Accessibility links

لحظة حاسمة تلك التي ستشهد تقدم الفلسطينيين أمام الأمم المتحدة بطلب للحصول على اعتراف بدولتهم في غضون أيام. فهم يرون أن الوقت قد حان للتقدم خطوة بعد أن توقفت مفاوضات السلام مع إسرائيل وفي ظل عدم وجود رؤية دولية جديدة تقنع الفلسطينيين بالعودة إلى مائدة التفاوض.

وقال غسان الخطيب مدير المركز الإعلامي للحكومة الفلسطينية عن الخطوة التي هم بصددها في تصريح لراديو سوا: "نحن نسعى لإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية حقيقية، لذلك نطلب اعتراف المجتمع الدولي بذلك. ونطلب من الأمم المتحدة قبولنا كعضو دائم وكامل العضوية وذلك على طريق جهود فلسطينية مدعومة دوليا".

وقال الخطيب إن تلك الخطوة محاولة لتعديل المسار: "الموضوع بالنسبة لنا ليس ضربة وتنتهي. الموضوع بالنسبة لنا هو تعديل المسار وتدويل الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني ومحاولة نقله من دهاليز المفاوضات الثنائية التي لم تقربنا من هدفنا".

وفي المقابل، قال أوفير جندلمان المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن الخطوة الفلسطينية غير مسؤولة. وأضاف لإذاعتنا: "الحراك الفلسطيني هو حراك غير مسؤول يخدم فقط الشعارات الوطنية الفارغة ولن يدفع الشعب الفلسطيني للأمم.

بالعكس توجد شكوك بين الفلسطينيين والدول العربية بشأن جدية هذا الحراك وبفاعلية هذا الحراك. فعلى سبيل المثال، هذا يعني أن اللاجئين سيبقون إلى الأبد في الأردن ولبنان، لأننا لن نتفاوض على هذه القضية. انتهى التفاوض على هذه القضية إذا توجهت السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة".

كما قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إن الخطوة الفلسطينية لا تفيد عملية السلام: "إن المسألة لا تعني أن الإجراء في نيويورك لن يجلب السلام أو الاستقرار، لكن تلك الخطوة من شأنها أن تخلق مزيدا من تشتيت الانتباه". ولكن ما هي أهمية تلك الخطوة؟ يقول خليل شاهين المحلل السياسي الفلسطيني في هذا الشأن لراديو سوا: "هذا التوجه للأمم المتحدة هو خطوة من أجل تحسين شروط عودة الفلسطينيين إلى المفاوضات بحيث يتمكن الجانب الفلسطيني من التحدث على طاولة المفاوضات من نقطة أعلى مع الجانب الإسرائيلي وخاصة فيما يتعلق بتحديد هوية الدولية الفلسطينية". وتوقع شاهين أن يختار الفلسطينيون الجمعية العامة لعرض طلبهم: "السيناريو المتوقع في ظل التهديد الأميركي باستخدام الفيتو في مجلس الأمن هو التحول إلى الجمعية العامة والحصول على أغلبية تصوت على قبول فلسطين كدولة مراقب غير عضو.

وهذه الحالة لا تغير كثيرا في الوضع القائم بمنظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة. لكنها تفتح أمام السلطة الباب للانخراط في عضوية منظمات الأمم المتحدة مثل منظمة الصحة العالمية واليونسكو وكذلك المحكمة الجنائية الدولية وهي الخطوة التي تثير غضب إسرائيل في المرحلة الراهنة".

وقال الدكتور السيد أبو الخير أستاذ القانون الدولي إن الفلسطينيين سيستندون في مطالبهم إلى ما يعرف باسم قرار الاتحاد من أجل السلم. وأضاف لراديو سوا: "تنص أول مادة من قرار الاتحاد من أجل السلم على أنه إذا فشل مجلس الأمن في حسم مسألة تهم السلم والأمن الدوليين تنتقل اختصاصات مجلس الأمن الواردة في المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة إلى الجمعية العامة. في هذه الحالة سيحصلون على العضوية. تلك العضوية ستستفيد منها الدولة الفلسطينية المستقبلية كثيرا".

