Accessibility links

logo-print

الشرق الأوسط بعد 11 سبتمبر/ أيلول.. صراع وحوار وثورات


جاءت السنوات العشر الأخيرة منذ وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول عام ألفين وواحد حافلة بالتطورات في المنطقة العربية التي كانت وما زالت مسرحا لأحداث متلاحقة. فبين أصوات المدافع ونيران الصراعات، خرج من يحاول فهم الآخر بفتح حوار عقلاني وإطلاق دعوات للتسامح، بينما تطلع آخرون لتغيير تأخر كثيرا بعد أن أيقنوا أن التطرف هو إحدى نتائج أنظمة الحكم المتسلطة.

يحيى الأمير الكاتب والمحلل السياسي السعودي يتحدث عن طبيعة التغيير الذي طرأ على العالم بأسره بعد تلك الأحداث قائلا لراديو سوا: "العالم تغير وشهد ولادة مفاهيم جديدة وموت مفاهيم جديدة وإعادة إحياء مفاهيم جديدة. 11 سبتمبر قدم ربكة في جسم العالم بأكمله وتغيرت جلود بعض أطراف هذا العالم. هو في الواقع الحدث الذي يمكن التعامل معه على أنه بداية دخول القرن الجديد".

وقال الأمير إن الأمور أصبحت أكثر هدوءً بعد عشر سنوات: "لو لاحظنا السنوات الخمس الأولى بعد الحادثة تختلف عن السنوات الخمس الماضية. نحن الآن بعد عشر سنوات نستطيع القول إنه بدأت تخف بعض الآثار الناجمة عن هذا الحادث".

لكن الدكتور محمود أيوب أستاذ الدراسات الإسلامية والعلاقات الإسلامية والمسيحية في معهد هارتفورد بولاية كونتيكت الأميركية أشار إلى أن المعطيات المتوافرة منذ عشر سنوات لم تتغير كثيرا. وأضاف أيوب لراديو سوا: "المعطيات الأساسية لم تتغير.

المشكلة من وجهة نظري أنه أي عمل شائن يقوم به أي إنسان غير مسلم يُنسَب لذلك الإنسان أو تلك المجموعة. لكن أي عمل يقوم به أي مسلم يُنسَب إلى الإسلام والمسلمين وهذه مشكلة كبرى بالنسبة للمسلمين".

كما تحدث الدكتور عبد الله الأشعل أستاذ العلاقات الدولية بمصر، عما وصفه بالملاحقات لبعض الأفكار الإسلامية. وقال الأشعل لراديو سوا: "وقعت مطاردة كثيفة لبعض المفاهيم الإسلامية ونظم التعليم في المنطقة العربية والإسلامية. كما اتهم العالم العربي والإسلامي بأنه كان وراء الحادث. وفي المقابل دافع العالم العربي والإسلامي بالقول إن 19 فردا لا يمثلون الإسلام".

وقال الأشعل إن النتائج التي تحققت في السنوات الماضية تظل متواضعة: "تظهر الدراسة المتأنية للسنوات العشر الماضية أن نتائجها كانت متواضعة للغاية. كان هناك حسن نية من العالم الإسلامي مقابل شك مستمر من جانب الغرب".

بيد أن خديجة الرويسي رئيسة جمعية بيت الحكمة المغربية المعنية بحقوق الإنسان أكدت أن اتجاهات إيجابية سادت بعد عام ألفين وواحد. وقالت لراديو سوا: "في السنوات العشر الأخيرة يمكن أن نقول إن هناك اتجاهات وميولا نحو قيم الحرية والمساواة والتضامن والعدل والتسامح. كما يمكن أن نقول إن هناك حديثا متزايدا في شمال إفريقيا والشرق الأوسط بشأن تغليب الحياة العامة والشفافية كقيمة في مجال السياسات العامة".

وعزت خديجة الرويسي ذلك إلى المراجعة الشاملة التي قامت بها أغلب دول العالم: "يمكن أن نقول إن كل الدول وكل الفاعلين تبنوا فكرة إعادة النظر في السياسات والتوجهات وطرح الأسئلة الحارقة بشأن لماذا جرى ما جرى وما هي الأسباب العميقة التي أدت إلى ما جرى؟"

وهي نفس الفكرة التي أكدها يحيى الأمير الكاتب الصحفي السعودي قائلا: "على المستويين الثقافي والحضاري وجد العالم بعد 11 سبتمبر أنه فرط في أفكار التعايش والسلام، وأن غيابها الطويل كان بسبب احتكام العالم لافكار القوة والهيمنة".

