Accessibility links

logo-print
وصلت تونس إلى موعد أول اختبار ديمقراطي حقيقي بعد رحيل نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي. فالكل على قدم وساق لانتخاب أعضاء المجلس التأسيسي الذي سيكتب دستور البلاد الجديد ويحدد شكل المرحلة المقبلة في بلد عاش سنوات طويلة تحت راية الزعيم الأوحد والحزب صاحب الأغلبية المطلقة. ويتنافس المرشحون على عضوية مائتين وسبعة عشر مقعدا يمثلون سبعا وعشرين دائرة في الداخل وست دوائر خارج البلاد.

سفيان الشرابي عضو جمعية الوعي السياسي التي تشارك في مراقبة الانتخابات وصف أجواء الانتخابات بأنها إيجابية بشكل عام. وقال الشرابي لراديو سوا: "ظروف العملية الانتخابية طيبة بشكل عام. غالبية الأحزاب والقوائم المشاركة نظمت حملاتها الانتخابية في ظروف ملائمة ومناسبة. ونحن هنا في تونس لم نتعود على إجراء حملات انتخابية بكل هذه الحرية".

جيري سوركين رئيس الرابطة التونسية الأميركية الذي زار تونس مؤخرا ويستعد لزيارتها مجددا لمس أجواءً إيجابية هناك. وقال سوركين لراديو سوا: "أعتقد أن الأمور تسير على ما يرام. لقد أسعدني الحظ بقضاء الكثير من الوقت في تونس. ويجب أن نضع في الاعتبار أن هذه هي المرة الأولى التي تشهد تونس انتخابات حرة وديمقراطية. إن الآراء السياسية الحقيقة لمن ينتمون إلى جميع الاطياف السياسية باتت مسموعة. وهذه هي الديمقراطية. أعتقد أن ما يحدث الآن هو شيء مؤثر بحق".

أما زياد الهاني رئيس تحرير صحيفة الصحافة التونسية فقال إن ما يسود الأجواء الآن هو الحيرة والترقب. وقال الهاني لراديو سوا: "هناك جو من الحيرة والترقب في نفس الوقت. الحيرة لأن العديد من المواطنين لم يحددوا بعد خيارهم الانتخابي وسط الكم الهائل من القوائم والمرشحين لهذه الانتخابات. وهو رقم هائل تشهده تونس لأول مرة في تاريخها. هناك أقطاب بارزة في هذه الانتخابات ولكن في الجهة المقابلة هنالك تشتت كبير وحيرة إلى من سيتوجه الناخبون".

دافني ماكردي الباحثة في مركز مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط زارت تونس قبل بضعة أسابيع وأعدت تقريرا عن الأجواء الانتخابية هناك. وكانت أبرز ملاحظاتها أن الارتباك هو الذي يسيطر على الموقف الآن في ظل وجود هذا العدد الكبير من الأحزاب المتنافسة. وقالت ماكردي لراديو سوا: "يمكن وصف تلك الانتخابات بكلمة واحدة وهو الارتباك. المواطنون مسرورن لإجراء تلك الانتخابات التي تعد أول انتخابات حرة ونزيهة منذ بدء الربيع العربي. كما أنها أول انتخابات حرة يشهدها التونسيون. لكن هناك الكثير من التخبط بشأن العملية الانتخابية. فهناك أكثر من مائة حزب مسجل في تونس، قدم نحو ثمانين منها قوائم انتخابية للمنافسة في تلك الانتخابات. لذا فمن الصعب التمييز بين تلك الأحزاب والكيانات السياسية المختلفة".

وأشارت ماكردي إلى أن الغموض يمتد إلى طبيعة دور المجلس التأسيسي المنتخب: "هناك التباس أيضا بشأن دور المجلس التأسيسي. هذا المجلس سيأخذ على عاتقه صياغة دستور جديد للبلاد. وبعيدا عن كتابة الدستور فإنه من غير الواضح ما الذي سيقوم به هذا المجلس تحديدا. فهو كيان ذو سيادة ويتمتع بسلطة مطلقة، ولكن هل سيعين حكومة انتقالية جديدة، أم سيمنح نفسه سلطات تنفيذية؟ هذا ما زال غير واضح".

