Accessibility links

logo-print
لم تدخر تركيا جهدا للتواصل مع محيطها الإقليمي جنوبا وشرقا في الآونة الأخيرة. فكانت لها مواقف لافتة في خضم الربيع العربي ما بين تصريحات وأفعال، لاقت ترحيبا وأحيانا انتقادا. وجاءت تلك السياسة تماشيا مع مساعي يبذلها حزب العدالة والتنمية بقيادة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لتعزيز أواصر العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول العربية.

وقال إسلام أوسكان المحلل السياسي التركي لراديو سوا إن اتجاه تركيا نحو العرب ليس أمرا جديدا: "هذه العلاقات المتنامية لم تبدأ مع استلام حزب العدالة والتنمية السلطة. فقد كانت هناك علاقات متطورة منذ نهاية التسعينات. بدأت الحكومات التركية منذ ذلك التاريخ تطويرعلاقاتها مع الدول العربية".

وأوضح أوسكان أن ارتفاع وتيرة الدبلوماسية التركية نحو الشرق الأوسط جاء بعد اليأس من بعض جيرانها الأوروبيين الذين يعطلون انضمامها للاتحاد الأوروبي: "كانت هناك مماطلة من جانب الاتحاد الأوروبي لا سيما من قِبَّل فرنسا وألمانيا. فهاتان الدولتان أبعدتا تركيا من الاتحاد الأوروبي".

كما تحدث عـُرَيـْب الرنتاوي الصحفي في جريدة الدستور الأردنية اليومية ومدير مركز القدس للدراسات السياسية في عـَمان عن الأسباب التي دفعت أنقرة لمزيد من التقارب مع دول المنطقة. وقال الرنتاوي لراديو سوا: "الانعطافة التركية تجاه الشرق الأوسط لها جملة من الأسباب، أهمها أن أوروبا أغلقت باب العضوية التركية في النادي الأوروبي الأمر الذي لم يترك لتركيا سوى البحث عن خيارات وبدائل أخرى. كما أن سنوات حكم العدالة والتنمية أحدثت انطلاقة مذهلة كما لم يحصل من قبل في الاقتصاد التركي، الأمر الذي حفز قطاع الأعمال في تركيا لحث حكومته على البحث عن أسواق جديدة لتصريف فائض الانتاج".

وقال سعيد عكاشة الخبير في الشؤون التركية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية إن طبيعة حزب العدالة والتنمية قد تكون هي الأخرى سببا في ذلك التقارب. وأضاف لراديو سوا: "حزب العدالة والتنمية ذو ميول إسلامية. كما أن هناك شكوكا بشأن وجود تطلعات لدى أردوغان نفسه بأن يحقق ما يسمى بإعادة العثمانية الجديدة. هو طموح تاريخي للعودة إلى تاريخ كان مزدهرا للخلافة العثمانية".

وذهب خورشيد دلي الكاتب والصحفي السوري المتخصص في الشؤون التركية إلى أن ما تتمتع به تركيا الآن من قوة سياسية يفتح الطريق أمامها للعب دور أكبر في المنطقة.

وأضاف دلي لراديو سوا: "تركيا تشعر الآن بفائض من القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية. وتستفيد في ذلك من علاقاتها المتينة مع الغرب من جهة. كما أنها مستفيدة من المتغيرات الداخلية التي تحركها سياسة حزب العدالة والتنمية، وتلقى هذه السياسة قبولا الدول العربية والإسلامية".

وأشار دلي إلى أن أنقرة تعوّل على المتغيرات التي تشهدها المنطقة لتؤمـّن دورا أكثر فعالية في المنطقة مستقبلا: "تركيا الآن تشعر أن الفرصة متاحة لديها لتكثيف دبلوماسيتها تجاه المنطقة العربية على أمل أن تؤدي التغييرات الجارية في المنطقة إلى ترتيب المشهد السياسي من جديد بما يؤمن لها دورا فاعلا لتركيا في كل قضايا المنطقة. وضمن هذا السياق تتحرك تركيا من إيران إلى مصر إلى سورية إلى كل هذه المناطق".

