Accessibility links

logo-print
لم ينته صخب الثورات العربية بعد.. فمصر وتونس تترقبان أول انتخابات لفترة ما بعد الثورة فيما تشهد ليبيا مخاضا صعبا بين مطاردة فلول نظام العقيد معمر القذافي وتشكيل حكومة تدير شؤون البلاد.

وفي خضم هذه الحالة، ظهر الإسلاميون سواء كانوا حركات أو أحزابا قديمة أو جديدة كلاعب أساسي يستخدم شعبية قد تؤهله حسبما يعتقد بعضهم إلى الصدارة في العملية السياسية.

لكن البعض يعتقد أن تلك الحركات لم تكن في الصدارة في خضم ضجيج الثورة ونيران المدافع ومنهم برايان كاتوليس من مركز أميركان بروجرس للدراسات الذي قال لراديو سوا: "أعتقد أنه في هذه المرحلة، لا يقف الإسلاميون في طليعة التغيرات الرئيسية التي شهدناها في مصر وتونس. فبدلا من قوى سياسية منظمة سواء كانت اسلامية أو يسارية، شهدنا جيلا أكثر شبابا متصلا بوسائل التكنولوجيا الحديثة يطالبون بالتغيير. وما رصدناه هو أن جماعات كالإخوان المسلمين حاولت ركوب موجة التغيير واستغلالها لمصلحتها".

واتفق زياد الهاني رئيس تحرير صحيفة الصحافة التونسية مع هذا الرأي. وقال الهاني لراديو سوا: "لا أعتقد أنهم لعبوا دورا مؤثرا لأنه من الواضح أن الشباب هم من قام بهذه الثورات وهم الذين كانوا في مقدمة صفوفها إلى جانب المهمشين والمحرومين الذين كانوا وقودا لهذه الثورات. لكن الواضح أن الإسلاميين كانوا أكبر المستفيدين من تلك الثورات".

لكن كيف استفاد الإسلاميون؟ زياد الهاني أجاب عن هذا السؤال قائلا: "القوة الوحيدة والأساسية والمنظمة والتي استفادت من لحظة الفراغ، أو إذا شئنا القول لحظة اللا توازن كانت الحركات الإسلامية".

وقال صلاح الدين جورشي نائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان إن المرحلة القادمة ستشهد صعودا كبيرا للحركات والاحزاب الإسلامية في بلدان الربيع العربي. وأضاف لراديو سوا: "مما لا شك فيه أن المرحلة القادمة ستشهد صعود عدد من الحركات الإسلامية. ويجب أن يتهيأ الرأي العام الداخلي وكذلك الرأي العام الدولي لمشاركة الإسلاميين في السلطة في المرحلة القادمة".

كما توقع برايان كاتوليس من مركز أميركان بروجرس أن يلعب الإسلاميون دورا بارزا في العملية السياسية بالبلدان التي شهدت ثورات: "سيكون للجماعات الإسلامية دور في النظام الحاكم. فسوف يفوزون بمقاعد في البرلمانات وسيكون لهم صوت أعلى في سياسات العديد من دول منطقة الشرق الأوسط".

تلك الحالة تبدو جلية في مصر التي شهدت ميلاد العديد من الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية وعلى رأسها حزب الحرية والعدالة الذي أسسته جماعة الإخوان المسلمين، علاوة على عدد من الأحزاب ذات الفكر السلفي. سعيد شحاتة الباحث المصري المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية والإسلام السياسي يتحدث عن طبيعة تلك الحركات في مصر قائلا لراديو سوا: "هناك توجهات إسلامية على ثلاث مستويات. مستوى الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية بقيادة طارق الزمر وعبود الزمر وناجح إبراهيم والاتجاهات السلفية".

وأوضح شحاتة أن الإخوان المسلمين سيكونون الرابح الأكبر في الانتخابات التي ستجرى في نوفمبر تشرين ثاني القادم: "الإخوان هم أكثر القوى التي تتمتع بشعبية في مصر. والدور الذي يمكن أن تلعبه في ظل عدم وجود تحالفات أو إئتلافات بين الأحزاب الليبرالية في الانتخابات القادمة، هو أنها يمكن أن تحصل على 40% من عدد الأصوات في تلك الانتخابات التي ستجرى في نوفمبر القادم".

وقال صبحي صالح القيادي في جماعة الإخوان إنه من حق أي قوة سياسية أن تسعى لنيل الأغلبية. وأضاف لراديو سوا: "من حق أي فيصل أن يحقق أغلبية. فهو ليس شيئا مزعجا أو مستغربا أو عجيبا أو مُجرَّما".