وتساءلت سيدة الهمامي العضو المؤسس في النقابة الوطنية للصحافيين الشبان والتي كانت ضمن شباب ثورة تونس عما إذا كانت هذه الانتخابات ترضي طموح المواطنين الذي قتلوا وجرحوا في الثورة. وقالت الهمامي لراديو سوا: "الشعب التونسي اليوم يتساءل مع هذا الكم الهائل من الأحزاب السياسية والشخصيات السياسية المترشحة لانتخابات المجلس التأسيسي. وكما تعلمون هناك قرابة 16 ألف مرشح، وعلى المواطن التونسي أن يختار منهم. الشعب التونسي يتساءل هل هذه فعلا مطالبنا؟ هل هذا ما طلبناه يوم 19 ديسمبر 2010؟ هل هذا هو فعلا ما مات من أجله الشهداء وسقط من أجله الجرحى".

وعزت الهمامي حالة الحيرة والارتباك إلى ما وصفته بتداخل برامج الأحزاب السياسية: "هناك تشكك كبير. هناك عدد كبير من المواطنين التونسيين الذين لم يسجلوا أنفسهم في قوائم الناخبين وبالتالي لن يصوتوا. وهنالك من لايزال في حيرة من أمره من الذين سجلوا أسماءهم بشأن من سيختارون. هذا ناتج عن تداخل كبير في برامج وأجندات الأحزاب السياسية، وهذا له جذور تاريخية لأن النخبة في تونس كانت معزولة ومتعالية وتقوم بأعمال فوقية بعيدة كل البعد عن الواقع وعن الشعب التونسي".

وحذر زياد الهاني رئيس تحرير صحيفة الصحافة من أن ذلك الوضع قد يدفع الناخب إلى العزوف عن الإدلاء بصوته: "الاحزاب السياسية والقوائم المستقلة كثفت من حملاتها وجاهدت من أجل الوصول للناخبين والحصول على أصواتهم. لكن هؤلاء الناخبين يرون أن البرامج المقدمة له مكررة ومتشابهة وهو ما يعمق حيرتهم وربما يهدد بنسبة مقاطعة كبيرة للانتخابات".

أما سفيان الشرابي الناشط الحقوقي فقال إنه رغم اختلاف خطاب الأحزاب والقوى السياسية إلا أنهم أجمعوا على الدفاع عن المطالب العامة للشعب التونسي: "الأكيد أن هناك اختلافات في خطاب الأحزاب السياسية المختلفة. فتلك الأحزاب لها مرجعيات فكرية مختلفة تظهر في برامجها المعلنة. إجمالا وعلى مستوى الخطاب السياسي المعلن هناك نوع ما من الدفاع عن المطالب البسيطة للناس وتبني المشاغل العادية للمواطنين".

وأوضح جيري سوركين رئيس الرابطة التونسية الأميركية أن هناك محاولات حثيثة لتوعية الناخب التونسي رغم حالة الارتباك والغموض: "بعض الناس بالتأكيد يشعرون بأن هناك الكثير من الأحزاب وأنهم لا يعرفون المرشحين وليسوا على دراية بالعملية الانتخابية. ولكن في الأسابيع التي سبقت يوم الانتخابات عندما وصلت الحملات الانتخابية لذروتها، كانت هناك جهود حثيثة بذلتها مجموعات بعينها لتوعية الناس بشأن المرشحين ولماذا يتعين عليهم التصويت وما هو الكيان الذي سينتخبونه وما هي مهمة الأشخاص الذين سيتم انتخابهم".

وأشار سفيان الشرابي الناشط الحقوقي أن هناك أيضا حالة من قلة الوعي السياسي لدى المواطن: "ظهرت حالة التصحر الفكري والسياسي التي كانت تعيشها تونس في السابق في هذه الفترة. فالمواطنون العاديون مازال لديهم خلط للمسائل السياسية في أذهانهم. فهناك نسبة كبيرة كانت لا تعلم أن انتخابات المجلس التأسيسي يوم 23 أكتوبر. ويذهب البعض للظن بأنها انتخابات رئاسية أو انتخابات تشريعية عادية".

