Accessibility links

انغمس العالم سريعا في همومه السياسية والاقتصادية بعد أن وقف لفترة وجيزة أمام أنباء مقتل أنور العولقي رجل الدين الأميركي المولد في غارة شنتها طائرة دون طيار في محافظة الجوف باليمن. ورغم ذلك تبقى هناك رمزية لمقتل هذا الرجل الذي أثار كثيرا من الجدل بسبب الاشتباه في ارتباطه بقيادات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتحريضه على قتل غير المسلمين. كما أن ذلك التطور يطرح مجددا تساؤلا بشأن مستقبل تنظيم القاعدة والجماعات التي تتبنى فكره في المنطقة.

سعيد عبيد الجنحي الخبير في شؤون الجماعات المتشددة والإرهاب تحدث عن أهمية العولقي لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية قائلا لراديو سوا: "أعتقد أن العولقي شخصية تمتلك الكثير من الكاريزما واستطاع أن ينقل تنظيم القاعدة من الإطار المحلي الإقليمي إلى الإطار العالمي. ورغم ذلك لم يثبت بالدليل القاطع أنه من قيادات التنظيم".

كما قال وليد فارس مستشار الكونجرس لشؤون مكافحة الإرهاب إن هناك أهمية تكتيكية لتلك العملية. وأضاف فارس لإذاعتنا: "على الصعيد التكتيكي العملاني، العولقي كان أميركيا يمنيا متطرفا يرأس شبكة تعمل من اليمن ولكن لها امتدادات في الجزيرة العربية وأفريقيا. أهمية إلغائها من المعادلة هي أهمية تكتيكية كبيرة. ولكن هل يؤثر ذلك على تنظيم القاعدة أو هل يأتي من يشغل مكانه؟ من المبكر جدا الفصل في هذا".

وأشار الدكتور سعد الحديثي المحلل السياسي العراقي إلى أن عمليات كهذه متوقعة بشكل كبير ضد تنظيم القاعدة بكل أفرعه. وقال الحديثي لراديو سوا: "من المتوقع أن يتعرض التنظيم لضربات من هذا النوع. ومن المتوقع أن يُحارَب من العديد من الحكومات والأجهزة الأمنية في العديد من دول العالم. وإن تضييق الخناق عليه بهذه الطريقة سيؤثر في قدرته على القيام بالأعمال المسلحة بالطريقة التي كان يقوم بها في فترات سابقة. فهذا التنظيم عمل في فترة من الفترات بشكل مفتوح على نطاق واسع".

لكن هل تلقي تلك العملية بظلالها على تنظيم القاعدة الرئيسي وبقية أفرعه؟ محمد سعد عبد الحفيظ رئيس القسم السياسي بصحيفة الشروق المصرية والمتخصص في شؤون الحركات الإسلامية قال إن تنظيم القاعدة الرئيسي انتهى وإن أفرعه تعمل بشكل منفرد. وأضاف عبد الحفيظ لراديو سوا: "انتهت القاعدة تنظيميا منذ نحو خمس سنوات. وإذا كان هناك ما يشبه الأفرع في بعض الدول العربية والإسلامية فهي تستظل بمظلة القاعدة الفكرية لكنها لا تتبع القاعدة تنظيميا. فهذه مجموعات لها مرجعية إسلامية جهادية تقاطع فكرها مع فكر القاعدة".

وهو ما أكده وليد فارس مستشار الكونجرس لشؤون مكافحة الإرهاب قائلا: "أعتقد أن الضربات التي تلقاها تنظيم القاعدة تلحق ضررا بالقاعدة القديمة التي نفذت عملية 11 أيلول وبعض العمليات بعد ذلك. هذه القاعدة تضعف بالفعل".

وتطرق فارس إلى وجود جيل جديد من القاعدة لن يتأثر كثيرا بذلك الحصار: "هنالك أجيال أخرى من الذين تم إدخالهم في التيار المتشدد وهم يشكلون الجيل الثاني أو الثالث من القاعدة. وهؤلاء لم يتأثروا ولن يتأثروا بهذه الضربات. ولكن هذه الضربات ستزيل من يؤثر عليهم. ولهذا فإن الولايات المتحدة والغرب لديهما الأفضلية في هذه المعادلة".