لكن صالح استبعد ان يكون هدف الإخوان في هذه المرحلة هو البحث عن السلطة: "رغم أن هذا حقنا الدستوري والسياسي والشخصي ومع ذلك نحن لا نسعى إلى هذا الحق لأن أولوياتنا ليس من ضمنها الوصول إلى الحكم أو إدارة شؤون البلاد. أولوياتنا هي إصلاح هذا الوطن فالبلاد تمر بأزمة".

ولا تختلف الصورة كثيرا في تونس. فحركة النهضة ذات الايديولوجية الإسلامية تحتل صدارة استطلاعات الرأي بين الناخبين التونسيين قبل انتخابات المجلس التأسيسي المرتقبة. لكن تلك الحركة ليست الحزب الإسلامي الوحيد هناك كما يبين زياد الهاني رئيس تحرير صحيفة الصحافة التونسية: "حركة النهضة وهي تعيد بناء هيكلها التنظيمي فإن ذلك لا يتم بشكل سهل، لماذا؟ لأنه خلال أكثر من 17 سنة من تشريد قيادات هذه الحركة وخلو الساحة من أي جهة منظمة قادرة على تأطير شباب هذه الحركة الإسلامية، فقد نمت جماعات خرجت من صلب نفس هذا التوجه وهي الجماعات السلفية والتي تتبنى فكرا ومنهجا متطرفا إذا قسناه بما كانت تطرحه حركة النهضة".

ونبه صلاح الدين جورشي نائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان إلى أن الرأي العام يظل متشككا من حركة النهضة: "هناك أطراف عديدة وكذلك جزء هام من الرأي العام مازال غير مطمئن لهذه الحركة رغم خطابها المعتدل. وبالتالي فهي حركة وإن كانت قوية وتتمتع بحضور سياسي فعال لكنها في نفس الوقت لم تتغلب على الشكوك التي تحيط بها، ليس فقط من قِبَّل خصومها ولكن من قبل جزء كبير من الرأي العام".

لكن سعيد شحاتة الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية والإسلام السياسي أكد أنه رغم كل ذلك تظل حركة النهضة المرشح الأبرز لنيل عدد أكبر من الأصوات في الانتخابات القادمة: "حركة النهضة هي أكثر الأحزاب في تونس التي سيكون لها دور كبير في المرحلة القادمة. فهي كانت محظورة في السابق، ولكن كان لها دور في السابق. وبالتالي فإن حزب النهضة سيكون له دور كبير في الحكومة القادمة والانتخابات التي ستجرى في الشهر القادم".

وشرقا وتحديدا في ليبيا لم تستقر الأمور بعد رغم دخول مقاتلي المجلس الوطني الانتقالي طرابلس، أولئك المقاتلون يـُحسب بعضهم على التيارات الإسلامية. شحاتة يشرح دور الإسلاميين في الثورة الليبية: "المجلس العسكري هناك يرأسه عبد الحكيم بلحاج الذي كانت له علاقات ببعض التنظيمات الإسلامية المسلحة. وكانت هناك بعض الخلافات بينه وبين المجلس الانتقالي وتحديدا مصطفى عبد الجليل ومحمود عبد الجليل بشأن من قام بالثورة وقدم بتضحيات. لذا فهناك خلافات كما نرى بين الجناجين الإسلامي والليبرالي في ليبيا".

وقال إبراهيم صهد الأمين العام للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا إن وجود ثوار ممن قاتلوا في السابق في افغانستان لا يعني أنهم متطرفون. وأضاف لراديو سوا: "هناك شباب ذهبوا إلى أفغانستان من قبل ليقاتلوا في صفوف الثوار الافغان أثناء الاحتلال السوفيتي لافغانستان. ولكن هذا لا يعني أنهم يصنَفون كما يحب البعض تصنيفهم بأنه متطرفون أو على صلة بالقاعدة. وعلى العكس من ذلك سمعنا منهم أنهم لم يكونوا في يوم من الأيام على وفاق مع القاعدة وأن ذهابهم إلى أفغانستان كان قبل تحريرها من السوفييت، وعندما تم هذا التحرير خرجوا من أفغانستان".