لكن زياد الهاني الصحفي التونسي رفض هذا الطرح قائلا: "هناك وعي ولأول مرة يحصل في تونس بأهمية الصوت الانتخابي وبأن هذا الصوت سيكون مرجحا ومحددا. لذلك فالناس لا يستهينون بالمسألة ولن يقبلوا التحول لمراكز الاقتراع إلا إذا كانوا واعين أن هذا الصوت سيكون في المكان المناسب".

وقال الهاني إن أي عزوف عن المشاركة سيكون له سبب آخر: "المفارقة هنا أن العزوف ليس ناتجا عن عدم اهتمام. لكن الخطير هو أن العزوف هو نتيجة لاهتمام بلغ حده الأقصى دون التوصل لموقف حاسم. الناخب العادي قراره واضح إما أنه سيكون قد اتخذ قرارا واعيا بالتصويت لجهة معينة، وإما أنه لم يحدد قراره وفي هذه الحالة سيبقى في بيته ولن يخرج".

تطرق الهاني إلى مشكلة واجهت بعض السياسيين المشاركين في تلك الانتخابات وأثرت على ثقة الناخب بهم قائلا: "بالنسبة للساسة، فهناك خطأ كبير ارتكبه العديد منهم. فهم تفاعلوا بشكل أو بآخر مع محاولات الإنقاذ الأخيرة التي قام بها الرئيس السابق. هذه المواقف التي تم ترويجها بشكل كبير في تونس مؤخرا سواء عبر الصحف أو المواقع الإلكترونية جعل رصيد الثقة فيهم يتأثر نوعا ما".

وأشار الهاني إلى مسألة أخرى أثرت على ثقة الناخب برجال السياسة قائلا: "هؤلاء الساسة دخلوا في حروب تصفوية ورأينا كيف أن شركاء الأمس الذين تعرضوا للقمع والتصلب معا، يتحولون إلى إخوة أعداء وكل منهم يسعى إلى إزاحة الآخرين حتى يخلي طريق السلطة أمامه".

وقالت سيدة الهمامي إحدى شابات الثورة إن بعض السياسيين التبس عليهم الأمر بشأن طبيعة تلك الانتخابات: "المرشح للمجلس التأسيسي هو مرشح بهدف كتابة الدستور وليس إيجاد مواطن شغل أو للنهوض بالاقتصاد. ولكن للاسف الشديد الأحزاب السياسية وعدد من المستقلين عندما يتقدمون بخطابهم لوسائل الإعلام يطرحون برامجهم السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. هناك من يحاول شراء ذمم وأصوات التونسيين عبر المال السياسي".

ولكن ماذا عن دور الشباب في تلك العملية السياسية؟ دافني ماكردي الباحثة في مركز مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط بواشنطن قالت إن تفاعل الشباب مع تلك العملية الانتخابية لم يكن بالقدر الكافي: "لا نرى الشباب يشاركون بفعالية في العملية السياسية. ويمكن أن نعزو ذلك إلى أن العديد من الأحزاب السياسية تدار بواسطة الجيل الأكبر سنا.

وما رصدناه هو أن العديد من الشباب الذين انخرطوا في الثورة اتجهوا إلى تشكيل منظمات مجتمع مدني بدلا من الانخراط مباشرة في الأحزاب السياسية".

بيد أن سيدة الهمامي الناشطة السياسية قالت إن مشاركة الشباب في الحياة السياسية باتت أكبر رغم أنها لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب: "هناك انخراط أكبر للشباب التونسي في العملية السياسية. واليوم تحول الجميع إلى ناشطين سياسيين ومحللين سياسيين. فهناك انخراط وهناك تطوع من طرف عدد من الشباب ولكن ليس كل الشباب. هناك انخراط من جانب الشباب ولكن بالتوازي مع الحفاظ على المسألة المطلبية كمواطن الشغل وزيادة الأجور".