وقال دلي إن أنقرة تستخدم القضية الفلسطينية كمفتاح لزيادة نفوذها في المنطقة، لكنه استبعد أن تلعب دورا أكبر لحسم النزاع الفلسطيني الإسرائيلي: "القضية الفلسطينية الآن هي عنوان للدبلوماسية التركية لزيادة نفوذها في المنطقة. لكن حل القضية الفلسطينية يتجاوز دورا تركياً محددا، لأنها قضية معقدة لها تداخلات إقليمية ولها تداخلات دولية".

كما نبه سعيد عكاشة الخبير في الشؤون التركية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية إلى أن الدور التركي في تلك القضية لن يكون مؤثرا لأن علاقاتها الحالية متوترة مع إسرائيل: "تركيا عليها أن تدرك أنه من يريد أن يتوسط في الصراع العربي الإسرائيلي عليه أن يدرك أنه يجب أن يتمتع بعلاقات جيدة مع طرفي الصراع.

الآن علاقات تركيا مع إسرائيل متوترة، لذا لا يمكن لتركيا أن تلعب دورا وهي تبدو منحازة لجانب على حساب آخر. كما أن الانحياز للشعب الفلسطيني هو انحياز لجزء من قيادات الشعب الفلسطيني وتحديدا حركة حماس".

وفسر إسلام أوسكان المحلل السياسي التركي التوتر بين أنقرة وإسرائيل بأنه صراع على النفوذ في المنطقة: "تركيا منذ عشر سنوات أصبحت دولة ذات ولذلك أصبح هناك صراع على قيادة المنطقة".

وأقر عريب الرنتاوي الكاتب والصحفي الأردني بأن العلاقات بين الجانبين لن تعود كما كانت: "هناك مشكلة تركية إسرائيلية. وهناك علاقة فاترة جدا بين البلدين. ولن تعود العلاقات التركية الإسرائيلية إلى ما كانت عليه في يوم من الأيام. كما أن مؤسسة الجيش التي كانت ترعى العلاقات مع إسرائيل وتعطيها موقع الأفضلية باتت في تراجع مستمر".

لكن الرنتاوي أوضح أن ذلك لا يعني تصعيدا للتوتر: "لن تصل الأمور إلى الدرجة التي ينتظرها بعض العرب. فمازالت تركيا تحافظ على شعرة معاوية مع إسرائيل. كما أن إسرائيل تريد استعادة العلاقات مع تركيا في أسرع وقت. وإذا قرأت بعض الإشارات التركية تكتشف أن هذا التصعيد مازال محسوبا بدقة".

وتزامن ذلك التصعيد مع دعم تركي الثورات ومطالب التغيير في عدد من البلدان العربية. وقال إسلام أوسكان إن هذا الموقف كان واضحا منذ بداية الربيع العربي: "أعلنت تركيا منذ بداية الثورات العربية أنها مع حقوق الإنسان والديمقراطية واحترام القوانين. أي دولة تحترم القوانين ولها علاقات متميزة مع المجتمع الدولي فإن تركيا ستؤيد هذه الحكومة".

وقال عريب الرنتاوي مدير مركز القدس للدراسات السياسية إن ذلك بدا جليا في خضم الثورتين التونسية والمصرية: "أعتقد أن تركيا اتخذت مواقف منذ البداية في هاتين الثورتين إلى جانب حق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار حكامها ونظمها السياسية".

