Accessibility links

المسلمون والعرب الأميركيون بين التسامح والتجاذبات


مرت عشر سنوات منذ وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول، لكن آثارها تظل واضحة سواء داخل الولايات المتحدة أو في الخارج. فتلك الأحداث غيرت معالم السياسية الدولية فشُنت حروب وشكلت تحالفات ووقعت انقسامات.

كما وضعت تحديات جمة أمام الجالية العربية والمسلمة في الولايات المتحدة التي أصبحت تحت دائرة الضوء طوال السنوات الماضية. فكيف هو حالهم بعد عشر سنوات وكيف تطور دورهم؟ يحيى هندي رئيس منظمة رجال وعلماء دين عبر الحدود ومرشد الشؤون الفقهية في جامعة جورج تاون لمس روحا إيجابية بين صفوف المسلمين الأميركيين هذا العام لاسيما في أول أيام العيد الذي انقضى قبل أيام. وأضاف هندي لراديو سوا: "هنالك روح إيجابية لم أرها من قبل. تلك الروح الإيجابية تقول إننا سنستخدم هذا العيد وسنعمل بروح رمضان الذي يدعونا إلى بناء علاقات قوية مع جيراننا وبناء حوار وجسور مع أميركا. لقد ذكرت في خطبتي أن الإسلام ليس دين إرهاب ولا يقبل العنف ولا الكراهية. ولما ذكرت هذا هلل ثلاثة آلاف مسلم".

وقالت كريستين لندكويست مسؤولة برنامج الأديان في معهد جلوبال إنجيدجمنت Global Engagement في واشنطن إن المسلمين في الولايات المتحدة أصبحوا مسموعين أكثر بعد عشر سنوات من تلك الأحداث. وأضافت لراديو سوا: "بات للجاليات العربية والمسلمة صوت واضح منذ ذلك الوقت. لقد بدأوا حوارا متقدما بشأن قضايا تتعلق بحرية العقيدة والهوية داخل الولايات المتحدة. لقد سمعنا دوما كلمة التسامح. ورغم أن تلك الكلمة مستهلكة وإنشائية إلا أنها أخذت طابعا مختلفا في السنوات العشر الأخيرة بعد الحادي عشر من سبتمبر. وبالتالي يتعين علينا الانتقال من التسامح مع بعضنا البعض إلى مرحلة الاحترام والفهم للديانات والثقافات المتعددة في مجتمعنا. هذا سيُعيننا على تخطي مخاوفنا واستكمال الطريق سويا".

لكن إبراهيم هوبر المتحدث باسم مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية كان له رأي مختلف حيث قال لراديو سوا: "أظهرت الاستطلاعات والأبحاث أن المشاعر المعادية للإسلام في مجتمعنا زادت بشكل كبير في السنوات العشر الماضية منذ وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر لاسيما في العامين الماضيين. لقد رصدنا تصاعدا في المشاعر المعادية للإسلام لم نرها حتى بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وربما يكون سبب ذلك هو زيادة عدد الجماعات المناهضة للإسلام".

وضربت سحر عزيز المحامية في مجال الحقوق المدنية وأستاذة القانون في جامعة جورج تاون أمثلة تعكس حالة التوتر هذه. وقالت عزيز لراديو سوا: "هناك المشكلة التي نشبت بسبب المسجد القريب من موقع الحادث في نيويورك. فقد كانت هناك حملة كبرى من خارج نيويورك ضد بناء مسجد يقع على بعد عدة بنايات من موقع برجي مركز التجارة العالمي. كما كانت هناك حملات ضد بناء مساجد في تينيسي وكنتاكي وكاليفورنيا وولايات أخرى. كما كانت هناك حملة ضد تطبيق قوانين مستمدة من الشريعة".