تلك الانتخابات تسطر أولى خطوات تونس نحو الديمقراطية الحقيقية وهو ما وضع صعوبات كبيرة أمام الهيئة العليا المستقلة للانتخابات كما أكدت دافني ماكردي الباحثة في مركز مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط بالقول: "لقد أبلت الهيئة العليا للانتخابات بلاءً حسنا في تنظيم تلك الانتخابات. إنها عملية جديدة عليهم، لذا فقد كانت هناك صعوبات في عملية تسجيل الناخبين وتثقيفهم. وكان هناك غموض بشأن كيف يمكن للمرء أن يسجل اسمه في قوائم الناخبين. بعض هذه المشاكل تم التعامل معها وحلها. ولكن تظل هناك بعض المشاكل الأخرى".

وأثنى سفيان الشرابي الناشط الحقوقي على الجهود المبذولة لإنجاح تلك الانتخابات: "الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تقوم بمجهودات ضخمة لانجاح هذه الانتخابات من الناحية اللوجيستية والتنظيمية رغم الصعوبات التي تلقاها بما في ذلك عدم تجاوب بعض الجهات الإدارية لتوفير المستلزمات المادية لإجراء الانتخابات".

وأقر الشرابي بوجود بعض الانتهاكات قائلا: "هناك بعض التجاوزات الطفيفة التي تقع وهي مرتبطة بعدم تعود التونسيين على احترام فعلي وحقيقي للقانون الانتخابي". وأفاد الشرابي بأن جمعية الوعي السياسي التي ينخرط في صفوفها أنشأت موقعا على شبكة الإنترنت لرصد الانتهاكات والشكاوى وهو www.nchoof.org.

كما تحدث زياد الهاني الصحفي التونسي عن طبيعة الجهات التي تراقب الانتخابات بالقول: "هناك ائتلاف كبير كونته الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وتشترك معها مختلف جمعيات المجتمع المدني ومن بينها النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين التي أتشرف بعضوية مكتبها التنفيذي. وهو تقريبا أهم ائتلاف حقوقي مستقل يراقب هذه الانتخابات. هناك العديد من الجمعيات الشبابية التي شكلت في الفترة الماضية ولاقت دعما من مؤسسات دولية عديدة. وهناك أيضا المنظمات الدولية ومنها مؤسسة كارتر". ولكن كيف يمكن أن تحدد نتيجة هذه الانتخابات شكل الخريطة السياسية المقبلة في تونس تمهيدا لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية؟

سيدة الهمامي إحدى شابات الثورة قالت في هذا الشأن: "بالضرورة ستختلف هذه الانتخابات عن الانتخابات القادمة. وأي انتخابات قادمة ستحددها طبيعة انتخابات المجلس التأسيسي. فإما بعد المجلس التأسيسي أن تستمر أي انتخابات في تونس وتكون لها صفة ديمقراطية وشفافة وإما أن تعود تونس للمربع السابق، مربع التزوير والفساد والرشوة. المطلوب من المواطن التونسي أن يرفض شراء ذمته".

كما نبهت دافني ماكردي الباحثة في مركز مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط إلى أن المجلس التأسيسي القادم سيكون على المحك لأن سقف مطالب التونسيين سيرتفع عندما يتولى المجلس مهام منصبه: "أعتقد أنه كان هناك الكثير من الاحباط إزاء الحكومة الانتقالية. لكن التونسيين يدركون أن المسؤولية الأولى للحكومة الانتقالية هي تهيئة البلاد لتلك الانتخابات. والآن عندما تجرى تلك الانتخابات سيتوقع المواطنون الكثير من الحكومة الشرعية الجديدة. وبالتالي فإن ذلك سيحدد ما إذا كان التونسيون يثقون في عملية انتقال الديمقراطي للسلطة".

وقال الهاني إن مستقبل القوى السياسية التي ستفوز في انتخابات المجلس التأسيسي سيكون مرهونا بمدى استجابتها لتلك المطالب: "إذا لم يوفق هذا الائتلاف بعد إعداد الدستور في أن يجد حلولا مناسبة استجابة لتطلعات التونسيين الذين انتظروا هذه اللحظة الفارقة حتى يعود الاستقرار للبلد وتنفتح أمامهم إمكانية الإصلاح، فإن ذلك سينعكس عليه سلبا في الانتخابات التي ستنتج عن المجلس التأسيسي وربما يجدون أنفسهم في مواجهة تصويت عقابي ضدهم".
XS
SM
MD
LG