وأشار صهد إلى أنه يتطلع إلى ليبيا تعددية يصل للحكم فيها من يختاره الناخبون: "أتمنى أن يعطي الدستور الجديد مجالا للحريات السياسية وإنشاء الأحزاب، وأن يقر الدستور مبدأ تداول السلطة بطرق سلمية، وأن يتم تداول السلطة عبر الانتخاب. هذا هو الذي نريده. بعد ذلك من سيصل إلى السلطة سيكون عبر صناديق الاقتراع".

تلك الحركات والتنظيمات تعودت في الأنظمة السابقة أن تعمل في الظل وطالما وصفت بالمحظورة. لكن قواعد اللعبة تغيرت الآن مما سيضع تحديات كبرى امامها كما أشار برايان كاتوليس من مركز أميركان بروجرس: "في أي نظام سياسي ديمقراطي، يصبح التنظيم وحشد التأييد أكثر صعوبة. فساعتها ستكون تلك الجماعات عرضة للتدقيق من قِبل الرأي العام وللجدال وللمنافسة بصورة أكبر مما لو كانت تنظم صفوفها وتعمل في الخفاء. وبالتالي سينصبّ الاهتمام الآن على أداء الأحزاب الإسلامية لدى وصولها لتلك المناصب وليس على عدد المقاعد التي يمكن أن تحصدها".

وعرض سعيد شحاتة المتخصص في شؤون الأحزاب والجماعات السياسية الإسلامية التحديات التي ستواجه الإخوان المسلمين عندما يعملون في النور: " العمل السري يختلف عن العمل العلني. ودائما كان الإخوان المسلمون يتحججون بعدم قدرتهم على الإعلان عن اجتماعاتهم والانتخابات الداخلية وغيرها من الآليات الديمقراطية التي كانوا يعلنون أنهم يؤمنون بها ولكن لا يطبقونها. وبالتالي فإن الانفتاح والعمل فوق الأرض وليس تحت الأرض يمثل تحديا كبيرا لا سيما أن هناك خلافات داخلية بين الإخوان فيما يتعلق بقضايا المرأة وغير المسلم والشريعة الإسلامية والقوانين والدساتير".

وأقر صبحي صالح القيادي في جماعة الإخوان المسلمين بوجود تلك التحديات: "هناك تحدي الممارسة وليس تحدي المعارضة. فمطلوب منا الآن تحدي كبير وهو أنكم كنتم قديما تقولون إن الإسلام هو الحل كشعار، وتقولون ليس أمامنا فرصة للتنفيذ لأننا في المعارضة المحظورة. أمامنا الآن تحدي كبير في طرح البديل الفعلي الذي يلمسه الناس".

وقال شحاتة إن تحالف القوى السياسية الاخرى وتركيزها على تلك التحديات قد يضعف من قوة الإخوان: "إذا استطاعت القوى الأخرى أن تضع تلك التحديات أمام الإخوان المسلمين فسوف تفقدها بعض الشعبية نتيجة ضبابية وغموض الشعارات التي يرفعونها".

هذه الصورة من التقدم النسبي لتلك الحركات في استطلاعات الرأي قد يدفعها نحو تحالفات فيما بينها والتي وصفها سعيد شحاتة الباحث المتخصص في شؤون تلك الجماعات بأنها تقوي من شوكتها رغم اختلافها: "التحالفات هي تحالفات تكتيكية وليس تحالفات أبدية. فهناك خلافات كبيرة بين السلفيين والجماعات الإسلامية والإخوان المسلمين. وفي ليبيا هناك خلافات بين مصطفى عبد الجليل وعبد الحكيم بلحاج. وفي تونس هناك خلافات. ولكن إذا كان هناك عدو أبعد وعدو أقرب فسيتم التحالف بينها. أعتقد أن ذلك التحالف يشكل قوة لهم ولا يضعفهم في المرحلة الآنية. ولكن في المستقبل قد يعود عليهم ذلك بالضرر".

وتتجه بعض القوى ذات الأيديولوجيات المختلفة في تلك البلدان للتحالف أيضا مع الإسلاميين وهو ما ظهرت بوادره في تونس. وقال زياد الهاني الصحفي التونسي في هذا الشأن: "رأينا مثلا حزب التكتل والذي يعتبر رئيسه الأوفر حظا لمنصب رئاسة الجمهورية في تونس وأعني بذلك الدكتور مصطفى بلجعفر، يصرح أنه لا يرى مانعا في التحالف مع حركة النهضة. وحسب ردود الفعل الأولى فإن حركة النهضة نفسها لا تمانع في إبرام هذه التحالفات".