لكن إبراهيم هوبر المتحدث باسم مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية أكد أن هذا الأمر لا ينطبق على غالبية الأميركيين: "عندما أقول أن هناك تصاعدا في المشاعر المناهضة للإسلام فهذا لا يعني أن أغلب الأميركيين يكنون تلك المشاعر. لكن هناك أقلية ذات صوت عال تحمل مشاعر مناهضة للإسلام وتعبر عنها بشكل مستمر داخل مجتمعنا. لكن نشكر الله أن تلك المجموعة لا تمثل أغلبية أفراد المجتمع الأميركي".

بيد أن يحيى هندي رئيس منظمة رجال وعلماء دين عبر الحدود ومرشد الشؤون الفقهية في جامعة جورج تاون أفاد بأن النظرة تجاه المسلمين والعرب اصبحت أكثر إيجابية في السنوات الماضية: "مهما فعلت ومهما قلت، هنالك من لم ولن يغير موقفه من الإسلام ولا من المسلمين. ولكن الدراسات الأكاديمية تقول إن هناك عددا أكبر من سكان الولايات المتحدة الأميركية عندهم موقف إيجابي من الإسلام الآن".

وتطرقت كريستين لندكويست مسؤولة برنامج الأديان في معهد Global Engagement في واشنطن إلى التحسن الذي طرأ بشكل كبير بعد تولي الرئيس باراك أوباما رئاسة البلاد. وقالت لندكويست: "أعتقد أن أوباما يمتلك رؤية جيدة بشأن حرية العقيدة والثقافة واحترام الآخر في هذا البلد. وسواء تم تحقيق هذه الرؤية أم لا، فأنا أعتقد أن التغيير الذي يقصده هو أمر يتخطى حيز الشعارات لاسيما عندما تتعامل مع أشخاص. فهي عملية طويلة الأمد وتتطلب إخلاصا والتزاما وتفاهما واهتماما بالآخر المختلف".

كما شددت لندكويست على أن الجميع يظل مسؤولا عن مد جسور التفاهم بين جميع أطياف المجتمع الأميركي: "أنا من أكبر المعارضين لموروث التحفظات الثقافية والدينية. وهذا يعني أنني أؤيد الاندماج طالما أنه لا يُخلَط مع قضية الاستيعاب. لذا أعتقد أنه مثلما يشعر العرب والمسلمون الأميركيون بضغط شديد وبضرورة الاندماج في المجتمع، فإن المسؤولية تقع أيضا على عاتق المجتمع المحيط بشكل عام للترحيب بهم كمواطنين وللتعلم منهم ومن خبراتهم".

واتفقت سحر عزيز المحامية في مجال الحقوق المدنية مع ذلك الرأي بالقول: "الأمر لا يتعلق بالعرب والمسلمين، بل يتعلق الأمر ببلدنا. وبالتالي أعتقد أنها مسؤولية الأميركيين كافة الذين يعتقدون أن التفرقة ليست شيئا أخلاقيا، والذين يسعون إلى التأكد أن نوعية الأفكار هذه ليست مقبولة".

وبعد هجمات سبتمبر أيلول عام ألفين وواحد، تطورت العلاقة بين الجالية العربية والمسلمة وأجهزة الأمن ما بين التعاون تارة والتوتر تارة أخرى. إبراهيم هوبر المتحدث باسم مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية: "المسلمون الأميركيون مستعدون للتعاون مع السلطات الأمنية لحماية بلدنا. لكن عندما نتلقى أنباء مثل التي وردتنا مؤخرا بشأن تعاون شرطة نيويورك مع الاستخبارات المركزية الأميركية لمراقبة المسلمين في نيويورك ونيوجيرزي بدون أدلة على ارتكاب جرائم، فإن هذا يبث أجواء سلبية".

أما يحيى هندي مرشد الشؤون الفقهية في جامعة جورج تاون فأوضح أن الأجهزة الأمنية بدأت تتدارك أخطاء الماضي: "هناك مراحل تم فيها الاعتداء على شخصيات إيجابية مسالمة. وتم فيها اعتقالات لشخصيات ينبغي ألا تكون قد اعتقلت. ولكن هذه القضايا انتهت. فكثير من هؤلاء الناس تم الاعتذار لهم".

