Accessibility links

logo-print

المرأة الليبية بين حقبة القذافي ومرحلة ما بعد الثورة


على خلاف الوضع السلبي الذي عايشته المرأة خلال أكثر من أربعة عقود من حكم القذافي، تتطلّع النساء الليبيات في الداخل والخارج حاليا إلى التمتع بحقوق أفضل ودور جديد في الحياة العامة بعد مساهماتهن في نشاطات متنوعة دعما للثورة وتحقيق التغيير.

وفي سلسلة مقابلات عبر الهاتف أجرتها بديعة منصوري من موقع "راديو سوا"، أعربت ثلاث سيدات ليبيات هن أسماء سريبة وسالمة الشعاب وخديجة سعد عن إيمانهن بنجاح الثورة وعن رؤية جديدة بانتظار ولادة ديموقراطية تحقق فيها المرأة ذاتها وقدراتها وتشارك إلى جانب الرجل في صناعة ليبيا جديدة.

طعم الحرية وروح المواطنة

وقالت خديجة سعد وهي ناشطة تقيم في ولاية كاليفورنيا إن الثورة نجحت في تحرير ليبيا رغم عدة تحديات، وأعربت عن أملها في أن ينجح المقاتلون التابعون للمجلس الانتقالي في الدخول إلى بني وليد وتحريرها من القوات الموالية للقذافي.

وأوضحت أسماء سريبة المتحدثة باسم حركة نساء الحرية وهي مجموعة من النساء قمن بأنشطة مختلفة في الصفوف الخلفية لدعم الثورة كتوزيع المناشير والتسجيلات الصوتية على المواطنين في الأماكن العامة، إن أهمّ نتيجة حققتها الثورة تتمثل في تعزيز روح المواطنة وروح التضامن وروح التعاون وتعزيز الروابط الاجتماعية، فضلا عن روح العمل التطوعي بين الليبيين، و"القضاء على ما يسمى بالفكر الواحد وظهور تيارات وأفكار مختلفة بين الشباب كانت غائبة" إبان حكم القذافي.

وأشارت ايضا إلى أن لكل ثورة إيجابيات وسلبيات، لكنها قالت إن المرء ينظر إلى ما هو إيجابي ويتفاءل أن ينتهي السلبي مع مرور الوقت ويأمل أن الأمور التي ورثتها ليبيا من القذافي ستتلاشى مع مرور الأيام. وأوضحت سريبة أن ثورة 17 أبريل ورثت تركة ثقيلة من من الفساد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، وأنّ جني الثمار والنتائج الإيجابية سيحتاج لبعض الوقت "لكي يتم تغيير العقلية الليبية أو الأسلوب المنهجي فيما يسمى بسياسة التجهيل التي مورست على المؤسسات التعليمية في ليبيا بمختلف مراحلها" على حد تعبيرها.

أما السيدة سالمة الشعاب الصحافية المقيمة في طرابلس فأعربت عن اعتقادها بأن الثورة ساعدت في خلق لحمة وطنية متنامية وحراك اجتماعي ومدني كان الليبيون محرومين منه لسنوات. وأضافت أن المواطنين الآن "يستطعمون طعم الحرية"، وأن كثيرا منهم أصبحوا يحاولون الاندماج في تكتلات أو أحزاب أو ائتلافات ومنهم من يريد أن يصدر صحفا ومنهم من يدير جمعيات خيرية وبينهم من يحاول تنظيف الشوارع.

صوت المرأة

بالنسبة لأبرز المكاسب التي حققتها المرأة الليبية فقالت سريبة، التي كانت تعرف باسم ليلى محمد قبل انهيار نظام القذافي، إن المرأة "أصبح لها صوت وأصبح لديها وجود بعد أن كانت محصورة في جزئية معينة وبعد أن كان العالم لا يعرف المرأة الليبية ولا يرى سوى أنها عبارة عن حارسة للقذافي لا أكثر ولا أقل ولم يكن هناك مجال لأن يكون للمرأة الليبية دورا مهما في المجتمع".