وقال أبو الخير إن مقوّمات الدولة متوافرة لدى الفلسطينيين: "ليس في القانون الدولي أي قاعدة تمنع قبول فلسطين كعضو في الأمم المتحدة حتى يمكن اللجوء إلى باب الوصاية الدولية. ففلسطين كانت دولة من الدرجة (أ) كسورية والعراق. هناك دول تم قبولها في الأمم المتحدة ليست لها مقومات دولة مثل جنوب السودان".

ولكن اوفير جندلمان المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يرى ذلك: "هذا يعني فعلا أنه لا توجد دولة فلسطينية لأنه نصف مساحتها تسيطر عليها منظمة إرهابية وهي حماس. وحماس ترفض المفاوضات مع إسرائيل. من يكون رئيس هذه الدولة؟ هل هو أبو مازن أم إسماعيل هنية".

وتساءل شلومو جانور المحلل السياسي الإسرائيلي عن جدوى التحرك الفلسطيني في هذا الإطار. وقال لراديو سوا: "السؤال الذي يطرح ماذا سينفع الجانب الفلسطيني غداة إصدار هذا القرار. هل ستقوم فعلا دولة فلسطينية؟ طبعا لا. الدولة الفلسطينية يجب أن تعيش جنبا إلى جنب مع الدولة التي بجوارها وهي إسرائيل. فبدون إجراء المفاوضات وبدون الحصول على موافقة إسرائيلية ودون الدخول في تسوية وتفاهم مع إسرائيل، أعتقد أن هذا القرار لن ينفع أو يجدي الجانب الفلسطيني".

كما قال صلاح البردويل القيادي في حركة حماس إن ذلك التحرك يهدد حق اللاجئين الفلسطينيين. وأضاف لراديو سوا: "هناك خطر على حق اللاجئين. فمن يمثلنا في الأمم المتحدة منظمة التحرير الفلسطينية. والمنظمة هي عنوان للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. إذا ما تم تحجيم وجود الدولة الفلسطينية على حدود 1967 فهي دولة وهمية غير موجودة، فهذا سيريح إسرائيل نفسيا".

وقال روبرت مالي مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية إن القضية الحقيقية الآن هي تضخيم الأطراف المعنية لتلك الخطوة. وأضاف مالي خلال ندوة عقدها مركز ودرو ولسن في واشنطن: "إن لب المشكلة هو أن الجميع يضخم من أهمية ما سيحدث. فالفلسطينيون روجوا أكثر من اللازم سواء على صعيد الرأي العام الداخلي أو العالمي بشكل عام، لما سيحدث في سبتمبر. لقد خلق هذا مشكلة لهم. فالآن يتعين عليهم التعايش مع نتيجة أقل من المتوقع. كما أنه من الصعب أن يتخلوا عن شيء وعدوا أنه سيغير كثيرا من واقعهم. كما أن هذا الأمر زاد من مخاوف الإسرائيليين الذين ضخموا الأمر هم الآخرون".

وتخشى إسرائيل أن يستخدم الفلسطينيون ذلك الاعتراف لمقاضاة إسرائيليين في المحاكم الدولية، لكن مارك بيري الصحفي الأمريكي المتخصص في الشؤون الدولية وشؤون الاستخبارات يرى أن الخطوة الفلسطينية ذات أهداف أبعد من ذلك. وأضاف بيري في ندوة نظمها المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية وحضرها راديو سوا: "الفلسطينيون لن يأخذوا إسرائيل إلى المحاكم الدولية، إنهم لا يقومون بتلك الخطوة لهذا السبب، وليس لرفرفة علمهم في الأمم المتحدة، لديهم علم في الأمم المتحدة. إنهم لا يريدون لفت الانتباه أو استجداء حقوقهم بقضيتهم. هذه أمور لا طائل منها. إذاً لماذا يفعل محمود عبّاس ذلك؟ برأيي هو يفعل ذلك في خضم الربيع العربي، فالليبيون والمصريون والتونسيون والسوريون يقاتلون للحصول على حقوقهم، والوحيدون الذين لا يفعلون ذلك هم الفلسطينيون. الآن بإمكان عباس إنتهاز الفرصة من أجل فتح ولأجله. فيمكن أن يصبح المحور الذي يجتمع حوله المجتمع الفلسطيني لتنظيم نفسه سياسيا". الفلسطينيون حصلوا قبل أيام على تأييد لخطواتهم من جانب الجامعة العربية. كما عبرت عدة دول في المنطقة في تصريحات فردية عن دعمها للتحرك الفلسطيني. وثمَّن غسان الخطيب المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية الموقف العربي: "نحن نقيم الموقف العربي تقييما إيجابيا لأن هذا الموقف يشكل دعما قويا للموقف الفلسطيني في مساعينا للحصول على اعتراف دولي بحقنا في الاستقلال والحرية".

