Accessibility links

عشرات القتلى ومئات المصابين حصيلة أسبوع دامٍ في مصر يُذكِّر بمشاهد الأيام الأولى للثورة التي انطلقت شرارتها مطلع هذا العام. فكان ميدان التحرير بالقاهرة الذي بدأت فيه الثورة مسرحا لمصادمات وكر وفر بين المتظاهرين وقوات الأمن في مشهد وصفه البعض بأنه انتكاسة للثورة، بينما وصفه آخرون بأنه نتيجة طبيعية للطريقة التي أديرت بها المرحلة الماضية بعد الإطاحة بالرئيس السابق.

المجلس العسكري الذي يدير شؤون البلاد حاول تهدئة المعتصمين في ميدان التحرير وميادين أخرى بمصر عبر عدة قرارات أعلن عنها المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس، وعلى رأسها إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها وتسليم السلطة لرئيس مدني بحلول منتصف العام المقبل.

لكن المتظاهرين حددوا مطالبهم بوضوح وهو أن يتخلى المجلس عن مسؤولياته الحالية كما قالت إنجي حمدي إحدى شابات الثورة وعضوة حركة السادس من أبريل في تصريح لراديو سوا: "مطلبنا هي تشكيل مجلس رئاسي مدني وهذا المجلس هو الذي يشكل حكومة الإنقاذ الوطنية".

وتساءل البعض عن أسباب استمرار العنف رغم الإعلان عن تلك القرارات ومنهم طلعت فهمي عضو الأمانة العامة لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي الذي قال لراديو سوا: "نريد أن نفهم كيف يخرج علينا المشير طنطاوي ليبرئ نفسه من الجرائم التي اِرتُكِبت في حق شباب مصر وكل العالم شاهد ذلك على الفضائيات".

وقال فهمي إن هناك قوى داخل السلطة تعمل ضد مصلحة الثورة: "هناك سلطة حاكمة تعمل في مسار مخالف لمسار الثورة وتحاول أن تجهض الثورة وأن تكسر إرادة الجيل الذي نزع الخوف من قلبه يوم 25 يناير ونطق بكلمة الحق وغير شكل الحياة في مصر. المطروح الآن هو كسر إرادة هذا الجيل لأنه يهدد مصالح بقايا النظام وذيوله التي لم ترحل حتى الآن".

لكن أحمد أبو بركة المستشار القانوني لحزب الحرية والعدالة التابع لحركة الإخوان المسلمين اتهم بعض القوى السياسية بتصعيد الموقف بصورة غير مبررة. وقال أبو بركة لراديو سوا: "الوضع في غاية الالتباس. ما يحدث هو تعامل غير حصيف من جانب الجهات الأمنية مع اعتصام لبعض المتظاهرين في ميدان التحرير يوم السبت الماضي. واستغلت بعض القوى هذا الموقف وبدأت تصعد تصعيدا غير مبرر في اتجاه وزارة الداخلية. وبدأت قوات الأمن ترد عليهم فدخلنا في وضع متداخل وحدثت تجاوزت كثيرة استغلتها بعض القوى التي لا تريد لهذه الدولة أن تنهض وأن تصبح دولة ديمقراطية".

وقالت بكينام الشرقاوي أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة إن هناك اتجاهين سياسيين الآن يحركان الأحداث في مصر. وأضافت الشرقاوي لراديو سوا: "هناك تياران رئيسيان يتصارعان الآن. التيار الأول هو تيار التصعيد وزيادة الضغوط إلى أقصى درجة على المجلس العسكري. وهذا التيار يتشابك مع مسألة التصعيد بين الجهات الأمنية والثوار. أما التيار الثاني فيظهر خارج ميدان التحرير ويدعو إلى أن نتعقل وننظر بشكل أكثر إيجابية لخطاب المشير وأنه قدم خريطة طريق واضحة لنقل السلطة إلى سلطة مدنية".

كما أن إصرار المتظاهرين على البقاء في الشارع يعني أن هناك مشكلة حقيقية تمر بها البلاد، وصفها ناصر أمين رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء بأنها مشكلة ثقة بين المواطن ومن يديرون البلاد. وقال أمين لراديو سوا: "مشهد التحرير يؤكد أن هناك مشكلة.