تلك الفترة شهدت محاولات كثيرة لجَسر الهوة بين الشرق والغرب ودعوات للتسامح والحوار. الدكتورة حنان يوسف الأمينة العامة للمنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي قالت إن ذلك التقارب لم يسر على وتيرة واحدة طوال السنوات الماضية. وأضافت لراديو سوا: "على مدار عشر سنوات نلاحظ أنه في خلال تطور العلاقات نحو المنحى الإيجابي، كانت هناك سنوات حقق فيها الحوار بين العرب والغرب مكاسب. كما أن هناك سنوات أخرى تراجعت هذه الحالة بشكل نسبي نحو السلبية. وبالطبع العامل السياسي كان عاملا رئيسيا في تأرجح الموقف بين الإيجابية والسلبية".

لكن يوسف أكدت أن المحصلة النهائية إيجابية: "بشكل عام أظن أن هناك خطوات للأمام. صحيح أن تلك الخطوات ليست المبتغى الذي نأمله في إحداث حالة من الحراك في مفهوم رسائل الحوار ما بين الشرق والغرب، لكن هناك تقدما نسبيا وإن كان موجودا. وإن دل فيدل على أن ربما أمسك المهتمون الحوار الثقافي وحوار الحضارات بين الجانبين بمفاتيح ومفردات اللعبة في مسألة الحوار".

أما الدكتور محمود أيوب أستاذ الدراسات الإسلامية والعلاقات الإسلامية والمسيحية في معهد Hartford فانتقد منهج المسلمين في الحوار ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: "أنا في نظري لا يزال الأسلوب الإسلامي للتعاطي مع هذا الحدث المهم جدا، اعتذاريا إلى حد بعيد. وأنا أعتقد أننا لا نحتاج إلى الاعتذاريات".

وفي المقابل، أثنى يحيى الأمير الكاتب الصحفي السعودي، على الحوار والتواصل بشكل عام بين الثقافات والأديان: "من أبرز الجوانب الإيجابية أن ما حدث جاء لترتيب مراكز الحوار ولتقول للعالم أن الحوار ليس مجرد إضطرار وليس مجرد افكار تنادي بها حضارات دون غيرها".

وقال الدكتور عبد الله الأشعل أستاذ العلاقات الدولية إن هناك عوامل أثرت بشكل سلبي على جهود التواصل: "هناك تقصير في الإعلامين الإسلامي والغربي. كما تُركت الساحة الإسلامية لعدد من المشايخ وهم مشايخ السلطان الذين قدموا الإسلام تقديما خاطئا ثم ظهر مجموعة من الدعاة الذين انطلقوا كالفراشات لغياب مصداقية المؤسسات الدينية في العالم العربي".

كما أعرب الأشعل عن عدم رضاه عن تجربة له مع إحدى مبادرات الحوار بين المسلمين والغرب: "كنت طرفا فاعلا في مسألة الحوار. كنت عضوا في لجنة الحوار بين الإسلام والغرب بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. كانت لجنة عقيمة ليست لديها رؤية ولم تكن داخلها إرادة للحوار".

لكن الأشعل تطرق إلى تجربة أخرى وصفها بالناجحة وهي المبادرة السعودية للحوار بين الحضارات والأديان: "كنت أعمل مع رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة من خلال مبادرة الملك عبد الله للحوار بين الثقافات والأديان. وقد تكون هذه المبادرة هي الأكثر جدية لأنها التئمت في مؤتمر في مكة اتفق فيها علماء العالم الإسلامي على قواعد الحوار ثم انطلقت إلى مدريد بعد ذلك فاستقبلت كل الطوائف والأديان العقائد الارضية والسماوية. وبعد ذلك أصبح ذلك الخط جزءً من الدبلوماسية الدولية في الأمم المتحدة خلال مؤتمر نيويورك".

وأكد يحيى الأمير الكاتب الصحفي السعودي أن الحوار نجح بالفعل على مستوى النخبة: "على مستوى النخب السياسية والثقافية والفكرية، أنا أتصور أن مبادرات الحوار تركت تأثيرا إيجابيا رائعا سيكون الأجدى هو أن يستمر ويمتد خلال السنوات القادمة".

وأخذت العديد من المنظمات غير الحكومية أيضا على عاتقها تقريب وجهات النظر بين الجانبين ومنها المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي، كما أفادت الأمينة العامة للمنظمة الدكتورة حنان يوسف: "أحداث 11 سبتمبر كانت العامل الأساسي في إطلاق فكرة المنظمة. فالمنظمة كانت تحت التأسيس في عام 2001. هي منظمة مدنية مستقلة تحظى بعضوية مجموعة مرموقة من المثقفين من الدول العربية والغربية الذين يؤمنون بفكرة التواصل والحوار والتفاهم كوسيلة للتعايش لكن على أساس الندية. ما يميز المنظمة أنها تنتهج مبدأ القوى الناعمة، وهو كيف يمكن من خلال الإعلام والثقافة والتعليم والاقتصاد وأي شيء غير مرتبط بالسياسة، تحقيق مزيد من التفاهم والتواصل".

