Accessibility links

logo-print

المرأة اليمنية بين إرث الماضي وتحديات المستقبل


لم تغب المرأة اليمنية عن مشهد التطورات المتلاحقة في جميع أنحاء بلادها. فكانت حاضرة كمواطن يمني في ساحات التغيير يبحث عن حقوقه. وعلا صوتها ليعانق أصوات أقرانها من الرجال للمطالبة بمستقبل أفضل لهذا البلد الممزق بين المعاناة الاقتصادية والصراعات الدامية.

وتـُوجت تلك المشاركة النسائية في اليمن بحصول توكل كرمان الناشطة الحقوقية على جائزة نوبل للسلام. فكرمان وزميلاتها حملن رايات السلام لتحقيق مطالبهم.

ذلك الظهور القوي للمرأة ليس أمرا جديدا أو مستغربا كما أكدت سهى بَشَرْين الناشطة السياسية وعضو تحالف وطن نساء من أجل السلم الاجتماعي. وقالت بشرين لراديو سوا: "هناك خلط في الإعلامين الإقليمي والغربي. فصورة المرأة اليمنية دائما أنها صورة المرأة المضطهدة الضعيفة وذلك لارتدائها الحجاب والنقاب بشكل كامل. لكن الواقع مختلف. المرأة اليمنية من أقوى النساء على المستوى العربي وموجودة في جميع مجالات الحياة".

وقالت بلقيس اللهبي الناشطة في مجال حقوق الإنسان في اليمن إن دور المرأة بدا أكثر تركيزا في السنوات القليلة الماضية. وأضافت لراديو سوا: "دور المرأة اليمنية في الحراك الشعبي بدأ منذ سنوات وليس هذا العام. ففي هذا العام كانت هناك استجابة شعبية للربيع العربي. المرأة اليمنية كان لها دور كبير جدا في حركة حقوق الإنسان التي كانت الممهد الأساسي لكل الحراك الشعبي واتجاه الشعب اليمني للبحث عن حقوقه".

وأوضحت جميلة علي رجاء الدبلوماسية اليمنية السابقة والناشطة الحقوقية أن دور المرأة تراجع بسبب تمدد الفكر السلفي في العقود الماضية. وأضاف رجاء لإذاعتنا: "دور المرأة تقليديا كان دورا فاعلا ومشهودا له. حدث التراجع عندما دخل التيار السلفي اليمن. فتراجعت المكتسبات التي حققتها المرأة في الثورتين الماضيتين في الشمال والجنوب". ووصفت رجاء حضور المرأة في الحياة العامة في السنوات الماضية بأنه كان تجميليا وأن التدهور شمل كل شيء: "دور المرأة في الحياة العامة في فترة ما قبل الثورة كان تجميليا. صحيح تعليميا العدد لا بأس به، لكن كلما ارتفع سن الدراسة تسربت الفتيات من الدراسة. صحيا، هناك الكثير من الإهمال فيما يتعلق بصحة الأم وهناك نسبة مرتفعة من الوفيات بين الأمهات". وأوضح عبد الباري طاهر نقيب الصحفيين اليمنيين الأسبق والمحلل السياسي أن التمييز ضد المرأة يبدأ من دستور البلاد. وقال طاهر لراديو سوا: "المرأة يُمارَس ضدها قمع واضطهاد شديد جدا. الدستور اليمني لا يساوي بين الرجل والمرأة. هذه المرأة المكافحة المناضلة التي تمثل أكثر من 53% من المجتمع المدني تحرم حرمانا كبيرا من حقوقها. كل ما نراه هو اعتراف شكلي بدور المرأة". وتطرقت سهى بَشَرْين الناشطة السياسية إلى بعد آخر أدى إلى تهميش المرأة قائلة: "بالأرقام مشاركة النساء في اليمن قليلة جدا لأنه لا توجد سياسات في اليمن تشجع النساء على المشاركة الأكبر". تلك التحديات لم تمنع العديد من النساء من مزاحمة الرجال في العديد من المجالات، فعملت في العديد من الوظائف الهامة رغم كل التحديات المحيطة بها. جميلة علي رجاء الدبلوماسية السابقة تتحدث عن تجربتها قائلة: "لم أجد صعوبات كثيرة ربما لأنني كنت قبل ذلك إعلامية ومعروفة، والشخص المعروف تُيسَر له الكثير من الأمور. ولكن الشخصيات النسائية غير المعروفة كن يصادفن تلك المشكلات".