وأشار فيصل مطاوي الصحفي الجزائري إلى أن تلك العمليات لا تؤثر على أفرع القاعدة الأخرى وضرب مثلا بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قائلا لراديو سوا: "لا أعتقد أنه يوجد تأثير لمقتل العولقي على تنظيم القاعدة في المنطقة. فتنظيم القاعدة النشط في شمال أفريقيا الذي يسمى بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، لا يبدو أنه يوجد ثمة روابط مع الجماعات النشطة في اليمن".

لكنه نبه إلى أن حتى هذا التنظيم المنفصل عن القاعدة بات محاصرا أكثر وأكثر: "تنظيم القاعدة تحت الحصار لأن هناك تعاون أمني في منطقة المغرب العربي. وهناك كذلك تعاون في منطقة الساحل الصحراوي التي تضم دولا مثل مالي والنيجر وموريتانيا وتشاد. وبالتالي فإن الدول هناك يبدو أنها تفطنت لضرورة مطاردة هذه الجماعات".

بيد أن سعد الحديثي المحلل السياسي العراقي حذر من قدرة تنظيم القاعدة على تطوير نفسه: "تنظيم القاعدة ربما لديه القدرة للتكيف مع الظروف والمستجدات الأمنية في أي بلد. وهناك قدرة على استبدال الكوادر التي يتم اعتقالها أو قتلها من هذا التنظيم. هناك أجيال جديدة نشأت من هذا التنظيم ربما يكون لديها القدرة على القيادة".

أما محمد سعد عبد الحفيظ الصحفي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية فاستبعد وجود أي جديد لدى التنظيم في الوقت الراهن: "أظن أن قادة تنظيم القاعدة تم عزلهم عن المناخ السياسي العام في الدول العربية والإسلامية. فمعظمهم بدأ من مجلس الشورى ووصولا إلى أيمن الظواهري غير متواصلين مع الشارع".

كريستوفر بوساك الخبير في معهد كارنيجي للسلام الدولي قال لراديو سوا إنه من غير المتوقع أن ينهار تنظيم القاعدة في المستقبل القريب: "لا يمكنني القول إننا نرى انهيارا قريبا للقاعدة. فإذا نظرنا للأمر فإن القاعدة بدأت كمنظمة رسمية لكنها أصبحث أكثر من ذلك، فهي حركة تحظى باهتمام دولي. أعتقد أنه تحد سنواجهه لفترة طويلة. لكن يتعين علينا أن نعي أنها ليست التحدي الوحيد أو التحدي الأهم. فالقاعدة واحد من عدة تحديات يجب أن نتعلم كيف نتعامل معها".

وأقر بوساك بأن القاعدة مازالت تشكل تهديدا: "لقد تم تقليص قدرة التنظيم. لكن خطر تلك الجماعة ما زال ماثلا. فمازال هناك أشخاص يريدون شن عمليات إرهابية". وتطرق سعيد عبيد الجنحي الخبير في شؤون الجماعات المتشددة والإرهاب إلى مسألة أخرى وهي تآكل التعاطف مع تنظيم القاعدة والجماعات المتشددة قائلا: "ربما كان التعاطف سابقا. فكانت الولايات المتحدة في السابق توجه الضربات عشوائيا. ولكن يبدو لي أن الاستخبارات الأميركية قد وعت الواقع ودرست هذه الجماعات وعرفت وفرقت ما بين الشعوب الإسلامية ومتشدديها".

وقال الجنحي إن الربيع العربي لعب دورا في إضعاف تأثير القاعدة: "أرى أن هذه الثورات هي أكبر ضربة وجهت للإرهاب من الجانب الفكري. فالولايات المتحدة والعالم بأسره يحارب الإرهاب عسكريا ويغفل عن الجانب الفكري. فجاء هؤلاء الشباب في تونس ومصر واليمن وسوريا وغيرها ليقدموا نموذجا آخر، نموذجا سلميا".

كما أعرب محمد سعد عبد الحفيظ الصحفي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية عن ثقته في أن التغيير الذي تشهده المنطقة سيؤدي إلى زوال فكر القاعدة: "ما يحاصر القاعدة الآن هو الربيع العربي. مناخ الحرية الذي ستشهده المنطقة العربية سيكون تأثيره أكثر بكثير على فكر القاعدة من الضربات التي توجهها الولايات المتحدة".