وأعطت يوسف أمثلة للبرامج التي تقدمها المنظمة في هذا الإطار: "هناك برنامج تدريبية على مفاهيم الحوار والتقارب بين الشرق والغرب. هناك مشروع التراجم المتبادلة بين الجانبين. كما أن المنظمة تقدم إنتاجا إعلاميا مهما في هذا المجال".

لكن يوسف أقرت بصعوبة المهمة مشددة على ضرورة التعاون بين جميع الأطراف للحصول على نتائج إيجابية: "هو عمل شاق لأنه إذا قامت منظمات المجتمع المدني بجهد فردي فيصبح جهدا متناثرا ومفتتا ولن يؤدي إلى نتيجة إيجابية. وبالتالي علينا أن نبذل جهدا كبيرا فيما يسمى بالتشبيك لأننا نؤمن بأننا لن نستطيع بمفردنا أن نقدم شيئا".

وتتزامن ذكرى الحادي عشر من سبتمبر هذا العام مع ظروف استثنائية تمر بها المنطقة العربية، ما دفع البعض للربط بين ما حدث في ألفين وواحد وما تلاه من تطورات، وما تشهده المنطقة الآن من تغيير جذري، ومنهم الدكتور عبد الله الأشعل أستاذ العلاقات الدولية. وقال الأشعل في هذا الصدد: "أنا اعتبر أن الثورات العربية تعتبر إحدى ثمار هذه الحادثة. فهي محاولة لرد الاعتبار للعالم العربي والإسلامي. وهي محاولة لارسال رسالة مفادها أن العرب والمسلمين في أوروبا والولايات المتحدة هم رسل سلام وأن فكرة الإرهاب هي فكرة مختلفة".

واتفق يحيى الأمير المحلل السياسي السعودي مع ذلك الرأي بل ذهب إلى أن التغيير كان يفترض أن يقع قبل ذلك، إلا أنه تأخر بسبب حرب العراق: "لولا حرب العراق كانت وقعت هذه الأحداث التي تشهدها المنطقة قبل عام او اثنين. لأن هجمات 11 سبتمبر شكلت دافعا لشعوب العالم نحو أفكار السلام والاعتدال والتعايش. لكن ما حدث في العراق قدم نسخة للتغيير اكتشفنا هزيمتها الآن ونحن نشاهد التغيير الذي يحدث في الميادين العربية".

لكن خديجة الرويسي رئيسة جمعية بيت الحكمة المغربية المعنية بحقوق الإنسان استبعدت ذلك الرابط: "من الصعب أن تجعلني الأحداث الأخيرة أعتقد أن ما حصل خلال العشر سنوات الماضية هو الذي أدى لوقوع الاحداث التي تجري اليوم في بلدان كتونس ومصر".

وهو نفس رأي الدكتورة حنان يوسف الأمينة العامة للمنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي: "مسألة انطلاق ثورات في العالم العربي أظن أنها شأن داخلي".

بيد أن يوسف شددت على أن حدوث التغيير بهذه الطريقة يبعث رسالة مهمة إلى الغرب: "الربيع العربي يوجه رسالة مهمة تهم أميركا مفادها أن الأصولية الإسلامية ليست هي الرغبة الوحيدة لشعوب المنطقة".

لكن ما هو المطلوب في المرحلة القادمة لتحقيق مزيد من التقارب؟ الدكتور محمود أيوب أستاذ الدراسات الإسلامية والعلاقات الإسلامية والمسيحية في معهد هارتفورد دعا إلى حوار مبني على أسس مختلفة: "يجب أن نعيد تقييمنا بالنسبة للحوار الديني والحاجة إلى إطار جديد للحوار الديني يقوم على أساس مجابهة الأمور بموضوعية وبصراحة".

أما خديجة الرويسي رئيسة جمعية بيت الحكمة المغربية المعنية بحقوق الإنسان فشددت على أن إرادة التغيير يجب أن تتلازم مع الحوار: "اعتبر أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يأتي إلا من داخل تلك الدول. أعتقد أن هناك تأثيرا لكن هذا التأثير سيكون تأثيرا ضعيفا إذا لم تتوافر إرادة التغيير. وأظن أن تغييرا حقيقيا سيدفع نحو انفتاح أكبر نحو الغرب".
XS
SM
MD
LG