وأشار سعيد عكاشة خبير الشؤون التركية في مركز الأهرام للدراسات السياسية إلى أن تركيا تتعامل بحكمة دائمة عندما يتعلق الأمر بمصر: "الحذر في مصر كبير لأن تركيا تعلم أن النخبة المصرية لديها حساسية فائقة من مسألة من يريد أن يتدخل ويقود المنطقة على حساب الدور المصري التاريخي. وبالتالي كانت تركيا حذرة وهي تتحدث دائما بلغة التحالف مع مصر، وأن مصر أحد محاور الوجود الإقليمي المهم. وبالتالي كان حديثها عن الثورة المصرية أقل حدة من الحديث عن ثورات في مناطق أخرى". وشدد إسلام أوسكان المحلل السياسي التركي على أن ذلك يبدو جليا في التوافق بين القيادتين المصرية والتركية: "وجهة النظر التركية متطابقة مع وجهة النظر المصرية. القيادة المصرية أعلنت أكثر من مرة أن هناك اتفاقا في كل الأمور مع تركيا ولا يوجد بينهما أي خلافات في قضايا المنطقة".

وتطرق سعيد عكاشة خبير الشؤون التركية في مركز الأهرام للدراسات السياسية إلى سبب آخر دفع تركيا لدعم الثورة التونسية: "المسألة في تونس تختلف. فهي ليست مهمة للاستثمارات التركية. ولكن تلعب تونس كما تلعب بعض الدول دور المروج للنموذج التركي. فهناك تيارات إسلامية في تونس كتيار النهضة يتحدثون عن النموذج التركي وكيف يمكن أن يكون هناك نظام إسلامي ناجح".

وعلى النقيض، وصف البعض الدور التركي في أحداث سورية بالتناقض ومنهم خورشيد دلي الكاتب السوري المتخصص في الشؤون التركية الذي قال: "الموقف التركي مما يجري في سورية هو موقف يصل إلى حد التناقض. لاحظنا في البداية أن اللغة التركية كانت لغة التصعيد والتهديد. لكن سرعان ما نجد أن الموقف التركي يبقى كما هو. هناك عامل داخلي أيضا يتحكم في هذا الموقف".

وقال سعيد عكاشة خبير الشؤون التركية في مركز الأهرام للدراسات السياسية إن ذلك التناقض سبَّب خسارة لتركيا: "أعتقد أن الموقف التركي كان مرتبكا. فسورية ليست فقط منطقة تحلم تركيا أن تكون جزءً من نفوذها الإقليمي أو محاورها الإقليمي. سورية تمثل أمنا قوميا بالنسبة لتركيا. فخسرت تركيا بذلك الشارع السوري وخسرت أيضا جزءً من الشارع العربي الذي رأى أن أنقرة كانت متقاعسة عن تأييد الشعب السوري. كما أنها لم تكسب نظام الأسد الذي نظر إلى أن الموقف التركي لا يؤيده".

لكن إسلام إوسكان المحلل السياسي التركي رأى غير ذلك. وقال أوسكان: "موقف تركيا ليس متناقضا. في بداية الأمر كانت تتمتع تركيا بعلاقات متميزة مع الحكومة السورية. ولكن حينما بدأت الأحداث في سورية تعامل النظام السوري مع شعبه بشكل لا يليق، فغيرت تركيا موقفها".

كما رفض الصحفي الأردني عريب الرنتاوي وصف الموقف التركي من سورية بالمتناقض: "ربما هذا التوصيف يختزل المسألة بعض الشيء. والاختزال هنا مخل بالموقف التركي من هذه القضية. لكنني أعتقد أن القيادة التركية نفضت يدها من الرئيس السوري وبلغت معه نقطة اللاعودة".

وكان الموقف الأولي لتركيا من الأحداث في ليبيا مثار انتقاد هو الآخر. وقال الرنتاوي في هذا الشأن: "الارتباك كان في الحقيقة من الثورة الليبية في الأساس وخصوصا في الأسابيع الأولى. ولم أجد تفسيرا مقنعا سوى أن هناك استثمارات بالمليارات في ليبيا وآلاف الخبراء والفنيين الأتراك هناك. لكن تحركت الآلة الدبلوماسية الفعالة في محاولة لجسر الفجوة وقفزت سريعا للحاق بقطار التغيير في ليبيا".