لكن وليد فارس مستشار الكونجرس لشؤون مكافحة الإرهاب قال إن دول الربيع العربي لم تصل بعد إلى المستوى الذي يؤهلها إلى دحر الفكر المتشدد بشكل كامل: "لن يكون هناك حل للصراع مع القاعدة أو إضعاف حقيقي استراتيجي لها بمعنى منع الجيل الشاب من أن ينخرط فيها، إلا مع قيام الديمقراطيات العربية التي يمكن أن تنتج عن الربيع العربي. الربيع العربي لم يصل بعد إلى هذا المستوى. فهناك مرحلة ستمر بها تلك المجتمعات لتنجز الديمقراطيات والتعددية الحقيقية".

كريستوفر بوساك الخبير في معهد كارنيجي للسلام الدولي قال إنه من المبكر الفصل بأن الربيع العربي يعني القضاء على الجماعات المتشددة: "لقد مرت بضعة أشهر فقط منذ بدء ذلك. وتلك عملية ستأخذ وقتا طويلا. الربيع العربي هو أمر رائع للمنطقة. لكن عملية التحول ستستغرق وقتا طويلا. كما قد نشهد حالات من عدم الاستقرار على المدى القريب. هناك مخاوف بشأن السجناء الذين فروا من السجون في كل من مصر وليبيا وأماكن أخرى علاوة على كميات الأسلحة الكبيرة الموجودة في ليبيا ومناطق أخرى".

ولكن هل يمكن أن يلعب بعض متبني الفكر المتشدد سواء من المنخرطين في القاعدة أو التنظيمات الأخرى دورا في عملية البناء الديمقراطي في بلدان الربيع العربي؟ فيصل مطاوي المحلل السياسي والصحفي الجزائري قال إن تلك الجماعات لن تنخرط في أي عملية ديمقراطية: "لأنها ترفض كل أشكال التنظيم المدني وكل أشكال التنظيم الحزبي والبرلماني. فبالتالي فهي الآن عليها أن تجد طرقا أخرى. لا أعتقد أنها تريد أن تدخل في العملية السياسية فهي تريد أن تبقى دائما على الهامش".

وألمح مطاوي إلى أن هذا الأمر قد يجعلها أكثر خطرا في المرحلة القادمة: "كأن الجماعات الآن لا تجد من يسمع لها، وهي بهذه الطريقة أصبحت من وجهة نظري أكثر خطورة لأنها تحاول أن تثبت وجودها بشتى الطرق وتقول إنها طرف سياسي في المعادلة الجديدة في العالم العربي".

لكن محمد سعد عبد الحفيظ الصحفي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية قال إنه لا يوجد الآن ما يمنع من اشتراك جماعات تبنت الفكر الجهادي من قبل في العملية السياسية: "هناك مناخ عام من الحريات. فالجماعات السياسية سواء في مصر أو تونس تتحرك الآن في إطار شرعي ومسموح لها بتأسيس أحزاب وجمعيات أهلية ستشارك في الانتخابات القادمة بما فيها تنظيمات مسلحة سابقة كالجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد. والتساؤل لما ستلجأ هذه التنظيمات مرة أخرى للعنف والطريق ممهد أمامها للسلطة بشكل ديمقراطي".

كما أوضح وليد فارس مستشار الكونجرس لشؤون مكافحة الإرهاب أن صعود تلك الجماعات المتشددة في الأيام القادمة سيكون في الإطار العام لنمو جميع التيارات السياسية في المجتمعات التي انفتحت على الممارسات الديمقراطية: "هذه الجماعات لم تظهر بين ليلة وضحاها. فهي كانت موجودة. أصبح الآن لديها حرية التحرك. الفارق الآن أن أطروحاتها ستجابه بطروحات القوى السياسية الأخرى وهي أيضا كانت ممنوعة كالديمقراطيين والعمال وقطاعات الشباب والعلمانيين وحتى المعتدلين من الإسلاميين".

ولا يرى كريستوفر بوساك الخبير في معهد كارنيجي للسلام الدولي مانعا في مشاركة الحركات الإسلامية في الديمقراطيات الجديدة: "يبدو أنه سيكون هناك حكومات أكثر شعبية وربما توجهات إسلامية في البلاد التي تشهد تغييرات. وهذا ليس شيئا سيئا. ويجب ألا نخلط بين الإسلاميين الذين يستخدمون العنف والآخرين الذين يتطلعون لدور أكبر للدين في المجتمع أو في الحكومة".
XS
SM
MD
LG