لكن المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي انتقد الموقف العربي: "نحن نعتقد أن هذا الدعم هو دعم فارغ على مستوى الشعارات الوطنية. يجب أن يكون هناك دعم عربي حقيقي للسلام. والسلام يتحقق عن طريق الحوار المباشر مع إسرائيل".

ونظر يحيى شاهين المحلل السياسي الفلسطيني إلى المواقف العربية الأخيرة بشكل مختلف. وقال شاهين في هذا الشأن: "برأيي أن الموقف العربي انتهى إلى ما وصل إليه الموقف الفلسطيني. فهذا الموقف لم يحدد بشكل واضح ما إذا كان الموقف الفلسطيني العربي هو الاتجاه نحو مجلس الأمن أو الجمعية العامة. استمرار الموقف العربي الفلسطيني على حاله من شأنه أن يحول التوجه إلى الأمم المتحدة إلى موضوع يُطرَح في إطار صفقة سياسية تجري محاولات للتوصل إليها من خلال الجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي حاليا".

ولكن ما هي الخطوة التالية بعد الأمم المتحدة في ظل تلك المعطيات؟

أسامة عجاج المسؤول عن قطاع الشؤون العربية بصحيفة أخبار اليوم المصرية أجاب قائلا: "أعتقد أن الجانب الفلسطيني لا يملك إجابة على هذا السؤال. لكنني أظن أنه إذا نجح الفلسطينيون في تمرير اعتراف الأمم المتحدة بدولتهم فإنها ستكون ورقة ضغط ضد الولايات المتحدة وإسرائيل لاستئناف المفاوضات على أسس جديدة. ولا توجد سيناريوهات لما بعد عرض الأمر على الجمعية العامة".

وأكد غسان الخطيب مدير المركز الإعلامي للحكومة الفلسطينية أن السلطة ترحب بالمفاوضات لكن وفقا لمرجعيات واضحة: "المفاوضات مقبولة لدى القيادة الفلسطينية إذا كان ذات معنى، أي أن تكون من النوع الذي يمكن أن يسير في اتجاه يحقق نتائج وهذا له ثلاثة متطلبات. المطلب الأول هو الاتفاق على مرجعية للمفاوضات تتضمن تفاوض بشأن دولتين على حدود 1967 مع تعديلات محتملة متفق عليها. المطلب الثاني، أن توقف إسرائيل سياسة توسيع المستوطنات غير القانونية لأن هذه السياسة تتناقض مع جوهر المفاوضات. وثالثا، أن يكون هناك سقف زمني لهذه المفاوضات".

لكن خليل شاهين المحلل السياسي الفلسطيني ذكر أن مساعي استئناف المفاوضات في مرحلة ما بعد التوجه للأمم المتحدة لن تكون سهلة: "أنا متشكك في إمكانية الوصول لمفاوضات تستند إلى ما يريده الجانب الفلسطيني من قرار الأمم المتحدة. فإسرائيل لا تعترف بأي قرارات صادرة عن الأمم المتحدة. كما أن الولايات المتحدة حاولت أن ترسي أسسا ومرجعيات جديدة للمفاوضات وخاصة من خلال صيغة اللجنة الرباعية الدولية. لذا أعتقد أن العودة للمفاوضات هي معركة جديدة ينبغي خوضها ما بعد محطة الأمم المتحدة".

كما قال شلومو جانور المحلل السياسي الإسرائيلي إن العملية السياسة ستواجه صعوبات بسبب التحرك الفلسطيني: "لا شك أن هذا القرار سيعيق العملية السياسية وسيقلص من محبي السلام وحسن الجوار ولا يعزي أولئك الذين يريدون إيجاد الحل السريع والملائم لإقامة دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل".