وأضافت سريبة، التي سبق أن اعتقلتها القوات الموالية للنظام، أن العالم العربي هو الآخر لا يعرف المرأة الليبية عن قرب، ولا يعرفها إلا من خلال "شخصيات محدودة جدا ومختصرة على عائشة القذافي وعلى حارسات" الزعيم المخلوع.

وأعربت عن اعتقادها بأن الوقت الراهن يشكل فرصة للمرأة لتثبت وجودها مشيرة إلى أن فتيات كثيرات تعلمن كيفية تأسيس مؤسسات المجتمع المدني، ولديهن أفكار وأطروحات كما فتح المجال الإعلامي أمامهن وأصبح بإمكانهن التعبير عن آرائهن وأصبحن يتحدثن إلى قنوات فضائية بلغة سياسية ويبدو أن لديهن خبرة سياسية.

وأوضحت الشعاب أن أبزر المكاسب التي حققتها المرأة تتمثل في مساهمتها في الحصول على الحرية وأنها الآن تثبت وجودها بكل ما أوتيت من قوة. وأضافت أن المرأة الليبية مازالت تكافح من أجل فرض القانون، كما تحاول أن تكون رمزا عبر تنظيف الشوارع، والمشاركة في الجمعيات والمساعدة في الأحزاب والكتابة في الصحف.

مشاركة في الداخل والخارج

وأوضحت سريبة أن المرأة في الثورة كان ولا يزال لها دور كبير ومهم لأنها هي من يسند الرجل حتى في ساحات القتال، وأضافت "إذا كان الشاب لما يخرج حتى يواجه جماعة أو مرتزقة القذافي فالأم تشجع ابنها بأنه من الضروري أن يكون في ساحة المعركة وأن عليه أن يساهم في الدفاع عن حريته".

كما قالت إن المرأة ساهمت أيضا في تقديم الدعم في الجمعيات التطوعية التي نشأت بشكل كبير في مدينة بنغازي، مشيرة إلى أن النساء تبرعن من أموالهن وممتلكاتهن للجان مختصة لدعم الثوار في جبل نفوسة. كما كان للمرأة بحسب سريبة دور كبير جدا في المستشفيات إذ ساعدت في معالجة الجرحى وتطبيبهم، مضيفة أن هناك طالبات متطوعات حاليا في طرابلس، على الرغم من أن اختصاصاتهن ليست في الطب، أخذن دورات سريعة في الإسعاف والطوارئ. كما تحدثت عن الناشطات على صفحات التواصل الاجتماعي والمدونات الالكترونية، مشيرة إلى أن البعض منهن كتبن مقالات مؤثرة كان لها صدى لدى المواطن الليبي.

أما الشعاب فوصفت دور المرأة بأنه عظيم مثله مثل دور الرجل، إذ تصدرت الخطوط منذ انطلاق الثورة في بنغازي، وخرجت في تظاهرات مع الشباب أيام 15 و16 و17 أبريل/نيسان "من أجل شهداء بوسليم الذين قتلهم الطاغية"، وهربت السلاح في ملابسها غير مبالية بالمخاطر التي قد تتعرض لها بإقدامها على ذلك، ونقلت الرسائل بين الثوار وجهزت لهم الطعام، وحرضت لحشد الدعم للثورة عبر القنوات والإذاعات كما ساهمت في توزيع المناشير وخاطت الأعلام وجمعت التبرعات وعالجت الجرحى في الجبهات وفتحت منازلها للمصابين.

وأضافت أن المرأة الليبية من كافة شرائح المجتمع ومن مختلف الأعمار قدمت الغالي والرخيص في سبيل إنجاح الثورة. فقدمت الدعم المادي والمعنوي وساندت أولادها وبناتها وضحت بزوجها "إذ من النساء من قدمت ابنها الأول ودفعت بابنها الثاني والثالث إلى الاستشهاد من أجل الحرية، ومنهن من تعرضن للاختطاف فدفعن ثمن مشاركتهن في الثورة، ومنهن من قتل أولادهن أو احتجزتهن كتائب القذافي بهدف الوصول إلى أقرباء لهن" انضموا إلى صفوف المقاتلين.