لكن مشكلة أخرى كانت تواجه رجاء أثناء عملها الرسمي: "أكبر تحدي للنساء المشاركات في الحياة العامة هو تأخر الترقية. فترقية النساء دائما تتأخر".

وتبلور دور المرأة بشكل أكبر منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية مطلع هذا العام، فكان حضور المرأة أبرز من أي بلد آخر شهد احتجاجات مماثلة كما أكد محمد قاسم نعمان رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان. وقال نعمان لراديو سوا: "الزخم الذي شاركت به المرأة في هذه الثورة شيء عظيم جدا لم تشهده أي بلد بما في ذلك البلاد الأوروبية. فلم يشهد أي بلد هذه الكثافة وهذا الإصرار من المرأة".

وحدد نعمان سببا لهذا الظهور اللافت للمرأة في ساحات التغيير قائلا: "هذا تعبير عن أثر تراكمات نشاط المجتمع المدني في الفترة الماضية وتحديدا المنظمات التي تنشط في مجال حقوق الإنسان. مازالت المرأة تواجه الكثير من الصعوبات وتُحرَم من الكثير من حقوقها. لكن مشاركة المرأة في هذه الثورة بهذا الزخم يعني أنها لن تقبل أن يتم حرمانها من حقوقها". سهى بَشَرْين الناشطة السياسية وعضو تحالف وطن نساء من أجل السلم الاجتماعي أوجزت طبيعة تلك المشاركة: "المرأة خلال الشهور الماضية مارست الدور الطبيعي التي ترى نفسها فيه. فشاركت الطبيبات في المستشفيات الميدانية، وشاركت نساء كثيرات في تأمين الساحات وتشجيع الشباب وتقديم الدعم المعنوي والمادي". وتحدثت بشرين عن المساندة التي لاقتها النساء في ساحات الاعتصام قائلة: "النساء وجدن قبولا وترحيبا. ففي أول مظاهرة نظمنها تحالف وطن في 20 فبراير كان الشباب يرحبون بنا. وأعطت المظاهرة التي خرجت في الساحة دافعا وتشجيعا للشباب".

ووصفت بلقيس اللهبي الناشطة السياسية والحقوقية كيف كان يتفاعل معها الرجال في ساحات الاعتصام بالقول: "كنت مندهشة في بداية الثورة عندما اعتليت لأول مرة المنصة وأنظر في وجوه الرجال من القبائل وهم مستجيبون تماما للحديث الذي أقوله ولوجودي على المنصة وأنا أهتف وهم يهتفون خلفي".

وروت لنا جميلة علي رجاء الدبلوماسية اليمنية السابقة والناشطة الحقوقية تجربتها في التوعية داخل ساحات التظاهر. وقال رجاء: "كنا نعمل دورات تدريبية حول مفهوم الدولة المدنية ورسالة الثورة. كان دوري توعويا وليس تظاهريا. لم تكن هناك مشكلة. وكان الرجال يقفون على باب الخيمة التي أتحدث فيها عندما يرون أن امرأة تتحدث ثم يبدأون التقدم لداخل الخيمة كأنما الكلام يجذبهم. لم يكن هناك أي نوع من أنواع الأداء السيء تجاه النساء عدا حادثة أو حادثتين فقط".

ولكن هل تتيح الطبيعة القبلية للمجتمع اليمني للمرأة مزيدا من حرية الحركة؟ سهى بَشَرْين الناشطة السياسية اليمنية قالت إن القبلية لم تكن مشكلة للمرأة ولكن النظام الذي حكم البلاد طوال السنوات الماضية كان هو المشكلة الحقيقية: "المجتمع اليمني قبلي، نعم. ولكن ليست كل مبادئ القبلية سيئة بالنسبة للمرأة. ما عمل عليه النظام على مدى 33 سنة هو إذكاء الروح العدائية للنساء في الثقافة القبلية".

وأوضح عبد الباري طاهر المحلل السياسي اليمني أن تلك العادات والتقاليد القبلية التي وضعت قيودا على المرأة لم تعد كسابق عهدها: "تلك التقاليد العتيقة ضعفت كثيرا ولم يصبح يروج لها إلا نظام الحكم نفسه. ولكن القبائل في اليمن أصبحت أكثر إلى العصر ونداء المستقبل".