وتوقع جانور أن يكون هناك رد فعل إسرائيلي قوي إزاء التحرك الفلسطيني: "هذا سيرفع سور العداء بدلا من تحطيم هذا السور. هذا سيزيد من التعنت في جبهة الرفض الإسرائيلي. على الأرض ربما ستكون انعكاسات سلبية ستضر الجانب الفلسطيني. أعتقد أن رد فعل إسرائيلي سيكون قويا".

وقال اوفير جندلمان المسؤول الإسرائيلي إنهم لم يحددوا بعد طبيعة تلك الإجراءات: "فكرنا باتخاذ عدة خطوات ردا على الخطوات الأحادية الفلسطينية. لم نتخذ قرارا بعد. ولكن من الواضح تماما أنه إذا انتهكت السلطة الفلسطينية الاتفاقيات كيف يمكن أن نتمسك نحن بها".

كما توقع جيفري شتاينبرج الصحفي الأمريكي المتخصص في الشؤون الدولية رد فعل إسرائيلي قوي يقود إلى انتفاضة ثالثة: "إذا نجحت تلك الخطوة كما يتوقع الجميع فإن إسرائيل سترد بقسوة بقطع الأموال عن السلطة الفلسطينية. كما قد تقع أعمال عنف من قبل المستوطنين. لذا أعتقد أن ذلك سيقودنا إلى انتفاضة ثالثة".

وأوضح أسامة عجاج مسؤول الشؤون العربية في صحيفة الأخبار المصرية أن إسرائيل بدأت بالفعل التضييق على الفلسطينيين لكنه استبعد أن يتطور الأمر إلى عملية اجتياح شاملة للأراضي الفلسطينية: "من المتوقع أن تزيد إسرائيل من المواجهات الفلسطينيين. لكن لن يكون هناك على سبيل المثال اجتياح لغزة أو دخول للضفة الغربية. أعتقد أن عملية التصعيد بدأت بالفعل".

وأشار المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية إلى أن أخطر إجراء هو حجب إسرائيل أموال الضرائب الفلسطينية: "بالنسبة للموضوع المالي، فهذا خطر حقيقي رغم أنها ليست أموال إسرائيل، كما أنها ليست دولة مانحة للسلطة الفلسطينية بل تقوم بجمع الضرائب بسبب سيطرتها على الحدود نيابة عن السلطة. لكن بناءً على التجارب السابقة فهناك احتمال أن تقوم إسرائيل بذلك. وبالتالي طالبت السلطة الفلسطينية الدول العربية بالاستعداد لتوفير غطاء مالي لتعويض السلطة عما يمكن أن يلحق بها من أضرار ما إذا قامت إسرائيل بتنفيذ تهديدها".

ولكن كيف يمكن أن تنعكس المتغيرات المتسارعة التي يشهدها المحيط الإقليمي للفلسطينيين والإسرائيليين على تطور تلك القضية؟ روبرت مالي مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمجموعة الأزمات الدولية، قال إنه لا يمكن التنبؤ بما ستتمخض عنه خطوة التوجه للأمم المتحدة بسبب المتغيرات التي تشهدها ال منطقة بأسرها: "حتى إذا حاول جميع الأطراف التصرف بطريقة معتدلة وعند النظر إلى ما يحدث في مصر وتركيا وأماكن أخرى، فإنه من غير الواضح كيف ستسير الأمور. فنحن نعيش الآن في عالم عربي مختلف عما كنا نعرفه قبل ستة أشهر".

كما رأى خليل شاهين المحلل السياسي الفلسطيني أنه لا يمكن إغفال آثار الربيع العربي الذي تشهده المنطقة على عملية السلام: "أعتقد أن استمرار هذه الحالة وانتقال الثورات ونجاحها في مناطق أخرى وخاصة سوريا قد تضيف عنصرا جديدا داعما للقضية الفلسطينية. وفي المقابل، إسرائيل تشعر بخطر شديد من ذلك".

لكن أسامة عجاج المحلل السياسي المصرى قال إن العرب مشغولون الآن بشؤونهم الداخلية: "أعتقد أن الإقليم العربي مشغول بقضاياه الداخلية عن قضايا أخرى. صحيح أن العرب يدعمون الطلب الفلسطيني للاعتراف بدولتهم، لكن الكل الآن مشغول سواء في دول محورية كمصر أو دول الخليج".
XS
SM
MD
LG