وتحدثت سعد، التي بدأت نشاطاتها المعارضة لنظام القذافي في ثمانينات القرن الماضي ثم انضمت إلى جبهة الإنقاذ قبل أن يصيب الجبهة الجمود في التسعينات، عن مشاركتها في دعم الثوار بصفتها ناشطة في الخارج. وقالت إنها ساهمت منذ بدء التطورات في ليبيا "بالكلمة وبما ما أقدر عليه قبل الثورة وبعد الثورة. ساهمت بما أقدر عليه من أفكار".

شبح الأسلحة والأيديولوجية الواحدة

وحول مستقبل المرأة الليبية، قالت سريبة إنه لو فتح لها مجال من قبل القادة السياسيين الموجودين على الساحة حاليا فسيكون لها دور كبير، لكنها عبرت عن بعض القلق بالنسبة للمرحلة القادمة، وقالت إن الخوف الكبير لدى المواطن الليبي البسيط العادي الذي لا طموح سياسيا لديه هو انتشار السلاح. وأشارت إلى أن المرحلة الانتقالية مرحلة حساسة جدا، وأن تجاذب الأطراف السياسية في الساحة الليبية حاليا لا يخدم القضية الوطنية.

وأعربت سريبة عن اعتقداها بأنه "لا توجد حاليا قاعدة حقيقية في البلاد حتى تبدأ اللعبة السياسية، نحن بحاجة إلى التروي بحيث لا يحدث اصطدام بين التيارات السياسية وخاصة للأسف أنا أرى التيار الإسلامي، الذي أتمنى ألا يكون متشددا، وهو ليس متشددا حتى الآن حسب تصريحات القادة مثل عبد الحكيم بلحاج وغيره. لكن هناك مخاوف لدى شريحة معينة من المواطنين، على الرغم من أنني أرى أنها غير حقيقية لكنها موجودة، من احتمال أن تنساق البلاد إلى ظهور نوع من الفصائل أو نوع من الأحزاب المسلحة أو أن تستغل أحزاب سياسية السلاح الموجود لديها".

أما الشعاب فقالت إن بعض المخاوف التي تراودها بالنسبة للمرحلة القادمة تشمل "محاولة عناصر معينة فرض أيديولوجيتها"، إلى جانب "محاولة الرجل إقصاء المرأة واعتبار أن لا مكان لها إلا في منزلها وأن يكون عملها خارج البيت محدودا" واعتبرت أن ذلك سيؤدي إلى إضعاف المجتمع وسيشده للوراء مهما أنتج من أشخاص متعلمين.

وقالت إن أكبر تحد يواجه المرأة يتمثل في نجاحها في "التغلب على المصاعب بذكاء وبكفاءة وبقدراتها التعليمية وأن تدافع عن حقوقها باعتبار حقها في الحياة وحقها في العيش في مجتمع معتدل ومتطور ومتقدم، إذ كلما كانت المرأة قوية وعلى قدر المسؤولية كلما كان المجتمع قويا ومتقدما. وكلما كان في اعتدال في المجتمع كلما كان في ارتياح، وكان فيه تسامح وتداخل عكس الوضع عندما يكون التشدد غالبا على المجتمع الذي يقتصر فيه دور المرأة على مهام محدودة قد لا تتعدى المنزل".

وتحدثت عن ضرورة عمل المجتمع على تعزيز دوري المرأة والرجل معا "لأن المرأة هي التي تربي الأجيال هي من تنتج أطفالا أقوياء وعندما تكون مشاركة فسيكون هناك توازن في المجتمع وتقدم ومساحة أكبر لمنح الآخر حقه".