وتبدو مسألة التعليم أحد التحديات الكبرى أمام المرأة اليمنية لاسيما أن هناك عزوفا كبيرا عن إكمال تعليم الفتيات وذلك لعدة أسباب توضحها سهى بَشَرْين الناشطة السياسية وعضو تحالف وطن نساء من أجل السلم الاجتماعي بالقول: "في المناطق النائية، هناك خلل في عدم توفير المدارس والمدرسات والمنهج الذي يشجع الفتيات على الالتحاق بالتعليم. كما أن الخدمات الأساسية غائبة مثل المياه والطرق والكهرباء في القرى والمناطق النائية يجعل الفتيات غير مقبلات على التعليم".

وانتقدت جميلة علي رجاء الدبلوماسية اليمنية السابقة والناشطة الحقوقية عدم تطرق السياسيين إلى تلك المشكلة بشكل جاد: "النظام التعليمي ذكورا وإناثا يحتاج إلى توقف وإعادة نظر كاملة وشاملة. هناك فصول كثيرة وطلبة كثيرون. هناك مدرس واحد لكل مائة طالب. للأسف الشديد السياسيون لا يتحدثون عن القضايا التنموية في خطابهم بشكل جيد".

بيد أن بلقيس اللهبي الناشطة في مجال حقوق الإنسان أفادت بأن برامج تحسين تعليم الفتيات موجودة لكن الفساد حال دون تنفيذها: "اليمن يعمل منذ سنوات ولكن الفساد يأكل كل شيء. هناك إدارة كاملة في قطاع التعليم هي إدارة تعليم الفتاة وتم فيها الكثير من المشاريع بتمويل أجنبي من أجل تشجيع تعليم الفتاة بما في ذلك إعفاء الفتاة من الرسوم وإعطاء منح تشجيعية من أجل تعليم الفتاة. كل هذا كان يذهب في رصيد الفساد".

تحديات وصعوبات كبيرة تواجه تلك المرأة التي تكافح من أجل إثبات الذات تؤهلها للحصول على قسط أكبر من المشاركة في مستقبل هذا البلد، وهو ما أكده محمد قاسم نعمان رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان: "المرأة اليمنية الآن لا تنتظر أن تحصل على حقها بهدية كما كان يتم في الفترة الماضية. الآن المرأة تنتزع حقها. أنا متأكد أن المرأة التي تخرج بهذا الزخم في العديد من المدن سيكون لها دور أكبر".

لكن سهى بَشَرْين الناشطة السياسية أقرت بوجود الكثير من الصعوبات: "ميراث تلك الثقافة التي ترسبت على مدى 33 عاما سيكون لها آثارها. هذه الثقافة لن تنتهي بين يوم وليلة. لن تنتهي بنجاح الثورة وانتهاء النظام بل ستظل". كما أعربت جميلة علي رجاء الدبلوماسية اليمنية السابقة عن تخوفها من عودة المرأة إلى المربع الأول: "لدي قلق مشروع وهو كما حدث في الثورات الماضية، تستنفر النساء ليقفن إلى جانب الرجل في التغيير. لكن عندما تحدث الاستحقاقات تجد نفسها بعيدة عن هذه الاستحقاقات".

بيد أن رجاء شددت على أن المتغيرات التي تشهدها اليمن أفرزت كوادر من النساء قادرات على المشاركة في كل المجالات: "الثورة أفرزت قيادات نسوية قادرة ومؤهلة. وجعلتنا نميز النساء والشابات والفتيات القادرات على التميز في الأداء".

وتبديدا لتلك المخاوف، قالت بلقيس اللهبي الناشطة الحقوقية إن النصوص القانونية والدستورية هي التي تضمن حق المرأة: "أولا وجود نصوص قانونية في الدستور تمنع أي تمييز ضد النساء. ثانيا القوانين أو تعديل القوانين الحالية. نمتلك النص القانوني أولا ثم علينا أن نحتكم إليهز لكن بغياب النصوص القانونية كانت لدينا معارك شتى".

وأشارت جميلة علي رجاء الدبلوماسية اليمنية السابقة والناشطة الحقوقية إلى أن الأهم هو تطبيق تلك النصوص: "من المهم جدا أن يكون الطرح الأساسي خلف الدستوري أن يكون هناك وعي لحقوق الإنسان بشكل عام وكل الاتفاقيات الدولية الموقع عليها اليمن. طبيعي أن يتم البدء بالدستور ليتم الانتقال بعد ذلك إلى الناحية القانونية. ولكن المهم جدا أنه أحيانا يكون هناك قانون جيد للنساء ولكنه لا يمكن تطبيقه".
XS
SM
MD
LG