كما قال صلاح الدين الذي نائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان إنه انخرط في ائتلاف سياسي آخر يضم إسلاميين وسياسيين من أطياف أخرى ومستقلين إيمانا بضرورة التعددية التي تصب في مصلحة البلاد: "بالنسبة للائتلاف الذي نشأ, هو ائتلاف يحاول أن يعطي فرصة لقسم من المستقلين كي يلعبوا دورا حيويا سواء في المجلس التأسيسي أو في المرحلة القادمة. هذا الائتلاف يرتكز على خلفية سياسية واضحة والتي تقول إنه سيكون من الخطأ والخطر على التجربة الديمقراطية الناشئة في تونس أن يهيمن عليها في هذه المرحلة طرف سياسي ما مهما كانت شرعيته".

وحذر جورشي الإسلاميين من الميل إلى الاستئثار بالسلطة: "يجب الا يتسرعوا وألا يستثمروا نقاط القوة التي في صالحهم الآن وألا يتورطوا في الانفراد بالسلطة وفرض أجندتهم الخاصة على مجتمعاتهم بحاجة أنهم قادرون على التأثير في الأغلبية. أعتقد أنه يتعين عليهم التدرج في نظام الحكم، وأن يكونوا شركاء فاعلين مع آخرين بما في ذلك التيارات العلمانية. وبذلك يمكن أن يساهموا في طمأنة الرأي العام وإحداث تدرج في الانتقال الديمقراطي".

ولكن ما هو النموذج الذي تتطلع إليه الحركات الإسلامية في الوقت الراهن؟ برايان كاتوليس من مركز أميركان بروجرس قال إن ما يحرك تلك الحركات والأحزاب الآن ليس تطبيق نموذج بعينه، وإنما المطالب الداخلية: "لا أعلم ما إذا كانت الحركات الإسلامية تتطلع إلى نماذج بعينها سواء كانت سلبية أو إيجابية خارج حدود بلادهم. أعتقد أن ما يحرك السياسة والعمليات الانتخابية في مناطق مثل مصر هذه الأيام هو الأوضاع الداخلية ومحاولة الاستجابة لهموم المواطنين".

لكن زياد الهاني رئيس تحرير صحيفة الصحافة التونسية رجح النموذج التركي: "سأتحدث هنا على ما رافق زيارة رئيس وزراء تركيا إلى كل من تونس ومصر. رأينا كيف كان الإسلاميون في طليعة المستقبلين لاردوغان. وسمعنا في تصريحات متعددة من قيادات هذه الأحزاب عن تمثلهم للمنهج التركي وعن استعدادتهم لتطوير تجربة مماثلة في دولهم".

أما إبراهيم صهد الأمين العام للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا فيرى أن كل ذلك سابق لأوانه: "الحديث عن أننا سنعتمد النموذج التركي أو نموذحا آخر، أرى أنه أولا أمر سابق لآوانه. ثانيا، نحن نعلم أن تركيا رغم أن النموذج فيها يختلف عن النماذج التي عرفناها عن تركيا في السابق، لكن هذا النموذج مكبل ببعض المسائل من رواسب المرحلة الأتاتوركية".

وقال سعيد شحاتة الباحث في شؤون الحركات الإسلامية إنه بغض النظر عن النموذج الذي ستتبناه تلك الحركات فإن مفتاح نجاحها هو التحالف مع الآخرين: "أي حكومة يشارك فيها الإخوان في مصر أو النهضة في تونس أو الإسلاميون في ليبيا، أعتقد أنه لو تم التحالف مع آخرين داخل تلك الحكومات فقد تكون تجربة ناجحة. ففي تجارب أخرى كالصومال والسودان كان الإسلاميون هم اللاعب الأساسي أو الوحيد في العملية السياسية ففشلت تلك التجارب. لكن إذا قاموا بتحالفات قد تختلف الصورة لأنه في إطار التحالفات تحدث تنازلات من الجانبين".

وفي خضم كل ذلك كيف يمكن أن تتعامل الولايات المتحدة مع تلك المستجدات؟ برايان كاتوليس من مركز أميركان بروجرس أجاب عن هذا السؤال بالقول: "أعتقد أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتمتع بحنكة دبلوماسية وقدرة على التعامل مع قاعدة عريضة من اللاعبين الأساسيين، وقبول حقيقة أن الشرق الأوسط بدأ عملية تحول ستستمر لسنوات. كما يجب علينا أن نكون قادرين على التعامل مع المتغييرات السريعة المتزامنة مع الانفتاح الديمقراطي كما نرى الآن في مصر وتونس".
XS
SM
MD
LG