وفي معرض ردّها عن الخطوات التي قد تلجأ إليها المرأة الليبية إذا ما تعرضت للتهميش في المرحلة القادمة، أكدت أن ليبيا أنجبت كثيرا من النساء القويات والمتعلمات والقادرات على تحمل المسؤولية، إلا أن أغلبهن ابتعدن في الفترة السابقة رغم مستواهن وقدرتهن على تبوء مناصب رفيعة، لأنهن رفضن البروز في وقت القذافي لما كان لذلك من مخاطر. وتوقعت أن تظهر القدرات النسائية في مراكز رفيعة وأن تكلف بحقائب وزارية مستقبلا لا تقتصر على مراكز اجتماعية أو الوزارات المتخصصة كوزارة المرأة بل مواقع فاعلة أكثر مثل الاقتصاد ووزارة التعليم بحسب قدراتها مثلها مثل الرجل، حسب تعبيرها.

وحول سبب ضعف التمثيل النسائي في المجلس الانتقالي إذ لا توجد فيه سوى امرأة واحدة هي الدكتورة سلوى الدغيلي المسؤولة عن الشؤون القانونية والاستشارية، أعربت الشعاب عن اعتراضها لمشاركة سيدة واحدة فقط في المجلس، إلا أنها قالت "نحن نعتبر هذه الفترة انتقالية لكن ذلك لا يعني أن هي تهمش المرأة. بإذن الله عندما تكون هناك حكومة سندفع بالنساء اللائي لديهن فعلا قدرات وكن مهمشات في عهد الطاغية وبإذن الله ستأخذ المرأة مركزها وموقعها".

وأوضحت الشعاب أن المرأة مثلما كانت قوية في الثورة ستحصل على مكاسبها بالكفاح والنضال وإثبات الوجود وبالكفاءة، مؤكدة رفض الليبيات أن يكون دورهن هامشيا أو بسيطا ومشددة على ضرورة أن تكون المرأة ممثلة فعليا في المجتمع كما شاركت في الثورة.

أما الناشطة سعد فتوقعت أن يكون للمرأة دور في بناء ليبيا الجديدة وفي رقيها، كما أعربت عن ثقتها في قدرة الليبيات على مواجهة تحديات المرحلة القادمة وأي مشاكل قد تعترض الثورة، وتوقعت أن تساهم المرأة التي غيبت في عهد القذافي في كافة ميادين العمل.

وأكدت سعد ثقتها في أن المرأة الليبية ستثبت جدارتها ولن تسمح بالتعرض للتهميش، وقالت إن "دور المرأة قبل الثورة كان حساسا جدا لأن القيم لم يكن لها دور في الدولة لذلك ابتعدت النساء اللائي كان ممكن أن يكون لهن دور إيجابي في الدولة، عن الدور السياسي. أما الآن مع الثورة، مع الكلمة الحرة سترجع المرأة كما كانت قبل انقلاب 1969 وأحسن".

"ثورة في العقلية"

لكن الشعاب أعربت عن اعتقادها بضرورة تغيير عقلية المجتمع الليبي الذي وصفته بالشرقي، إزاء المرأة لضمان المكاسب التي حققتها النساء بصفة خاصة والشعب الليبي بصفة عامة.

وقالت "نحن نفضل أن نخوض ثورة تنموية في المجتمع عن طريق الإعلام والنوادي الاجتماعية. لازم تكون في ثورة في العقلية"، وأعربت عن اعتقادها بأن دور الكفاءات الآن سواء كانت مرأة أو رجل "مافيش حد يتزايد على حد بأنه قدم للثورة، الجميع قدم للثورة يعني لو هي مرأة كفؤ ستكون في مكانها ولو كان رجلا كفؤا فسيكون في مكانه. لغة هذا رجل أو مرأة مرفوضة وإن المرأة الكفؤ يجب أن تكون في نفس المكان الذي سيكون فيه رجل كفؤ".

وأعربت عن إيمانها بأن المرأة الليبية قوية وبأن كفاءتها ستمكنها من النضال من أجل انتزاع حريتها، وأكدت أنه "مثلما ناضلت المرأة الليبية وحررت البلد فإنها ستناضل لتكتسب حقوقها في المجتمع".

XS
SM
MD
LG