وقال هندي إن العشر سنوات الماضية شهدت التحاق عدد أكبر من أبناء الجالية بالأجهزة الأمنية: "في وقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لم يكن هناك عدد واضح من المسلمين يعملون في الشرطة أو مع دائرة المخابرات الوطنية. هنالك الآن عدد كبير من المسلمين انخرطوا في سلك المخابرات الداخلية والأمن للمحافظة على أمن البلد الذي نحن جزء منه".

ومن أجل الحفاظ على كيان العرب والمسلمين الأميركيين داخل المجتمع دعت كريستين لندكويست مسؤولة برنامج الأديان في معهد Global Engagement في واشنطن إلى الترويج لضرورة حكم القانون لمنع وقوع أي انتهاكات: "سمعنا عن بعض حوادث سوء المعاملة ضد أقليات ثقافية ودينية في هذا البلد. لا أعتقد أن هناك حلا سهلا لهذا الأمر. لكن هذا يؤكد أن حكم القانون يظل أمرا مهما. فتلك الوقائع تدفعنا لإعادة النظر في قوانيننا وما يتضمنه دستورنا".

أما سحر عزيز المحامية في مجال الحقوق المدنية فنبهت إلى أهمية اللجوء إلى القضاء في حالة وقوع أي انتهاكات: "يحتاج المرء لرفع دعاوى قضائية لأنه في بعض الأحيان عندما يرتكب الناس أفعالا غير قانونية ولا يحالون الى القضاء فإنهم سيستمرون في ارتكاب الأفعال نفسها. وإذا تفشى التحيز بين جمع من الناس فإنهم سيواصلون ذلك للأبد".

ومن الجوانب الأخرى التي يحث عليها الناشطون في الجاليات العربية والمسلمة هو المزيد من المشاركة السياسية كي يكون صوتهم مسموعا. وقالت عزيز في هذا الصدد: "أعتقد أنه يتعين على الجميع أن يتأكدوا من أن يكون صوتهم مسموعا في الدوائر الانتخابية. وأظن أن هذا الأمر ينطبق على العرب والمسلمين الأميركيين فهم يعيشيون هنا منذ جيلين أو ثلاثة أجيال، لذا فقد باتوا مستعدين لأن يصبحوا مسؤولين مُنتخبين. وهم بذلك لن يمثلوا المسلمين والعرب فقط. أعتقد أن وجودهم في هذه المناصب سيتيح لهم الفرصة لتبديد الصور النمطية السلبية".

إبراهيم هوبر المتحدث باسم مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية أكد أنهم يشجعون أبناء الجالية على خوض غمار السياسية لكن دون تدخل منهم: "كمنظمة لا تهدف إلى الربح يمكننا فقط حث الناس على تسجيل أنفسهم في كشوف الناخبين والمشاركة في التصويت، إلا أنه لا يمكننا ترجيح كفة حزب أو مرشح بعينه. لكننا نشجع كل مسلم أميركي على المشاركة المدنية على كافة الأصعدة في هذا المجتمع".

وقال يحيى هندي رئيس منظمة رجال وعلماء دين عبر الحدود ومرشد الشؤون الفقهية في جامعة جورج تاون إن هناك زيادة ملحوظة في المشاركة السياسية من قِبل أبناء الجالية: "لم يكن عندنا قبل 11 سبتمبر عضو واحد في الكونجرس. الآن هناك عضوان مسلمان في الكونجرس. الآن هناك مجموعة من المدن العمدة فيها من المسلمين الأميركيين سواء في نيوجيرزي أو ميشيجان أو إلينوي أو في تكساس. وعلى مستوى مندوبي الولايات، هناك الكثير من المسلمين الذين يتولون هذا المنصب والذين يتخطى عددهم 37 مندوبا".