وقال سعيد عكاشة الخبير الاستراتيجي المصري إن أنقرة لم تكن متأكدة من أن نظام العقيد معمر القذافي سيسقط: "وهذا ما يفسر أن تركيا لم تكن قادرة على اتخاذ قرار سريع بشأن الانحياز للثوار على حساب نظام القذافي. كانت تخشى من انقسام ليبيا واحتمالات أن يتمكن القذافي من القضاء على الثورة فكان تدخلها حذرا".

وقدم إسلام أوسكان المحلل السياسي التركي تفسيرا للتباطؤ التركي: "في بداية الأمر كان هناك أكثر من 10 مليارات دولار واستثمارات من الشركات التركية. وكان هناك أيضا 25 ألف تركي يعملون في ليبيا".

ولم يقتصر التمدد التركي على ذلك بل تحرك نحو دول الخليج. وعن أسباب ذلك يقول خورشيد دلي الكاتب السوري المتخصص في الشؤون التركية: "تركيا تطمح من الخليج بمسألتين أساسيتين. المسألة الأولى هي تشكيل نوع من التحالف الإقليمي الذي يمكن تصنيفه في إطار تشكيل جبهة سنية في مواجهة إيران الشيعية التي تعمل على تصدير ثورتها. الأمر الثاني هو أن تركيا بحاجة ماسة للأسواق الخليجية".

وقال سعيد عكاشة الخبير الاستراتيجي إن دول الخليج لا تريد أن يتمدد الدور التركي اكثر من ذلك: "لا تريد تلك الدول أن يتمدد هذا الدور إلى أن يصل لمستوى استرجاع ما يسمى بالهيمنة العثمانية القديمة وعودة العالم العربي إلى خلافة إسلامية بأي شكل من الأشكال. إذاً الخليج ينظر إلى الدور التركي بشكل براجماتي يمكن استخدامه لموازنة التهديد الإيراني وليس أكثر من ذلك".

لكن كيف ينظر المواطنون في المنطقة العربية إلى تركيا؟ عكاشة أجاب عن هذا السؤال بالقول: "الدول العربية تنظر إلى تركيا على أنها معجزة اقتصادية. كما تنظر بعض التيارات الإسلامية في تلك الدول للنموذج التركي على أنه نموذج ناجح مقابل كل النماذج الإسلامية الفاشلة في المنطقة سواء في الصومال أو السودان أو باكستان أو مناطق أخرى".

القيادة التركية تسعى لأن تبني جسور التفاهم مع الجوار عبر سياسة صفر مشكلات. لكن الصحفي الأردني عريب الرنتاوي مدير مركز القدس للدراسات السياسية في عمـّان قال إن تلك السياسة غير واقعية: "أظن أن مسألة تصفير الخلافات هدف أخلاقي في السياسة يعكس ربما حسن النوايا لكنه هدف ليس واقعيا. فتركيا ليست جمعية خيرية أو منظمة أهلية. تركيا دولة لها مصالح وهذه المصالح تلتقي وتتعارض مع مصالح أطراف أخرى".

كما ألمح سعيد عكاشة الخبير المصري في الشؤون التركية إلى وجود مشاكل قد تعرقل مساعي أنقرة: "هناك أيضا معوقات. فتركيا لا تتمتع بتجانس عرقي، فهناك الأكراد وهو أقلية كبيرة داخل تركيا. وهناك جماعات مسلحة تقف في مواجهة الحكومة التركية مما يضطر الجيش التركي للتدخل كثيرا وهو ما يقلل من الوزن النسبي لهذه الدولة".

لكن إسلام أوسكان المحلل السياسي التركي استبعد أن يكون لتلك المشكلات الداخلية تأثير كبير: "قد يكون هناك بعض التأثيرات في هذا المجال على السياسة التركية وعلى دور تركيا في المنطقة. ولكن لن يكون هذا التأثير كبيرا".
XS
SM
MD
LG