لأنه لا يمكن أن يجتمع هذا العدد الكبير في التحرير متحديا الأجهزة الأمنية إلا إذا كانت هناك مشكلة كبيرة جدا تمر بها البلاد. المشكلة هو انه على مدار الفترة الماضية ونتيجة لممارسات الحكومة، باتت هناك حالة من عدم الثقة بين المواطنين والحكومة. وحالة عدم الثقة أدت إلى تربص كل طرف بالآخر. يبدو أن الشعب المصري يريد أن يتخلص من حالة التوتر والقلق التي أصابته في ميدان التحرير".

ووصف أمين ما يفعله المتظاهرون الآن بأنه محاولة للدفاع عن الثورة: "هناك شعور عام وتخوف من أن الثورة انتهت. ولذلك أنا في تقديري أننا أمام محاولة من المواطنين للدفاع عن الثورة لأنهم شعروا أنها سُلِبت في الأشهر الماضية".

ويبدو أن تلك الأسباب هي ما دفع الثوار والمعتصمين للبقاء في الميدان طوال الأسبوع رغم تصريحات المجلس العسكري. وهو ما بدا جليا في كلمات انجي حمدي من حركة ستة أبريل التي أعربت عن عدم ثقتها في تصريحات رئيس المجلس: "تلك التصريحات زادت حالة الاسيتاء في ميدان التحرير وأثبتت أن المجلس العسكري مستمر في انتهاج نفس أسلوب مبارك وسياسته وخطاباته في المرحلة الأولى من الثورة. البيان كان مليئا بالإدعاءات الكاذبة".

لكن هناك من يرى أن ما جاء في خطاب طنطاوي يمكن تحقيقه. وقال أحمد أبو بركة القيادي في حزب الحرية والعدالة في هذا الشأن: "يمكن تحقيق ما جاء في الخطاب. وهو أمر واقعي ويمكن تنفيذه في هذا النطاق الزمني. فيمكن إنجاز الاستحقاقات البرلمانية وتعيين حكومة بناء على هذه الانتخابات وإجراء الانتخابات الرئاسية".

بيد أن ناصر أمين رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء أفاد بأن ذلك الخطاب استهدف قوى سياسية لا وجود لها الآن في ميدان التحرير: "التصريح جاء متأخرا قليلا وإن كان حدد بالفعل موعدا محددا لتسليم السلطة لمدنيين، إلا أن هذا القرار ربما هدأ من روع بعض القوى السياسية المنفصلة تماما عن ميدان التحرير. وهذه هي المفارقة، فالقرارات التي أصدرها المشير ربما المخاطب بها هو القوى السياسية وليس الميدان".

ونبهت باكينام الشرقاوي أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة إلى أن الخطاب افتقر عنصرا مهما: "الخطاب كان ينقصه بعض اللمسات التي تهدئ النفس وتعيد بث الثقة بين المجلس الأعلى والشعب. كان لابد أن يكون هناك بعض الحنكة السياسية في صياغة البيان". معتصمو التحرير يريدون أن يروا مجلسا استشاريا رئاسيا قادرا على إدارة شؤون الدولة

بدلا من المجلس العسكري وهو ما أوضحته إنجي حمدي عضو حركة السادس من أبريل بالقول: "هناك تصور مشترك بين القوى السياسية والمواطنين العاديين الموجودين في الميدان بشأن هذا المجلس. فقد طالبنا بتشكيل مجلس رئاسي منها الدكتور محمد البرادعي والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والمستشار زكريا عبد العزيز وحازم أبو إسماعيل مع ممثل عن المجلس العسكري. هذا المجلس هو من يجب أن يدير شؤون البلاد ويشكل حكومة إنقاذ وطنية".