وتوقع هندي زيادة في تلك المشاركة في السنوات المقبلة: "أعتقد أنه خلال الست سنوات المقبلة سينتج عدد وأكبر مما يتوقع الجميع. أعتقد أن المستقبل ينبئ بخير". وحتى تحين هذه اللحظة التي تحدث عنها هندي، قال إبراهيم Hooper المتحدث باسم مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية إن منظمته لا تتدخر جهدا لتبني مبادرات تهدف لمد جسور التفاهم داخل المجتمع الأميركي: "نسعى دائما لتبني مبادرات جديدة وبخاصة مبادرات تعليمية وأخرى للتواصل مع الآخرين، لأننا نعتقد أن هذه هي العوامل التي تروج للتفاهم المشترك".

كما حددت سحر عزيز أستاذة القانون في جامعة جورج تاون العوامل التي تحسن من صورة المسلمين داخل المجتمع الأميركي: "التعليم شيء مهم للغاية. كما بدأت العديد من الجاليات المسلمة أنشطة مكثفة للتواصل بين الأديان في المساجد والكنائس والمعابد، وللتأكد أن إدراك الناس مبني على الحقائق وليس على الانحياز والمبالغة الإعلامية. كما يجب تقديم تعليم في المدارس يُعرِّف بالثقافات والبلدان المختلفة، كي يكون الطلاب أكثر قدرة على التمييز عندما تُقدَم لهم معلومات بها تحيز ضد أي ثقافة".

كريستين لندكويست مسؤولة برنامج الأديان في معهد Global Engagement في واشنطن اتفقت مع تلك الرؤية، كما شددت على ضرورة الحوار: "من الضروري أن يتم التعامل مع تلك القضية. وعلى ضوء تلك المشكلات فإن هناك أمرين ضرورين وهما التعليم والحوار".

وضربت لندكويست مثالا بالمبادرات التي يقدمها المعهد الذي تمثله لجسر الهوة بين الأديان والثقافات: "على مستوى الدول، نعقد مؤتمرات ونرعى حوارات يشارك فيها المعهد بوفود خاصة. كما نقدم برامج دراسية وتبادلية".

وحدد يحيى هندي مرشد الشؤون الفقهية في جامعة جورج تاون معيارا مهما لدعم صورة المسلمين والعرب الأميركيين: "لابد أن تتوحد الجالية حتى تنهض في السنوات القادمة. ينبغي ألا نبقى نفكر بأننا إما مصريون أو سعوديون أو عراقيون. نحن مسلمون، هذه واحدة. ثانيا، نحن مسلمون وكثيرون منا عرب، لذا فإن إخواننا العرب المسسيحيين جزء من هذه المنظومة والنشاط السياسي".

كما تطرق هندي لأمرين آخرين بالقول: "ينبغي أن يكون لنا صوت واحد ضد الإرهاب والتخريب ودعوات الانفساخ. كما يجب أن نكون صوتا لبلدنا الأصلي".

وكشف هندي عن مبادرة جديدة لمد أواصر التفاهم بين الثقافات والأديان المختلفة داخل الولايات المتحدة: "هناك مبادرة ستبدأ في 11 سبتمبر. ستكون هناك حافلة سيزور ثلاث عشرة ولاية. وسيكون على الحافلة أحبار وحاخامات وقسيسون وأئمة من أجل دعم أواصر المحبة والتعاون داخل المجتمع الأميركي".

ولكن ماذا ستحمل هذه الحافلة في جعبتها لتحقيق الهدف منها؟ هندي أجب بالقول: "في كل ولاية سنتكلم مع حاكم الولاية وعمدات المدن ورجال دين مسيحي ويهودي. سنتكلم في كنائس ومعابد وجامعات ومساجد. سيكون لنا لقاءات كثيرة بعض اللذين يعادون الإسلام سواء في ولاية تينيسي أو في جورجيا لتوضيح حقيقة الإسلام. سنبدأ هنا في واشنطن وبنسلفانيا. عندما نعود في أخر يوم وهو 25 سبتمبر سيكون حاكم ولاية ميريلاند باستقبالنا في كنيسة كاثوليكية".

XS
SM
MD
LG