وبرودة الطقس يومها.

بدا وسيما في شعره المجعد ولحيته السوداء، سألني وأنا أعطيه العنوان الذي أقصده "اسمك شامة اسم مشرقي؟"، أجبته بعفوية "اسم مغربي"، ثم تذكرت أنه قال كلمة عربية فأجبته "نعم نعم إنه مشرقي"، لأجده يسألني متفاجئا "أنت مغربية؟"، أجبته "نعم"، فتحول من الحديث بالإنكليزية إلى اللهجة المغربية.. كان السائق مغربيا.

أخبرته أني اعتقدت أنه أفغاني، وأخبرني أنه اعتقد أني تونسية، ضحكنا وهو يقول لي "هي هذه أميركا كل الأجناس تصبح جنسا واحدا".

سائق التاكسي المغربي والذي لم أعرف اسمه حكا لي أنه بعد حصوله على الجنسية الأميركية حاول العيش في كندا لكنه لم يستسغ الحياة فيها، ثم رحل إلى فرنسا فعاد راكضا إلى "بلده"، سألته "أي بلد تقصد؟"، قال لي "أميركا طبعا، ولدت في المغرب لكن هذا وطني".

حين أوصلني إلى مقصدي، وجدته يرفض أن يتقاضى مني أجرة التاكسي، أصررت على الدفع وأصر هو على الرفض، وفي الأخير قلت له "اليوم عيد ميلادي وسوف أعتبر جميلك هدية لي".

هنأني ضاحكا، وحين غادرته، كان الثلج يغطي رأسي، لكن فكري كان منشغلا بهذا الشاب الوسيم الذي أصر أن يعتبر نفسه أميركيا أولا لكنه لم ينتبه أن جيناته المغربية لا تزال تنطق بكل ما هو جميل.

شاه.. الدبلوماسي السائق

قلت في نفسي وأنا أتأمله من مقعدي الخلفي، يبدو من أصول هندية، لكنه أخبرني فيما بعد أنه باكستاني.

شاه، كان اسمه، أخبرني أنه يعتبر الهند وباكستان بلدا واحدا حتى بعد انفصالهما، بدا شاه مستعدا للثرثرة، من لحيته التي استوطنها الشيب خمنت أنه في عقده الخامس، وحين سألني عن بلدي المغرب اكتشفت أنه يعتقد أن بلدي يوجد في أوروبا وليس في إفريقيا، وأننا نتحدث الفرنسية وليس العربية.

أتى شاه إلى أميركا في بعثة دبلوماسية، وحين تقاعد رفض أبناؤه العودة إلى باكستان، ومن أجل سعادة أبنائه أذعن لرغبتهم فوافق على البقاء في أميركا.

أخبرني أنه كان يحصل على راتب عال بفضل عمله بالسلك الدبلوماسي، لكنه لم يستطع أن يجد في أميركا مهنة تضمن له نفس مواصفات عمله الذي أمضى فيه سنوات، فما كان عليه إلا أن اقتنى سيارة تاكسي وأصبح مديرا لنفسه.

بدا شاه هادئا، مستسلما للقدر، وسعيدا بقراره، قال لي بحنو الأب وأنا أودعه "سوف يأتي يوم يكون لك فيه أبناء وستكتشفين أن تنازلك عن أحلامك من أجلهم لا يعني أنك تنازلت عن سعادتك لهم فهم سعادتك".

بين عبد القدوس الأفغاني، وكيبلر الاثيوبي، والسائق المغربي، وشاه الباكاستاني، تتنوع حكايات سائقي التاكسي في أميركا وعن أميركا، ولكن تبقى أميركا بالنسبة لهم ذاك البلد الذي احتوى اختلافاتهم وترك لهم حرية القرار في إذابة همومهم كما يرغبون.
XS
SM
MD
LG