وكان الثوار هم من اختاروا اسم رئيس الوزراء السابق عصام شرف الذي قدم استقالته قبل أيام. لكن حمدي قالت إنهم يحاولون تفادي أخطاء المرحلة الماضية: "لكي نتفادى الخطأ الذي وقعنا فيه عند اختيار عصام شرف طرحنا أكثر من اسم مشهود لها بالكفاءة. كما يجب أن يكون هناك تشاور بين هذا المجلس وأفراد الشعب وألا يكون هناك تجاهل لمطالب الشعب". وشدد طلعت فهمي عضو الأمانة العام لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي عن قناعته بأن ذلك المجلس هو المخرج الوحيد من المأزق الذي تمر به البلاد: "هذا هو الحل الوحيد كي تمر المرحلة الانتقالية بسلام ويتحقق استقرار في البلاد ولبناء مستقبل أفضل. لذلك يجب أن يتخلى المجلس العسكري عن سلطاته لحكومة إنقاذ وطني تتمتع بجميع الصلاحيات على أن تضم شخصيات مشهود لها بالكفاءة والنزاهة".

لكن أحمد أبو بركة القيادي المستشار القانوني لحزب الحرية والعدالة كان له رأي مختلف بشأن المجلس المقترح: "هذا المجلس خروج على المشروعية والاستفتاء الذي أجري من قبل الذي حدد طريقا لإدارة البلاد ووضع الدستور".

واقترحت باكينام الشرقاوي أستاذة العلوم السياسية أن يتم التركيز في الوقت الراهن على تعزيز صلاحيات حكومة الإنقاذ الوطني: "فكرة المجلس الرئاسي المطروحة تواجه الكثير من الصعوبات. يجب في المقابل أن نركز على تشكيل حكومة إنقاذ وطنية وأن نضغط في اتجاه أن تتمتع هذه الحكومة بصلاحيات أكبر".

وتأتي تلك الأحداث قبل أيام من أول انتخابات بعد الثورة. المجلس العسكري أعلن تمسكه بإجراء تلك الانتخابات في موعدها. ورغم صعوبة ذلك إلا أن إنجي حمدي لا ترى مانعا في إجراء تلك الانتخابات في موعدها: "نحن متفقون جميعا على أنه يتعين إجراء الانتخابات في موعدها. لكنني لا أعلم كيف يمكن أن يتم ذلك ووزارة الداخلية تهاجمنا. لكن يجب أن يتراجع الأمن وأن يتم تشكيل مجلسا رئاسيا هو الذي يشرف على الانتخابات. المسار الصحيح لهذه البلاد هو إجراء انتخابات البرلمان ثم الرئاسة".

لكن طلعت فهمي القيادي في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي استبعد إمكانية إقامة انتخابات سليمة في ظل الوضع الراهن: "من المستحيل إجراء الانتخابات في هذه الظروف. فهذا تزوير مستتر أن أسلم الصناديق لنفس هيئة الشرطة التي تمارس القتل في مواجهة الشعب".

وفي المقابل، رفض أحمد أبو بركة القيادي في حزب الحرية والعدالة تأجيل الانتخابات متهما جهات لم يسمها بإثارة العنف لتعطيل العملية الانتخابية: "أعتقد أن الانتخابات هي المخرج لما نحن فيه. أعتقد أن الهدف مما يحدث الآن هو قطع الطريق على الانتخابات".

أما ناصر أمين رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء فألمح إلى وجود حالة من الاستياء بين المصريين قد تدفعهم نحو العزوف عن المشاركة في الانتخابات: "هي إن تمت في موعدها ستتم بهدوء لأن هناك رغبة حقيقية في إجراء تلك الانتخابات في موعدها من قبل المجلس العسكري. لكن هناك حالة من الحزن على يحدث في التحرير مما يؤثر على معنويات المصريين ورغبتهم في المشاركة في الانتخابات. والبعض بدأ يشعر بالفعل أنه لا جدوى من تلك الانتخابات".

بيد أن باكينام الشرقاوي أستاذة العلوم السياسية حذرت من أن مساوئ تأجيل الانتخابات تفوق عواقب إجرائها في موعدها: "نحن في موقف صعب وعلينا أن نختار الأقل سوءاً. الأقل سوءاً الآن هو إجراء الانتخابات في موعدها لأن ذلك هو الأمل الوحيد لأن نبدأ في انتزاع السلطة من المجلس العسكري وهي المشكلة في مصر في المرحلة الانتقالية".
XS
SM
MD
LG